أبو يوسف
22-05-2008, 05:09 PM
http://img242.imageshack.us/img242/5369/43321766xj7.jpg
مخيم البداوي22-5-2008 وفا- لم يكن الخروج من فلسطين نهاية لآلامه، التي استمرت ستون عاما، فلاحقه الرحيل حتى و هو في الشتات، وكما كان آخر من غادر صفورية، فقد غادر 'نهر البارد' على مضض، وما زال الندم يلاحقه في المرتين.
http://img181.imageshack.us/img181/5543/36571262tk3.jpg
إنه الحاج سليم عبد الرحمن سرحان، الملقب بــ' اليمني'، وقد استقر به المقام بعد الشتات الثاني، في مخيم البداوي بشمال لبنان، بعد الهجرة الإجبارية التي ألمت بسكان مخيم نهر البارد و اضطرارهم للنزوح عن ديارهم نتيجة القصف و الخراب و التدمير.
تسعون عاما هي سني عمره، منها ثلاثون في الوطن و ستون خارجه، كان حصيلتها هجرتين و كثير من الذكريات والآلام، و283 حفيد.
صفورية الجميلة، الهادئة وأهلها الطيبون هي جوهر ذكرياته، وحلم يتغلغل في كيانه، والعودة لها وصية يحفظها كل أحفاده.
لا ينسى بساطة بيوت قريته، وطيبة أهلها، يسترجع مع أحفاده مشواره اليومي إلى النبع لنقل مياه الشرب للبيت، وذلك قبل أن يتم إنشاء خزان مياه كبير و مد أنابيب المياه للمنازل.
وحول ما يميز صفورية، يقول: كانت صفورية تتميز بكثرة كروم الزيتون، التي تمتد من صفورية إلى جبل القط على حدود الناصرة، كما كان بها مدارس و الكثير من المتعلمين، إضافة لدير للراهبات، برغم عدم وجود مسيحيين بالقرية، حيث كان يستخدم لتعليم البنات الخياطة والتطريز والأشغال اليدوية.
و يتذكر أملاكه التي كانت كروما للزيتون في صفورية إضافة لامتلاكه في منطقة 'البرانص' بالناصرة، 3 أكيال قمح وعما تعنيه ' 3 أكيال'، أوضح أن ارض القمح التي كانت لديه كان محصولها يعبئ ثلاثة أكيال قمح بعد حصادها، كما كان يمتلك 21 دونما بالناصرة.
الحديث إليه لم يكن عادياً ولم يكن سهلا، فاسترجاع الآلام ليس بالأمر المحبب إليه، وحيث أن ذاكرته تأبى أن تترك صغيرة أو كبيرة، فقد كانت الدموع رفيق كلماته، لم يكن ما يسرده إخبارا بقدر ما كان عودة للوراء وحياة مستمرة في تلك اللحظات التي عاشها و ما زالت محفورة بذاكرته.
كانت بداية حديثه بــ ' والله يا سيدي الشغلة مش سهلة اللي بدك احكيلك إياها، هالشغلة اللي صارت معانا مش سهلة، هاي حكاية عمر وحياة كاملة..كلها مآسي ونكبات...ما فيني احصرها بكم كلمة أو بحادثة وحدة صارت معانا'.
و يبدأ حديثه عن النكبة و بداياتها: كنا يا سيدي عايشين وعين الله علينا..وكانوا الإسرائيليين كلهن كم نفر..يا دوب بينعدو عالاصابع، لكن بعد فترة صاروا يكتروا..وبلشت نواياهم باحتلال بيوتنا وأراضينا...ووقتها أنا انضميت للقيادة اللي ألفها شباب صفورية، صرنا حوالي 500 شب، وصرنا جيش اسمو ' جيش أبو محمود '.
لما بلشت اسرائيل اجتياحاتها، زرعنا أنا والقيادة حوالي 16 لغم حول صفورية، وكان كل لغم بيفجر 10 بيوت، وكنا نترصد لأي اجتياح قريب.
و قد بدأ اجتياح البلدة بضرب الصواريخ على طرفيها، ما أرعب السكان ودفعهم للهروب باتجاه الجبل.
غادر السكان القرية بما فيهم زوجته وابنه الوحيد وبناته الثلاثة، و بقي هو مع المقاومة، لم يؤمن يوما بترك الوطن أو الرحيل عنه إلا أن ما آلت إليه أوضاع المقاومة دفعه للحاق بعائلته، وكانت البداية بمخيم نهر البارد، في الخيام التي قدمتها وكالة الغوث والتي لم تستطع بعد فترة احتواء العائلة، فكان أن تم توسيعها و بناء بيت من الطين تمت صناعة حجارته من الارض التي كانوا يسكنون عليها.
عمل جزارا و يتذكر كم كان يعاني خلال رحلة بحثه عن الأغنام والأبقار التي كان يذبحها حيث تطول الرحلة أياما و تصل أحيانا للحدود السورية.
كبرت عائلته وأصبح لديه أربعة أبناء وثمانية بنات، وبمرور الوقت تحسنت أوضاع العائلة وأصبح اثنين من أبنائه مهندسين وبدأت العائلة حياة جديدة بنهر البارد.
وكان اليمني على موعد مع نكبة جديدة وهجرة جديدة، مع بداية القصف على نهر البارد بصباح 20/5 /2007، جمع كل أبناءه و أحفاده من حوله و اخذ يحث الجميع على عدم الخوف وكان يقول لهم إن ما يحدث مش أصعب من حرب فلسطين، وحينما تأزمت الأمور رفض الخروج قائلاً: لا أريد أن أعيد الخطأ مرة ثانية وأخرج من بيتي، مصرا أن الخروج سيكون فقط إلى فلسطين، ولم يكن خروجه إلا ظنا منه أنه ذاهب إلى ملجأ قريب بعدما اشتد القصف.
وبسؤاله أن كان يفضل الرجوع إلى نهر البارد أو إلى فلسطين، قال، 'نهر البارد كان مخيم قعدنا فيو ترانزيت لعند منرجع على بلادنا...وهلا أنا طلعت منو..وعن فلسطين ماليش بديل'.
وبعد تسعين عاما ما زالت ذاكرة اليمني تحمل الكثير من الأحداث و الذكريات، فسهرات شباب القرية يسردها وكأنها حدثت بالأمس، كذلك المناسبات الاجتماعية و الكثير من المواقف ما زالت راسخة بذاكرته و يعلمها لكل أبناءه وأحفاده.
ورغم البعد عن فلسطين إلا أن طول المسافة و مشقة الحياة لم تبعدها عن فؤاده لحظة، فما زالت إذاعة فلسطين هي المفضلة أو أي إذاعة تبث خبرا عن فلسطين، و ما زالت ذكريات النكبة تمثل و جعه الاكبر، فهو يبكي حينما يسمع المرأة المجدليه، عبر الإذاعة، تحكي قصتها عن النكبة، وإذا سمع عن غارة و مجزرة بفلسطين، عاش الموقف وتأثر وامتنع عن الطعام و الشراب.
تسعون عاما لم تضعف ذاكرته و لم توهن عزيمته، ما زالت العودة همه الاكبر، و لا ينفك يردد: هاي حالنا نحنا...من نكبة لنكبة..وشو م صار ما رح تنسينا هالايام نكبتنا من قبل 60 سنة.
ـــــــــــــــــ
م. ع (15.33ف)،(12.33جمت)
مخيم البداوي22-5-2008 وفا- لم يكن الخروج من فلسطين نهاية لآلامه، التي استمرت ستون عاما، فلاحقه الرحيل حتى و هو في الشتات، وكما كان آخر من غادر صفورية، فقد غادر 'نهر البارد' على مضض، وما زال الندم يلاحقه في المرتين.
http://img181.imageshack.us/img181/5543/36571262tk3.jpg
إنه الحاج سليم عبد الرحمن سرحان، الملقب بــ' اليمني'، وقد استقر به المقام بعد الشتات الثاني، في مخيم البداوي بشمال لبنان، بعد الهجرة الإجبارية التي ألمت بسكان مخيم نهر البارد و اضطرارهم للنزوح عن ديارهم نتيجة القصف و الخراب و التدمير.
تسعون عاما هي سني عمره، منها ثلاثون في الوطن و ستون خارجه، كان حصيلتها هجرتين و كثير من الذكريات والآلام، و283 حفيد.
صفورية الجميلة، الهادئة وأهلها الطيبون هي جوهر ذكرياته، وحلم يتغلغل في كيانه، والعودة لها وصية يحفظها كل أحفاده.
لا ينسى بساطة بيوت قريته، وطيبة أهلها، يسترجع مع أحفاده مشواره اليومي إلى النبع لنقل مياه الشرب للبيت، وذلك قبل أن يتم إنشاء خزان مياه كبير و مد أنابيب المياه للمنازل.
وحول ما يميز صفورية، يقول: كانت صفورية تتميز بكثرة كروم الزيتون، التي تمتد من صفورية إلى جبل القط على حدود الناصرة، كما كان بها مدارس و الكثير من المتعلمين، إضافة لدير للراهبات، برغم عدم وجود مسيحيين بالقرية، حيث كان يستخدم لتعليم البنات الخياطة والتطريز والأشغال اليدوية.
و يتذكر أملاكه التي كانت كروما للزيتون في صفورية إضافة لامتلاكه في منطقة 'البرانص' بالناصرة، 3 أكيال قمح وعما تعنيه ' 3 أكيال'، أوضح أن ارض القمح التي كانت لديه كان محصولها يعبئ ثلاثة أكيال قمح بعد حصادها، كما كان يمتلك 21 دونما بالناصرة.
الحديث إليه لم يكن عادياً ولم يكن سهلا، فاسترجاع الآلام ليس بالأمر المحبب إليه، وحيث أن ذاكرته تأبى أن تترك صغيرة أو كبيرة، فقد كانت الدموع رفيق كلماته، لم يكن ما يسرده إخبارا بقدر ما كان عودة للوراء وحياة مستمرة في تلك اللحظات التي عاشها و ما زالت محفورة بذاكرته.
كانت بداية حديثه بــ ' والله يا سيدي الشغلة مش سهلة اللي بدك احكيلك إياها، هالشغلة اللي صارت معانا مش سهلة، هاي حكاية عمر وحياة كاملة..كلها مآسي ونكبات...ما فيني احصرها بكم كلمة أو بحادثة وحدة صارت معانا'.
و يبدأ حديثه عن النكبة و بداياتها: كنا يا سيدي عايشين وعين الله علينا..وكانوا الإسرائيليين كلهن كم نفر..يا دوب بينعدو عالاصابع، لكن بعد فترة صاروا يكتروا..وبلشت نواياهم باحتلال بيوتنا وأراضينا...ووقتها أنا انضميت للقيادة اللي ألفها شباب صفورية، صرنا حوالي 500 شب، وصرنا جيش اسمو ' جيش أبو محمود '.
لما بلشت اسرائيل اجتياحاتها، زرعنا أنا والقيادة حوالي 16 لغم حول صفورية، وكان كل لغم بيفجر 10 بيوت، وكنا نترصد لأي اجتياح قريب.
و قد بدأ اجتياح البلدة بضرب الصواريخ على طرفيها، ما أرعب السكان ودفعهم للهروب باتجاه الجبل.
غادر السكان القرية بما فيهم زوجته وابنه الوحيد وبناته الثلاثة، و بقي هو مع المقاومة، لم يؤمن يوما بترك الوطن أو الرحيل عنه إلا أن ما آلت إليه أوضاع المقاومة دفعه للحاق بعائلته، وكانت البداية بمخيم نهر البارد، في الخيام التي قدمتها وكالة الغوث والتي لم تستطع بعد فترة احتواء العائلة، فكان أن تم توسيعها و بناء بيت من الطين تمت صناعة حجارته من الارض التي كانوا يسكنون عليها.
عمل جزارا و يتذكر كم كان يعاني خلال رحلة بحثه عن الأغنام والأبقار التي كان يذبحها حيث تطول الرحلة أياما و تصل أحيانا للحدود السورية.
كبرت عائلته وأصبح لديه أربعة أبناء وثمانية بنات، وبمرور الوقت تحسنت أوضاع العائلة وأصبح اثنين من أبنائه مهندسين وبدأت العائلة حياة جديدة بنهر البارد.
وكان اليمني على موعد مع نكبة جديدة وهجرة جديدة، مع بداية القصف على نهر البارد بصباح 20/5 /2007، جمع كل أبناءه و أحفاده من حوله و اخذ يحث الجميع على عدم الخوف وكان يقول لهم إن ما يحدث مش أصعب من حرب فلسطين، وحينما تأزمت الأمور رفض الخروج قائلاً: لا أريد أن أعيد الخطأ مرة ثانية وأخرج من بيتي، مصرا أن الخروج سيكون فقط إلى فلسطين، ولم يكن خروجه إلا ظنا منه أنه ذاهب إلى ملجأ قريب بعدما اشتد القصف.
وبسؤاله أن كان يفضل الرجوع إلى نهر البارد أو إلى فلسطين، قال، 'نهر البارد كان مخيم قعدنا فيو ترانزيت لعند منرجع على بلادنا...وهلا أنا طلعت منو..وعن فلسطين ماليش بديل'.
وبعد تسعين عاما ما زالت ذاكرة اليمني تحمل الكثير من الأحداث و الذكريات، فسهرات شباب القرية يسردها وكأنها حدثت بالأمس، كذلك المناسبات الاجتماعية و الكثير من المواقف ما زالت راسخة بذاكرته و يعلمها لكل أبناءه وأحفاده.
ورغم البعد عن فلسطين إلا أن طول المسافة و مشقة الحياة لم تبعدها عن فؤاده لحظة، فما زالت إذاعة فلسطين هي المفضلة أو أي إذاعة تبث خبرا عن فلسطين، و ما زالت ذكريات النكبة تمثل و جعه الاكبر، فهو يبكي حينما يسمع المرأة المجدليه، عبر الإذاعة، تحكي قصتها عن النكبة، وإذا سمع عن غارة و مجزرة بفلسطين، عاش الموقف وتأثر وامتنع عن الطعام و الشراب.
تسعون عاما لم تضعف ذاكرته و لم توهن عزيمته، ما زالت العودة همه الاكبر، و لا ينفك يردد: هاي حالنا نحنا...من نكبة لنكبة..وشو م صار ما رح تنسينا هالايام نكبتنا من قبل 60 سنة.
ـــــــــــــــــ
م. ع (15.33ف)،(12.33جمت)