|
هذه هي الحقائق حول مبادرة
الشيخ زايد بقلم
: الدكتور عبد الواحد الجصاني
أولا : المقدمة
هذا البحث ليس نكئا للجراح ولا إنتقاصا من مكانة وذكرى
المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بل لكشف الحقائق
والنأي بالصورة الناصعة لحكيم العرب عن قضية إكتنفها الغموض
وسوء الفهم والتضليل وسميت بإسمه بغير حق. وبذات الوقت، ومع
إقتراب الذكرى الأولى لإستشهاد الرئيس صدام حسين، فإن هذا
البحث يكشف، لأول مرة، موقفا مكتوبا للرئيس صدام حسين من هذه
المبادرة.
في خضم العاصفة الهوجاء التي أثارتها الولايات المتحدة
للتحضير لغزوها العراق، وقبل ثلاثة أسابيع من الغزو أعلن
مسؤولون سياسيون في الإمارات العربية المتحدة ماسميت بمبادرة
الشيخ زايد وحاولوا طرحها على مؤتمر القمة العربي في شرم الشيخ
يوم 1/3/2003، لكن أغلب القادة العرب رفضوا مناقشتها في القمة
بإعتبارها تمثل تدخلا في الشؤون الداخلية لدولة عربية وسابقة
خطيرة في العلاقات الدولية. ثم حاولت الكويت إعادة طرحها على
مؤتمر القمة الإسلامي في الدوحة يوم 5/3/2003 وفشلت. وجاء
الغزو والإحتلال الأمريكي للعراق، ولم تنل هذه (المبادرة)
نصيبها من التقويم الموضوعي. وإعتقد كثيرون انها أصبحت في ذمة
التاريخ ومن غير المناسب الحديث عنها إحتراما لذكرى الشيخ زايد
رحمه الله. إلاّ أن البعض يصرّ، من وقت لآخر، على التذكير بها
ظنا منه أنها كانت إنجازا يعتدّ به للشيخ زايد رحمه الله،
ويضيف هذا البعض مدعيا أن الرئيس صدام حسين كان قد قبل
بالمبادرة، ومن ذلك ماذكره الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي
في مقابلة على قناة (العربية) يوم 27/10/2005 ضمن البرنامج
الوثائقي (زايد حكيم العرب) حيث قال ان الرئيس العراقي السابق
صدام حسين كان قد وافق على مبادرة والده الشيخ زايد بن سلطان
في القمة العربية بشرم الشيخ قبل غزو العراق عام 2003. ثم جاء
تصريح ملك البحرين خلال مؤتمره الصحفي يوم 18/12/2006 حيث قال
إنه دعا الرئيس صدام حسين قبل أن تبدأ الحرب إلى «أن يأتي
للبحرين ويعيش بيننا. قلت له خلَّي غيرك يحكم واعبر الأزمة.
لكنه سكت ولم يرد... وسكتنا». وأخيرا ما نشرته صحيفة البايس
الأسبانية وصحيفة "الانديبندنت" البريطانية يوم 30/9/2007 نقلا
عن تسجيلات لحوار دار بين رئيس الوزراء الاسباني آنذاك خوسيه
أزنار والرئيس الامريكي جورج بوش يوم 2/2/2003 وجاء فيه قول
الرئيس الاسباني خوسيه أثنار ان معلومات لديه تفيد بأن صدام
حسين مستعد لمغادرة بلاده الى المنفى في أي بلد آخر مقابل مبلغ
مليار دولار. واجاب جورج بوش "ان المعلومات المتوفرة لديه تقول
ان مصر اجرت مفاوضات مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين حول
مغادرته العراق، إلا ان صدام طالب اضافة الى مليار دولار، ان
يأخذ معه كل المعلومات حول اسلحة الدمار الشامل.
إن مرور أكثر من أربع سنوات ونصف على الغزو والإحتلال
الأمريكي للعراق تجعل الحديث الهاديء والموضوعي عن (المبادرة)
مطلوبا، خاصة وأن حقائق كثيرة تكشفت حول أهداف هذا الغزو
والإحتلال الذي تبين أنها لم تكن تطلب رأس الرئيس الشهيد صدام
حسين فحسب، بل تدمير وتقسيم العراق وجعله نقطة اإنطلاق لنشر
(الفوضى الخلاّقة) الى دول المنطقة وبالذات منها دول الخليج
العربي.
ثانيا : خلاصة المبادرة :
من حيث المضمون : أطلقت (المبادرة) خلال مؤتمر القمة العربي
في شرم الشيخ في 1/3/2003، وقدّمها المسؤولون الإماراتيون على
أنها الحل الوحيد لإنقاذ العراق من الحرب. وجوهر(المبادرة) أن
يتخلى الرئيس العراقي صدام حسين وباقي أعضاء القيادة عن السلطة
في غضون أسبوعين ومغادرة العراق مع توفير حماية ملزمة للقيادة
العراقية محليا ودوليا بضمنها الحصانة من أي محاكمة،. وتتولى
جامعة الدول العربية والأمم المتحدة الإشراف على الوضع الداخلي
في العراق لفترة انتقالية (لم يتم تحديدها) يصار خلالها إلى
اتخاذ ما يلزم من إجراءات من أجل عودة الأمور إلى نصابها وفق
ما يراه الشعب العراقي. كما تضمنت (المبادرة) إصدار عفو عام
وشامل عن كل العراقيين داخل العراق وخارجه
ويتضح من هذا النص أن الخطوات المطلوبة في هذه المبادرة هي
الآتية :
1 - ترك القيادة السياسية للعراق الحكم ومغادرة العراق
مقابل وعد بالحفاظ على حياتهم.
2 – حلّ جميع المؤسسات الدستورية القائمة في العراق كمجلس
قيادة الثورة ومجلس الوزراء والمجلس الوطني (البرلمان)، كذلك
حل حزب البعث العربي الإشتراكي كونه جزءا من السلطة وممثلا
لها، ويعني ذلك أيضا تفكيك هيكل الجيش العراقي بعد مغادرة
القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع وقادة الجيش الآخرين
كونهم من أركان النظام السابق الذي قرر حلّ تفسه.
3 - قيام الجامعة العربية والأمم المتحدة بتشكيل مؤسسات
سياسية وتشريعية وقضائية جديدة والتحضير لإنتخابات عامة.
4 - عودة قوى المعارضة المقيمة في الخارج مستفيدة من العفو
العام لإستلام السلطة.
5 - ما لم يذكر في (المبادرة) ولكنه جزء منطقي منها هو أن
الفراغ السياسي والأمني والذي سينتج في العراق بعد قبول
القيادة العراقية بالتنحي ومغادرة العراق هو الحاجة لقوات
عسكرية تابعة للأمم المتحدة أو مخولة من قبلها لحفظ الأمن في
العراق والإشراف على تشكيل المؤسسات السياسية الجديدة. وليس
هناك غير القوات الأمريكية التي أكملت حشودها حول العراق
بإنتظار دخوله، وخير غطاء لها هو الغطاء الدولي، وعندذلك سيكون
إحتلالها للعراق عملا مشروعا وإداء لمهمة نبيلة كلفتها بها
الأمم المتحدة.
بكلمة أخرى، كان هدف المبادرة هو إسقاط النظام السياسي في
العراق وإستخدام الشرعية الدولية (الأمم المتحدة والجامعة
العربية) غطاء للإحتلال الأمريكي للعراق بدون قتال والشروع
بإقامة نظام سياسي في العراق من الشخصيات والأحزاب العميلة
لإمريكا. أي أن هدف المبادرة هو تقديم العراق على طبق من ذهب
للجيش الأمريكي، وإعطاء هذا الإحتلال صفة شرعية وإسقاط هيبة
القيادة العراقية وحزب البعث العربي الإشتراكي الى الأبد، ووأد
أية مقاومة عراقية للإحتلال، لإنه لن يكون إحتلالا غير مشروع
بل تكليفا قانونيا من الأمم المتحدة لإدارة العراق يشبه حالة
الإنتداب التي كانت معروفة في فترة ما بين الحربين العالميتين،
ويشبه حالات إحتلال أخرى أحدث مثل تيمور الشرقية وهايتي
وكوسوفو.
أما من حيث التوقيت، فقد جاء توقيت إطلاق (المبادرة) في قمة
شرم الشيخ قبل ثلاثة أسابيع من الغزو الأمريكي للعراق بهدف
تحميل الرئيس صدام حسين والقيادة العراقية مسؤولية الغزو
الأمريكي للعراق في حال رفضه التخلي عن السلطة، وكذلك إعفاء
الدول العربية من أية مسؤولية في عدم تفعيل ميثاق الجامعة
العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك أو أي جهد يصب في دعم
العراق بوجه غزو أجنبي غير مشروع، بإعتبار أن المبادرة سعت الى
وقف الحرب وتعنت القيادة العراقية ورفضها للمبادرة أجهض محاولة
الحل السلمي للأزمة. كما أن المبادرة أعطت إشارة واضحة لبدء
حملة دولية للتحرك ضد السلطة الوطنية في العراق ومطالبتها بترك
العراق بذريعة تجنب المواجهة العسكرية مع أمريكا، إضافة إلى
أنها كانت جزءا من الحملة النفسية التي تريد خلق البلبلة
والإرباك في جبهة العراق الداخلية.
ثالثا : (مبادرة) من كانت؟
إن قراءة متأنية لخطاب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش أمام
الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 12/9/2002 (نص الكلمة موجود
في وثيقة الأمم المتحدة S/57/P. V. 2) تؤكد أن المبادرة كانت
للرئيس بوش وليس لغيره.
ففي هذا الخطاب المخصص كليا للعراق، على غير المألوف في
خطابات رؤساء الدول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي
يستعرضوا فيها مواقف دولهم من مجمل العلاقات السياسية الدولية،
إستعرض الرئيس بوش إستراتيجة الولايات المتحدة لتغيير النظام
السياسي في العراق وفق سيناريوهات تتلائم مع التطورات
المحتملة.
وكان السيناريو الأول والمفضّل لبوش هو في حالة رفض العراق
عودة المفتشين (الذين غادروا العراق في كانون الأول 1998
تمهيدا للعدوان الأمريكي فيما سمي بعملية ثعلب الصحراء)، عندها
سيكون من السهل على الولايات المتحدة إستصدار قرار من مجلس
الأمن يسمح بإسنخدام القوة ضد العراق بذريعة إنتهاك قرارات
مجلس الأمن، وقد عبر بوش عن ذلك بقوله (سوف تفرض قرارت مجلس
الأمن وسوف تلبى المطالب العادلة بالسلام والأمن، وإلاّ فلا
مفر من القيام بعمل، إن النظام الذي فقد مشروعيته سيفقد كذلك
سلطته)
أما السيناريو الثاني فقد أعدّ لمواجهة إحتمال سماح العراق
عودة المفتشين. وشرح بوش هذا السيناريو بأن قرن عودة المفتشين
بسلسلة طويلة من المطالب على العراق تنفيذها ومنها (الكشف عن
أسلحة الدمار الشامل والصوايخ بعيدة المدى وكل المواد ذات
الصلة وإزالتها أو تدميرها) و(وقف كل الدعم الذي يقدمه النظام
العراقي للإرهاب) و(الكف عن إضطهاد سكانه المدنيين بضمنهم
الشيعة والسنة والأكراد والتركمان وغيرهم) و(إطلاق سراح الأسرى
الكويتيين وإعادة الممتلكات الكويتية المسروقة) و(التوقف عن
الإتجار غير المشروع خارج إطار برنامج النفط مقابل الغذاء).
وإذا نفذ العراق كل هذه السلسة الطويلة من المطالب فإن سيناريو
بوش كما ورد في خطابه هو : (وإذا ما إتخذت كل تلك الخطوات فإن
ذلك سيدل على إنفتاح جديد وخضوع العراق للمسائلة، وقد يمكّن
ذلك الأمم المتحدة من إنشاء حكومة تمثل كل العراقيين، حكومة
تقوم على إحترام حقوق الإنسان والحرية الإقتصادية وإجراء
إنتخابات يشرف عليها المجتمع الدولي).
أي أن بوش وضع في خطابه فرضيتين : الأولى في حالة رفض
العراق عودة المفتشين، وعندها تغزو أمريكا العراق بغطاء دولي.
والثانية في حالة قبول العراق عودة المفتشين وصعوبة توفير
الغطاء الدولي للهجوم على العراق، عند ذلك تحشد الولايات
المتحدة قواتها ونطلب من الحكومة العراقية التخلي عن السلطة
وتسليم العراق للأمم المتحدة، فإن تخلت حكومة العراق عن السلطة
يجري إحتلال العراق بلا حرب، وإن لم تتخلّ، فلن يكون أمام
الولايات المتحدة سوى شن الحرب على العراق وإحتلاله بدون غطاء
شرعي دولي.
وبمقابل هذا السيناريو الجهنمي إتخذ العراق خطوة حكيمة بإن
وافق على عودة المفتشين. ووجه وزير خارجية العراق رسالة الى
الأمين العام للأمم المتحدة بذلك في 16/9/2002 أي بعد خطاب بوش
بأربعة أيام فقط. لذا لم يعد ممكنا لإمريكا الضغط بإتجاه إصدار
قرار من مجلس الأمن يخول بإستخدام القوة ضد العراق، فتحولت الى
التركيز على السيناريو الثاني الذي يتضمن إصدار قرار من مجلس
الأمن أيضا، ولكن لمطالبة العراق بتنفيذ رزمة من المطالب (التي
ذكرها بوش في خطابه أعلاه) وفرض آليات قاسية وتدخلية لتنفيذها
بأمل أن يفقد العراق صبره ويرفض التعاون فيعودوا الى السيناريو
الأول، أو يواصلوا هذا السيناريو الى نهايته. وهكذا صدر قرار
مجلس الأمن 1441 في 9/12/2002 والذي تضمن إجراءات تدخليّة
إضافية ومطالب شبه تعجيزية من العراق.
ومن أجل نزع ذرائع العدوان على العراق تعاملت القيادة
العراقية مع القرار 1441 بأقصى درجات ضبط النفس وتحملت
إستفزازات المفتشين ومطالبهم التي تنتهك مباديء سيادة الدول
التي نصّ عليها ميثاق الأمم المتحدة. ونجحت القيادة العراقية
في ذلك نجاحا كبيرا. ونزعت من مفتشي الأنموفيك والوكالة
الدولية للطاقة الذرية كل ذرائع إتهام العراق بعدم الإمتثال
للقرار 1441. هذا التعاون العراقي قطع الطريق أمام محاولات
الولايات المتحدة وبريطانيا إستصدار قرار من مجلس الأمن يعتبر
العراق غير ممتثل لإلتزاماته. ورغم ذلك حاولت الولايات المتحدة
وبريطانيا بدون جدوى تقديم إدعاءات الى مجلس الأمن أقل ما يقال
عنها أنها متهافتة، مثل القول أن إعلان العراق التام والشامل
والنهائي، المكون من أكثر من عشرين ألف صفحة، لم يكشف عن أي
برامج أو أسلحة محظورة جديدة (اليوم عرفنا أكثر من أي وقت مضى
كم كان هذا الإدعاء متهافتا) او أن العراق يخرق قرارات مجلس
الأمن يإستهدافه الطائرات الأمريكية والبريطانية التي تفرض
منطقتي حظر الطيران شمالي وجنوبي العراق (بينما منطقتي حظر
الطيران غير شرعيتين ولم يأذن بهما مجلس الأمن). لذا لم يعد
أمام حكومة الولايات المتحدة غير اللجوء الى السيناريو الأخير
أي إما إحتلال العراق بذريعة وجود الفراغ السياسي والأمني إذا
وافقت قيادته على التنحي، أو بالإستخدام المنفرد وغير المشروع
للقوة المسلحة. وهكذا طلب الرئيس بوش من وزير خارجيته السيد
كولن باول التشاور مع السلطات الإماراتية لتقديم مقترح تنحي
الرئيس صدام حسين والقيادة السياسية العراقية بإسم الشيخ زايد
(رحمه الله). أما لماذا أختيرت الإمارات العربية المتحدة
وأختير الشيخ زايد رحمه الله، فالسبب واضح وهو لما يكنّه العرب
والعالم من إحترام للإمارت وللشيخ زايد بالذات. ومما يؤكد حصول
هذا الطلب أن كولن باول إستبق تقديم (المبادرة) الى قمة شرم
الشيخ بتصريح قبل يوم من القمة طالب فيه القادة العرب إصدار
بيان قوي في قمتهم يطالبون فيه العراق بالالتزام بمطالب الأمم
المتحدة بنزع الأسلحة وتقديم اقتراح بأن يتنحى الرئيس العراقي
ويغادر البلاد للإقامة في المنفى من أجل تجنيب بلاده حربا. كما
سارع كولن باول بتأييد (المبادرة) بعد إعلانها على هامش القمة
وقال (أنها تمثل حلا يجنب المنطقة المضطربة حربا أخرى). بقي أن
نشير الى أن الفرق الوحيد بين مبادرة بوش في خطابه يوم
12/9/2002 والمبادرة المنسوبة للشيخ زايد رحمه الله، هو أن
الأخيرة أضافت الجامعة العربية الى الأمم المتحدة في تولي شؤون
العراق بعد تنحي قيادته. وواضح أن هذه الإضافة لا تعني شيئا
لإن الجامعة العربية كانت أعجز من أن توفر مستلزمات بسيطة
لممثلها السفير مختار لماني الذي أرسلته ليمثلها في العراق بعد
الإحتلال، وكان ذلك من بين أسباب كثيرة دفعت هذا الرجل الشهم
الى الإستقالة (أنظر مقال السفير لماني في صحيفة الشرق الأوسط
ليوم 20/10/2007) فكيف بالجامعة العربية تدير شؤون العراق!!
رابعا : الموقف العربي من المبادرة
قدم وفد الإمارات الى القمة العربية مبادرته على شكل رسالة
من رئيس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى
الزعماء العرب وطلب الوفد الإماراتي توزيعها كوثيقة من وثائق
القمة وإدراج موضوعها على جدول الأعمال، إلاّ أن أغلب وزراء
الخارجية العرب الذين اجتمعوا قبل القمة رفضوا المقترح وقالوا
إنهم يريدون البحث عن السلام وليس التدخل في شؤون العراق
الداخلية. وكذلك رفض الأمين العام لجامعة الدول العربية هذه
(المبادرة).
ومن جانب آخر أيد وزراء خارجية الكويت والبحرين هذه
المبادرة بينما وقفت السعودية موقفا متحفظا قائلة أن المبادرة
بحاجة الى مزيد من الدراسة والإنضاج. وكانت سوريا ولبنان
واليمن والجزائر وليبيا أكثر الدول العربية رفضا للمبادرة،
وحذر الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في الجلسة الافتتاحية
للقمة من أن طرح فكرة تغيير النظام العراقي قد يكون سابقة
يتلوها تغيير كل الأنظمة العربية "من بغداد إلى موريتانيا"،
ودعا القادة العرب لتشكيل لجنة رئاسية عربية لزيارة الولايات
المتحدة من أجل العمل على حل سلمي للأزمة العراقية.
أما في مؤتمر القمة الإسلامي في الدوحة (الذي عقد بعد القمة
العربية بخمسة أيام) فقد إشترط العراق لحضوره هذه القمة أن لا
تسمح رئاسة المؤتمر بأي حديث عن (المبادرة) وجرى ذلك خلال
مكالمة هاتفية بين نائب رئيس مجلس قيادة الثورة السيد عزت
الدوري وأمير قطر , وتعهد أمير قطر بعدم إدراج (المبادرة) على
جدول الأعمال، إلا أن وزير خارجية الكويت (أميرها الحالي) خرق
هذا التفاهم وأشاد في كلمته بالمبادرة مما إضطر السيد عزت
الدوري الى الرد عليه بشكل دبلوماسي، وعندما بدأ صراخ وزير
الدولة للشؤون الخارجية الكويتي (وزير الخارجية الحالي) يملأ
القاعة، رد عليه السيد عزت الدوري بكلمات قاسية من بينها (أخرس
يا عميل, يا صغير, يا قرد, أخرس يا كلب أنت أمام العراق
العظيم، لعن الله أبو شاربك).
خامسا : موقف الرئيس صدام حسين من (المبادرة)
لسنا هنا في وارد الحديث عن البديهيات، فمواقف صدام حسبن
منذ صباه وحتى صعوده سلّم المجد يوم النحر معروفة للجميع، وهو
كان يردد صادقا (لو أحنيت رأسي للظالمين لرفضتني نفسي)، ولكننا
ننقل هنا للتاريخ موقفا مكتوبا للرئيس صدام حسين من
(المبادرة). هذا الموقف جاء على شكل رسالة من الرئيس صدام حسين
مؤرخة في الرابع من آذار 2003 الى نائب رئيس مجلس قيادة الثورة
السيد عزت الدوري الذي كان موجودا وقتها في الدوحة للمشاركة في
قمة منظمة المؤتمر الإسلامي.
وأدناه الفقرات الأساسية من الرسالة :
تبدأ الرسالة بالآتي
(بسم الله الرحمن الرحيم
السيد النائب
السلام عليكم
لقد تجاوز ضعف الضعفاء الحد الذي نسميه ضعفا، يستوجب فهمه
لمعالجته، عندما أصبحوا يتجاوزون على شعب العراق العظيم
وقيادته، حتى إختلطت نوايا الشر بمرض النفوس التي إنساقت مع
شيطانها في الرضوخ لأوامر طغاة هذا العصر، الطاغيتين أمريكا
والكيان الصهيوني، الأمر الذي يجعل مجاملة كائن من يكون، أو
السكوت عليه، وهو على هذه الصورة، وبخاصة عندما يصرّون على
السوء والأذى، مثلما فعل أصحاب (مشروع الرذيلة). إن السكوت على
أفكار كهذه حتى لو لم تجد طريقها لمن ينصت اليها كأنه سكوت عن
واجب الإفصاح بصوت جهوري، دفاعا عن الحق وإلقام الباطل حجرا
ليؤدب من يستحق هذا.
لقد حالت موجبات السفر السريع، وإختصار إنعقاد إجتماعنا
ليوم 3/3/2003، بيننا وبين أن نناقش كيف نتصرف مع الفكرة
الشائنة الرعناء التي نسبت للشيخ زايد، وكيف نقف موقفا صحيحا
ضدها وإزاء أصحابها، ومع إني متيقن بإنكم ستقفون الموقف
المطلوب، فإن واجبي يقتضي مني أن أقول لكم ذلك، وأن تقول لمن
يعاود طرح هذا المشروع على القمة الإسلامية : بأي حق تطرح هذا؟
فإذا كان على أساس الأواصر الإسلامية ومقتضياتها، فأنت خير من
يعرف ما هي الحقوق والإلتزامات فيها. ثم إن لنا نقطة إعتراض
نظامية وقانونية، على وفق إعتراض من يعترض على طرح فكرة ما على
جدول الأعمال، ذلك أن منظمة المؤتمر الإسلامي لم تؤسس لتتدخل
في الشؤون الداخلية لإعضائها، وتزرع الفرقة بينهم، وتسلب الشعب
المعني حقه الشرعي والدستوري في الإختيار، وإنما لتنمية أواصر
الأخوة بين الدول الإسلامية، ولا نحسب أن هذا الإسلوب من
بينها)
وتضيف الرسالة :
(وربما ذهب بإصحاب الفكرة خيال السوء حدا تصوروا فيه أن
القيادة في العراق ستقبل بهذا، وأن صدام حسين سيستقيل ويترك
شعبه ورفاق درب الجهاد والنضال الطويل ليواجهوا عدوان ومؤامرة
أمريكا والصيهونية من غيره... أيها السادة إن صدام حسين
وقيادته جاء بهم قدرهم الى المسؤولية ثوارا مجاهدين عند خط
البداية، بعد أن إتكلوا على الله الواحد العظيم، وأكد شعبهم
تمسكهم بصدام حسين ورفاقه... وإن الشعب الذي جاهد وقدّم أغلى
التضحيات تحت قيادة صدام حسين وقيادته الجماعية، لن يتخلى عن
قيادته إستجابة لرغبة هذا أو ذاك كائنا من يكون، ومن يخاف من
أمريكا والكيان الصهيوني بسبب ضعفه، فإننا حاضرون لنقويه على
الحق، ولكننا لسنا ضعفاء في الإيمان والموقف لننزلق الى منزلقه،
فنتخلى عن إيماننا ومسؤوليتنا وأخلاقنا وموقفنا تجاه شعبنا
وأمتنا، ونحن في كل الأحوال لم تأت بنا أمريكا، ولا الصهيونية
للحكم ولذلك يتآمران علينا وعلى كل من هو على هذا الخط في
واقعه وصفاته، ولكننا لن ننصاع لرغباتهما، وسنقاومهما، وسننتصر
بإذن الله عليهما في منازلة تعز الصديق وتسرّه وتغيض العدا)
سادسا : الخلاصة
1 – لم تكن (المبادرة) للشيخ زايد ولا يجوز نسبتها اليه،
بعد أن أثبتت الوثائق أن بوش طرحها في خطابه أمام الأمم
المتحدة قبل ستة أشهر من نسبتها للشيخ زايد رحمه الله. ورسالة
الرئيس صدام حسين لم تنسب (المبادرة) للشيخ زايد رحمه الله، بل
نسبتها الى من هم فعلا خلف المبادرة وتحديدا الولايات المتحدة
والكيان الصهيوني. كما لم تكن المبادرة، مثلما فهمها الرأي
العام العربي خطأ، تتعلق بمغادرة الرئيس الشهيد صدام حسين هو
وعائلته العراق وعندها يتم تجنب الغزو الأمريكي للعراق، بل
كانت أهدافها هي ذات الأهداف التي يجري تنفيذها حاليا في
العراق والمنطقة.
2- بعد أكثر من أربع سنوات ونصف على الإحتلال الأمريكي
للعراق أصبح واضحا للجميع أن هذا الإحتلال هو عدوان عسكري غير
مشروع عرّض العراق لمخاطر التفكيك والتقسيم كما عرّض الأمن
القومي العربي وبالذات في منطقة الخليج العربي الى مخاطر جمّة
ليس أقلها سعي إيران والتنظيمات والمؤسسات التابعة لها لزرع
الفتنة الطائفية في دوله، وإن كل ذرائع أمريكا للعدوان على
العراق كانت زائفة وملفقة، وإن موجبات الحق والعدل والإنصاف
تستدعي من القادة العرب وبالذات منهم قادة دول الخليج العربي
أن ينتقدوا الخاطيء مما نسب اليهم من مواقف، ومنها موضوع
(المبادرة) ولو كان العرب قد توحدوا لمنع الغزو ودعموا العراق
لكانوا جنّبوا العراق وأنفسهم والمنطقة وأمريكا الكوارث التي
أحاقت وتحيق بالجميع.
3- إن إنتصارات المقاومة العراقية هي كسب كبير للعرب
وللإنسانية جمعاء وإن خير تصحيح للمواقف الخاطئة والمواقف
السلبية هو بدعم المقاومة العراقية وهي تخوض المراحل الأخيرة
من حرب التحرير والدفاع عن عروبة العراق.
4 – إن هذه (المبادرة) تكشف الجهل المطبق للإدارة الأمريكية
بوضع العراق وطبيعة نظام الحكم فيه. بهذه المبادرة إستنسخت
الولايات المتحدة تجاربها في أمريكا اللاتينية وبالذات في
(جمهوريات الموز) حيث تكون المجموعة الحاكمة عبارة عن مجموعة
من العسكريين تستطيع الولايات المتحدة بالترغيب أو بالترهيب أن
تجبرهم على مغادرة البلد وتضع بدلهم من تريد من العملاء. لم
تستوعب الولايات المتحدة حقيقة العراق ليس جمهورية موز وأن شعب
العراق الذي علّم الإنسانية الكثير لن ينحني مطلقا لجبار غير
الله، وهذا ما أثبتته الأيام.
5 – إن قبول أو السكوت على فكرة تنحي رؤساء الدول عن
مواقعهم بأوامر أجنبية هي خرق فاضح لمباديء القانون الدولي
وتدخل سافر في الشؤون الداخلية للدول. إن على القادة العرب،
وبغض النظر عن خلافاتهم مع بعضهم، معارضة هذه السياسة بقوة.
لقد إستخدمت هذه السابقة مرتين خلال السنوات الخمس الأخيرة.
فشارون دعا الى تنحي الرئيس الشهيد عرفات، وإستطاع الوصول الى
هدفه بالسمّ، وبوش دعا الى تنحي الرئيس الشهيد صدام حسين
وإستطاع الوصول الى هدفه بمنصة الإعدام، وكلاهما قتلا فردا
لكنهما خلقا رمزا.
سابعا : ملاحظة ختامية
وخير ما أختم به هذا البحث هو المقابلة التي أجرتها صحيفة
الشرق الإيرانية (بالفارسية) في أيلول 2007 مع إبراهيم يزدي
وزير خارجية أول حكومة إيرانية بعد سقوط الشاه. تحدث إبراهيم
يزدي، عن لقائه بالرئيس صدام حسين في قمة حركة عدم الإنحياز في
هافانا عام 1979 حيث قال:
(كان لقائي مع صدام وديا وتطرقنا إلى مسائل مهمة. أوضحت
لصدام حسين ميزات الثورة وأهدافها. قلت له كان الشاه ذا علاقات
قوية مع إسرائيل، وبما أن العرب ضد إسرائيل، فعليهم الترحيب
بالثورة الإسلامية. على العراق أن لا يتدخل في شؤون إيران
الداخلية. طلب صدام أن تتخلى إيران عن الجزر العربية الثلاث.
قلت له ليس لكم حق التدخل بشأن الجزر الثلاث، وليست هنالك دولة
عربية طلبت منكم التحدث نيابة عنها، وأنا لست مستعدا للبحث في
هذا الأمر!. أجابني : نحن بعثيون، وكل قضية عربية هي قضيتنا..)
وأترك للقاريء العربي الكريم، وبالذات إخوتي في الإمارات،
تقدير مدى الظلم في (المبادرة)
والله المستعان
|