قام المعلم والمزارع حسين يوسف سلمان بتقصي السياج الهائل الذي التهم أرضه ودمر بيوته الزجاجية (الدفيئات الزراعية) وعزل بئره وسوَّر بلدته (حبلة) وقطع عائلته عن المدارس والمستشفيات والأسواق الموجودة في مدينة قلقيلية القريبة من حقله شمال غربي الضفة الغربية.وتبني الحكومة الإسرائيلية هذا الجدار حاليا لعزل إسرائيل
عن الضفة الغربية ولتحجيم الهجمات التفجيرية الفلسطينية على حد زعمها. ويمتد الجدار في حبلة مسافة ميل داخل الضفة الغربية. وقال سلمان، 43 سنة، أثناء عمله على ما تبقى من بيوت زجاجية: «إنه يخلق الكراهية بيننا وبينهم».
وعلى بعد خمسة أميال حيث تقع مستوطنة القانا التي يقيم فيها 3500 مستوطن يهودي، رحب مارسيل غانز بحقيقة أن السياج امتد مسافة ميلين داخل الضفة الغربية ليشمل مستوطنته. وقال غانز رئيس المجلس البلدي للمستوطنة إن الحاجز يوفر حماية من الفلسطينيين الذين قتلوا أكثر من 850 إسرائيليا خلال الثلاث سنوات الأخيرة.
وبعد ما يقرب من 16 شهرا على انطلاق عمليات بنائه تضاعف هذا الجدار من ميزانية مصغرة تبلغ 120 مليون دولار ليصل إلى واحدة من أكبر الميزانيات وأكثر المشاريع إثارة للجدل في تاريخ إسرائيل.
وإذا تم بناؤه حسبما هو مخطط له فإن الجدار سيكلف 1.3 مليار دولار اي بكلفة 3.2 مليون دولار للميل الواحد. ويضم الجدار الذي يتراوح عرضه بين 60 و100 متر خليطا من الأسيجة والخنادق والطرق والجدران الاسمنتية التي يبلغ ارتفاعها 25 قدما إضافة إلى أسيجة من الأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة والكاميرات والمجسات الألكترونية. وهذه ستمتد إلى مسافة تقارب من 400 ميل حول قلب الضفة الغربية وفي بعض الأمكنة تخترق هذه الأحزمة مسافة أميال داخل الضفة الغربية لكي تحيط المستوطنات وتبقيهما ضمن كيان إسرائيل.
ولحد الآن تم بناء ما يقرب من 78 ميلا من هذا الجدار ابتداء من رأس الضفة الغربية الشمالي إلى ما يقرب من مسافة 23 ميلا عن القدس المحتلة. وزعم بعض مسؤولي الأمن الإسرائيليين ان 75% من التفجيريين الذين نفذوا عملياتهم داخل إسرائيل يأتون عبر هذا الشريط الحدودي. وتم كذلك إكمال 12 ميلا آخر من الجدار إلى شمال وجنوب القدس المحتلة.
وفي بعض النقاط امتد الجدار مسافة 3 أميال داخل الضفة الغربية لكي يحيط 10 مستوطنات يبلغ عدد سكانها حوالي 19 ألف شخص. والتهم بذلك47 ميلا مربعا من الجانب الفلسطيني على الخط الأخضر الذي يمثل خط الهدنة التي اتفق عليها في مؤتمر رودس عام 1949 وتشكل هذه الأرض نسبة 2% من الضفة الغربية وتحتوي على ما لا يقل عن 13 قرية فلسطينية و12 ألف مواطن حسب تقارير منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والإسرائيلية والبنك الدولي. ولحد الآن أدى بناء الجدار الى تدمير ما يقرب من 100 ألف شجرة زيتون وليمون و75 فدانا من الدفيئات الزراعية و23 ميلا من أنابيب الري.
وأصبح هذا المشروع قضية خلافية في العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية واعرب الرئيس الاميركي جورج بوش عن انزعاجه في الفترة الأخيرة من أن الجدار «يتعرج داخل الضفة الغربية وهذا ما يجعل تطوير دولة مترابطة الأجزاء صعبا جدا» بالنسبة للفلسطينيين.
وأجلت الحكومة الإسرائيلية اتخاذ قرار حول ما إذا كانت مرحلة البناء اللاحقة الهادفة إلى شق طريق للجدار داخل الضفة الغربية لمسافة 13 ميلا لغرض حماية مستوطنة آرييل التي يسكنها 20 ألف مستوطن ضمن الأراضي الإسرائيلية. وكانت آخر المخططات تشمل مستوطنة آرييل لكن إدارة بوش عبّرت عن قلقها من المقترح وأشارت في الأسبوع الماضي الى أن الضمانات الأميركية للقروض المخصصة لإسرائيل قد تقلَّص بسبب هذه القضية. وفي أوائل سبتمبر (ايلول) الجاري أقرت وزارة الدفاع الإسرائيلية طريقا يخترق أرضا قريبة من الخط الأخضر، مع ذلك فإن اليمين يمارس الضغط على الحكومة لصالح مستوطنة «آرييل».
ويقول المنتقدون إن الجدار الذي يتخطى الخط الأخضر هو دليل على ان شارون يستخدم المشروع ليرسم بشكل أحادي الحدود السياسية بين إسرائيل والضفة الغربية وإلى مدى أبعد حدود أي دولة فلسطينية مستقبلية.
وقال المحلل العامل لصالح منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية «بتسليم» نجيب أبو رقية: «الهدف الذي يسعى إليه صنّاع القرار الاسرائيلي حينما حددوا خط سير طريق الجدار هو امتلاك الأرض وتدمير الخط الأخضر». واضاف «الطريق هو ليس إلا لسرقة الأرض».
لكن حسب رأي نيتساه ماشيه الذي يدير مشروع الحاجز لصالح وزارة الدفاع الإسرائيلية «فاننا نستخدم القانون لمصادرة الأراضي لأسباب أمنية والقانون واضح جدا: حينما تنتهي المشكلة الأمنية تماما ستتم إعادة الأرض إلى أصحابها».
من جانب آخر قال بعض الإسرائيليين إن مشروع بناء الجدار كبير جدا ومكلف كثيرا وهذا ما يجعل فكرة أن يكون مؤقتا غير واردة. وكتب دوري غولد كبير مستشاري شارون في الفترة الأخيرة أن «السور الفاصل سيتطور مع الوقت كي يصبح سورا سياسيا دائما إذا فشل الفلسطينيون في الدخول بعملية مفاوضات مع إسرائيل».
وقال الميجور جنرال المتقاعد عوزي دايان رئيس مجلس الأمن القومي لإسرائيل والذي يرأس حاليا ما يُعرف بـ «جدار الأمن» وهي مجموعة من المنظمات المناصرة لفكرة الإنجاز السريع للجدار إن قطاع غزة محاط بجدار يبلغ طوله 36 ميلا منذ منتصف التسعينات ولم يتمكن أي مهاجم فلسطيني من العبور من غزة إلى إسرائيل خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وقال دايان إن «غزة هي مثال ساطع عن كيف يمكن أن يكون وجود الجدار فعالا».
ومع بدء وصول الجدار داخل الضفة الغربية راحت جماعات من المستوطنين والمتدينين الإسرائيليين تسعى إلى حرف طريقه كي يحمي أقصى ما يمكن من مستوطنات عن طريق وضعها ضمن الطرف الحدودي الإسرائيلي حسبما قال أدييل مينتس رئيس مجلس أكبر منظمات الاستيطان «يشع».
وكسب تقرير صدر في اغسطس (آب) الماضي عن «بنغون» المنظمة التي تضم مجموعة من التنظيمات الفلسطينية المعنية بالبيئة وكشف عن اقتراب الجدار من عدة قرى فلسطينية ومن شأنه ان يضع اخصب الأراضي الزراعية وآبار الماء الفلسطينية على الجانب الإسرائيلي. فمن 51 بلدة وقرية فلسطينية الواقعة على امتداد طريق الجدار هناك 21 منها فصلت عن أراضيها الزراعية. وهناك 27 قرية فلسطينية فقدت أكثر من 500 فدان من اراضيها أو فصِلت عنها.
وقال المزارع عبد حافظ عودة، 58 سنة، والذي يعيش في قرية الضبعة الفلسطينية ذات الـ 200 ساكن جنوب غربي قلقيلية «نحن اناس نعيش في سجن. فهذه القرية تقع بالقرب من مستوطنة الفي مينشيه وحينما تم تسوير هذه المستوطنة عن بقية الضفة الغربية جرى الشيء نفسه لقرية الضبعة. ومع عدم السماح لسكان هذه القرية بدخول إسرائيل أصبحوا الآن غير قادرين على دخول الضفة الغربية أيضا».
هناك ما يقرب من خمسين مترا من الأسلاك الشائكة والخنادق والطرق والأسيجة التي تفصل عودة وأخاه عن أشجار الزيتون في حقلهما وآباره، وأطفالهما ما عادوا قادرين على الذهاب إلى المدرسة الفلسطينية في رأس عطية لأنها هي أيضا تقع في الجانب الآخر من السياج. ولحد الآن يقول ناشطون في حقوق الإنسان إنه لم تتخذ أي إجراءات للسماح للسلطة الفلسطينية بعبور الجدار لإيصال الخدمات الأولية لهم.
وقال المسؤولون الإسرائيليون إنه تم إنشاء 41 بوابة على امتداد التسعين ميلا من الجدار الذي انجز لحد الآن للسماح للفلسطينيين كي يصلوا إلى أراضيهم الزراعية إذا كانت لديهم بطاقات السماح الخاصة بالعبور. كذلك سيوفر الجدار 10 معابر خاصة بالسيارات والمشاة وخمسة أخرى للسلع حسبما قال المسؤولون الإسرائيليون.
لكن الفلسطينيين يقولون إنه طالما أن إسرائيل تسيطر على هذه البوابات فإن الجدار لن يُفتح أمامهم. فبلدة جيوس التي يسكنها ما يقرب من 2800 شخص قطعت عن 2150 فدانا من أراضيها الزراعية التي تشكل ثلثي أراضيها المزروعة لأن الجنود الإسرائيليين رفضوا في الفترة الأخيرة فتح البوابة لمدة عشرة أيام حسبما قال عبد اللطيف خلف المنسق المحلي لـ «حملة جدار الأبارتييد (التمييز العنصري)» في بنغون. وقال معروف زهران عمدة قلقيلية «هناك جدار وهناك مفتاح له في جيب إسرائيل».
حبلة (الضفة الغربية): جون وارد أندرسون*
| تعليقات |
|









