أبو يونس
28-06-2008, 01:01 PM
ترجمة لسيرة الشيخ ابن باز
هو الإمام الصالح الورع الزاهد أحد الثلة المتقدمين بالعلم الشرعي،
ومرجع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، في الفتوى والعلم، وبقية السلف
الصالح في لزوم الحق والهدي المستقيم، واتباع السنة الغراء الشيخ: عبدالعزيز
بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله آل باز.
ولد في الرياض يوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة سنة ١٣٣٠ ه من
الهجرة النبوية، وترعرع فيها وشب وكبر، ولم يخرج منها إلا ناوياً للحج
والعمرة.
نشأ سماحة الشيخ عبدالعزيز في بيئة عطرة بأنفاس العلم والهدى
والصلاح، بعيدة كل البعد عن مظاهر الدنيا ومفاتنها، وحضاراتها المزيفة، إذ
الرياض كانت في ذلك الوقت بلدة علم وهدى، فيها كبار العلماء، وأئمة الدين،
وأعني من أئمة هذه الدعوة المباركة التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله
بها دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -.
ففي هذه البيئة العلمية نشأ سماحته، ومما لاشك فيه أن القرآن العظيم كان
هو النور الذي يضيء حياته، وهو عنوان الفوز والفلاح فبالقرآن الكريم بدأ
الشيخ دراسته - كما هي عادة علماء السلف - رحمهم الله تعالى - إذ يجعلون
القرآن الكريم أول المصادر العلمية - فيحفظونه ويتدبرونه أشد التدبر، ويعون
أحكامه وتفاسيره، ومن ثمَّ ينطلقون إلى العلوم الشرعية الأخرى، فحفظ الشيخ
القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ، فوعاه وحفظه تمام
الحفظ، وأتقن سوره وآياته أشد الإتقان، ثم بعد حفظه لكتاب الله، ابتدأ سماحته
في طلب العلم على يد العلماء بجد وجلد وطول نفس وصبر.
وإن الجدير بالذكر والتنويه في أمر نشأته، أن لوالدته - رحمها الله تعالى-
أثراً بالغاً، ودوراً بارزاً في اتجاهه للعلم الشرعي وطلبه والمثابرة عليه، فكانت
تحثه وتشد من أزره، وتحضه على الاستمرار في طلب العلم والسعي وراءه بكل
جد واجتهاد.
ولقد كان سماحة الشيخ عبدالعزيز - رحمه الله تعالى - مبصراً في أول
حياته، وشاء الله لحكمة بالغة أرادها أن يضعف بصره في عام( ١٣٤٦ ه) إثر
مرض أصيب به في عينيه ثم ذهب جميع بصره في عام( ١٣٥٠ ه)، وعمره قريب
من العشرين عاماً؛ ولكن ذلك لم يثنه عن طلب العلم، أو يقلل من همته
وعزيمته بل استمر في طلب العلم جاداً مجداً في ذلك، ملازماً لصفوة فاضلة من
العلماء الربانيين، والفقهاء الصالحين، فاستفاد منهم أشد الاستفادة، وأثّروا عليه
في بداية حياته العلمية، بالرأي السديد، والعلم النافع، والحرص على معالي
الأمور، والنشأة الفاضلة، والأخلاق الكريمة، والتربية الحميدة، مما كان له
أعظم الأثر، وأكبر النفع في استمراره.
على تلك النشأة الصالحة، التي تغمرها العاطفة الدينية الجياشة، وتوثق
عراها حسن المعتقد، وسلامة الفطرة، وحسن الخلق، والبعد عن سيئ العقائد
والأخلاق المرذولة.
ومما ينبغي أن يعلم أن سماحة الشيخ عبدالعزيز قد استفاد من فقده لبصره
فوائد عدة نذكر على سبيل المثال منها لا الحصر ثلاثة أمور:
الأول: قوة الذاكرة، فالشيخ حافظ عصره في علم الحديث فإذا سألته عن
حديث من الكتب الستة، أو غيرها كمسند الإمام أحمد والكتب الأخرى تجده في
غالب أمره مستحضراً للحديث سنداً ومتناً، ومن تكلم فيه، ورجاله وشرحه.
الثاني: إغفال مباهج الحياة، وفتنة الدنيا وزينتها، فالشيخ متزهد فيها أشد
الزهد، ومتورع عنها، ووجه قلبه إلى الدار الآخرة، وإلى التواضع والتذلل لله
.
الثالث: استفاد من مركب النقص بالعينين، إذ ألح على نفسه وحطمها
بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء الكبار، المشار إليهم بسعة العلم، وإدراك
الفهم، وقوة الاستدلال وقد أبدله الله عن نور عينيه نوراً في القلب، وحباً للعلم،
وسلوكاً للسنة، وسيراً على المحجة، وذكاء في الفؤاد.
إن مما لا شك فيه، أنه لا توجد في الإسلام وظيفة أشرف قدراً، وأسمى
منزلة، وأرحب أفقاً، وأثقل تبعة، وأوثق عهداً، وأعظم أجراً عند الله، من وظيفة
العالم، ذلك لأنه وراث لمقام النبوة، وآخذ بأهم تكاليفها، وهي الدعوة إلى الله
وتوجيه خلقه إليه، وتزكيتهم وتعليمهم وترويضهم على الحق حتى يفهموه
ويقبلوه، ثم يعملوا به ويعملوا له.
وأما الوسيلة الكبرى في نجاحه في هذه المكانة العلمية ووصوله إليها، فهي
أنه قد بدأ بنفسه في نقطة الأمر والنهي، فلا يأمر بشيء مما أمر الله به ورسوله حتى
يكون أول فاعل له، ولا ينهى عن شيء مما نهى الله ورسوله عنه حتى يكون أول
تارك له، كل ذلك ليأخذ الناس عنه بالقدوة والتأسي أكثر مما يأخذون عنه
بوساطة الأقوال المجردة والنصوص اللفظية، لأنه أدرك - رحمه الله تعالى - تمام
الإدراك أن تلاوة الأقوال والنصوص لا تعدو أن تكون تبليغاً، والتبليغ لا
يستلزم الاتباع، ولا يثمر الاهتداء، ولا يعدو أن يكون تذكيراً للناسي، وتبكيتاً
للقاسي، وتنبيها للخامل، وتعليماً للجاهل، وإيقاظا للخامل، وتحريكاً للجامد
ودلالة للضال.
أما جر الناس إلى الهداية بكيفية تشبه الإلزام فهو في التطبيقات والتفسيرات
يأتي بها في تربية أصحابه، فيعلمهم العملية التي كان المرشد الأول محمد
بما للتربية - بأعماله، أكثر ما يعلمهم بأقواله، لعلمه وهو - سيد المرسلين
العملية من الأثر في النفوس، ومن الحفز إلى العمل بباعث فطري في الاقتداء،
وقد رأى مصداق ذلك في واقعة الحديبية حين أمر أصحابه بالقول فتردّدوا، مع
وأنه لا ينطق عن الهوى، ثم عمل فتتابعوا في ، أنهم يعلمون أنه رسول الله
. العمل اقتداء به
ومما أوصله إلى مكانته العلمية أنه قد أخذ على نفسه بالفزع والجد لحرب
الباطل أول ما تنجم ناجمته وتظهر بوادره، فلا يهدأ له خاطر، ولا تلين له قناة،
حتى يوسعه إبطالا ومحواً، ولا يسكت عليه وعنه حتى يستشري شره ويستفحل
أمره، بل يحاربه محاربة شديدة حتى يقل ويندثر، وتلك منقبة حميدة تذكر
لسماحته في كل منكر وباطل - رحمه الله تعالى -.
ومما أوصله إلى تلك المكانة المتميزة أنه يرد كل ما اختلف فيه إلى الكتاب
والسنة، تاركاً آراء العلماء، وأقوال الفقهاء، والتي يرى أنها بعيدة عن الكتاب
والسنة، لأن الحق واحد لا يتعدد؛ وله في ذلك سلف صالح من علماء الأمة.
ومن أبرز مقومات مكانته العلمية التي تبوأها هي أنه يقدم دينه والوحي
على العقل، ويجعل الرأي تبعا للنص ويحكم عقله في لسانه، فلا يصدر كلاما إلا
بعد أن يتحرى ويتروى فيه، وينظر نظرة ذات اعتبار وتقدير في آرائه وفتاويه،
ويجعل ميزان الترجيح داخلا في أمور مهمة من المصلحة والضرورة والزمان
والمكان والحال، ودرء المفاسد، بل إنه يميز بين أقل الخيرين وأكثر الشرين مع
دفع أعلاهما ضرراً وإضراراً، وبين خير الخيرين وشر الشرين، لذلك غلب
صوابه على خطأه في الفهم والاجتهاد.
ومن أهم مقومات مكانته العلمية أنه ذائد عن حمى الدين، واقفٌ بالمرصاد
لمن يريد العلو في الأرض والفساد والضلال بين العباد، لا يقر باطلاً أو منكراً،
ولا يسكت أو يتجاهل مخالفة صريحة للدين، ولا يتساهل أبدا في حق الله، ولا
يرضى مطلقاً عن ما يسخط الله من أي شخص كائن من كان، بل يقول كلمة
الحق، ويدل عليها، ويحرص أشد الحرص على بيان الحق وإيصاله للأمة أجمع،
فقد قدم جهداً كبيراً، وبذل وقتا ثميناً للأمة فنال بذلك جمال الأحدوثة، وطيب
الثناء، والأمة هي شهود الله في الأرض، وأن الأمة تشهد والتاريخ يشهد
والعلماء يشهدون أن الشيخ ابن باز - رحمه الله تعالى - أمة في رجل، ورجل في
أمة.
بمثل هذه الخلال الحميدة التي أشرنا إليها إشارات يسيرة، تبوأ ابن باز هذه
المكانة العلمية التي أوصلته إلى أعلى المراتب، وأسنى المناصب، وهو التوقيع عن
رب العالمين في الإفتاء والدعوة إلى الله، وهذا قليل من كثير في مكانته العلمية.
لقد عرف سماحته بالنبوغ المبكر والألمعية النادرة، والنجابة الظاهرة،
والذكاء المفرط منذ نعومة أظفاره حتى بزَّ أقرانه، وفاق أترابه، فهو منذ صغره
صاحب همة عالية، ونفس أبية، وقلب طموح، جعلته تلك الصفات الجليلة
موضع تقدير واحترام، وتبجيل وتعظيم، لكل من عرفه آنذاك أو خالطه
وزامله.
ومن أبرز الأدلة، وأبين الأمثلة على نبوغه المبكر، وتوقد ذهنه، وشدة
قبل البلوغ، وحفظه لبعض المتون العلمية. ذكائه، حفظه المتقن لكتاب الله
أما أهم الأسباب التي جعلته يقبل على العلم، ويقدر من وقته الشيء
الثمين لذلك مع ذهن وقاد، وذكاء مفرط، ونبوغ واطلاع تعود إلى خمسة
أسباب:
١- عناية إلهية كريمة، ومنة ربانية رحيمة، ونعمة امتن الله بها على الشيخ
فكان لها أعظم الأثر، في نبوغه العلمي، وتفوقه في مجال الفقه في أمور الدين.
٢- إخلاص النية في طلبه للعلم، مع صدق القصد، وحسن التوجه إلى الله
.
٣- نشأته الصالحة في بيت علم وهدى وإيمان: وكان يجد من أمه - رحمها
الله تعالى- التشجيع المستمر، والدعوات الصالحة، والحث والتأكيد على طلب
العلم.
٤- دقة استحضاره وسلامة منهجه واستقامة حياته، وجولان ذهنه،
وحسن استجابته لنصائح أساتذته وشيوخه.
٥- استعداده الفطري، وصفاء ذهنه، وحضور بديهته، وقوة حافظته،
واستثمار وقته في البحث والمطالعة، مع توقد في الهمة، وتوفر الرغبة الملحة في
معرفة العلم بمختلف فنونه، والحرص على الدليل في كل مسألة من مسائل
العلم المختلف فيها.
تلقى العلم على أيدي كثير من العلماء ومن أبرزهم:
١- الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد
بن عبدالوهاب قاضي الرياض.
٢- الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد
بن عبدالوهاب - رحمه الله تعالى -.
٣- الشيخ سعد بن حمد بن عتيق- رحمه الله تعالى - قاضي الرياض.
٤- الشيخ حمد بن فارس- رحمه الله تعالى - وكيل بيت المال في الرياض.
٥- سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله تعالى - مفتي
المملكة العربية السعودية، وقد لازم حلقاته نحواً من عشر سنين، وتلقى عنه
جميع العلوم الشرعية ابتداء من سنة ١٣٤٧ ه) إلى سنة ١٣٥٧ ه)، وهو من
رشَّح الشيخ عبدالعزيز للقضاء.
٦- الشيخ سعد وقاص البخاري - رحمه الله تعالى - من علماء مكة المكرمة
أخذ عنه علم التجويد في عام ١٣٥٥ ه).
١- صدر أمر ملكي عام ١٣٩٥ ه)بتعيينه رئيساً لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وبقي فيه حتى عام ١٤١٤ ه)، وفي
١٤١٤ ه صدر الأمر الملكي بتعيينه في منصب المفتي العام للمملكة /١/٢٠
العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس إدارة البحوث العلمية
والإفتاء، وإلى وفاته كان يشغل هذه المناصب، وإلى جانب ذلك:
٢- كان رئيساً وعضوًا للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.
٣- ورئيساً للمجلس الأعلى العالمي للمساجد.
٤- ورئيساً للمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم
الإسلامي.
٥- وعضواً للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
٦- وعضواً في الهيئة العليا للدعوة الإسلامية، ولم يقتصر نشاطه على ما
ذكر فقد كان يلقي المحاضرات، ويحضر الندوات العلمية ويعلق عليها، ويعمر
المجالس الخاصة والعامة التي يحضرها بالقراءة والتعليق، بالإضافة إلى الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أصبح صفة ملازمة له.
منَّ الله على الشيخ أن ألف عدد مباركاً من المؤلفات التي ذاع صيتها ولقيت
قبولا بين الناس، ومنها:
١- مجموع فتاوى ومقالات متنوعة.
٢- الفوائد الجلية في المباحث الفرضية.
٣- التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة.
٤- التحذير من البدع ويشتمل على أربع مقالات مفيدة (حكم الاحتفال
بالمولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وتكذيب
الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى الشيخ أحمد).
٥- رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام.
٦- العقيدة الصحيحة وما يضادها.
وكفر من أنكرها. ٧- وجوب العمل بسنة الرسول
٨- الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة.
٩- وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه.
١٠ - حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار.
١١ - نقد القومية العربية.
١٢ - الجواب المفيد في حكم التصوير.
١٣ - الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته.
١٤ - ثلاث رسائل في الصلاة:
وهي المراد شرحها في هذه الرسالة. ؛ أ- كيفية صلاة النبي
ب- وجوب أداء الصلاة في جماعة.
ج- أين يضع المصلي يديه حين الرفع من الركوع.
. ١٥ - حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله
١٦ - حاشية مفيدة على فتح الباري وصل فيها إلى كتاب الحج.
١٧ - رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض
وإمكان الصعود إلى الكواكب.
١٨ - إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة
والعرافين.
١٩ - الجهاد في سبيل الله.
٢٠ - الدروس المهمة لعامة الأمة.
٢١ - فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.
٢٢ - وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة.
٢٣ - حاشية على بلوغ المرام.
٢٤ - النكت على تقريب التهذيب.
٢٥ - تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة
من الأدعية والأذكار.
٢٦ - التحفة الكريمة في بيان كثير من الأحاديث الموضوعة والسقيمة.
٢٧ - تحفة أهل العلم والإيمان بمختارات من الأحاديث الصحيحة
والحسان.
٢٨ - فتاوى نور على الدرب.
٢٩ - شرح القواعد الأربع.
٣٠ - شرح الأصول الثلاثة.
٣١ - شرح فضل الإسلام.
٣٢ - شرح العقيدة الواسطية.
٣٣ - شرح الحموية، وغيرها.
أ- صفاته ال َ خْلقية:
إن الشيخ - رحمه الله تعالى - يمتاز باعتدال في بنيته، مع المهابة، وهو ليس
بالطويل البائن، ولا القصير جداً، بل هو عوان بين ذلك، مستدير الوجه، حنطي
اللون، أقنى الأنف، ومن دون ذلك فم متوسط الحجم، ولحية قليلة على
العارضين، كثة تحت الذقن، كانت سوداء يغلبها بعض البياض فلما كثر بياضها
صبغها بالحناء، وهو ذو بسمة رائعة تراها على أسارير وجهه إن ابتسم.
يعتبر الشيخ - رحمه الله تعالى - حسن الهيئة، جميل المظهر، ولا يتكلف في
ذلك أبدا، ويحرص على لباس البياض في ثيابه، ويحب ارتداء الثياب الواسعة،
وثيابه تصل إلى أنصاف ساقيه، ويزين ثيابه بعباءة عودية اللون، وهو سلفي في
المظهر والشارة.
مما تميز به سماحته - رحمه الله تعالى - الهيبة، وقد ذكر غير واحد من كبار
العلماء الفضلاء وطلبة العلم أن للشيخ هيبة فيها عزة العلماء مع عظيم مكانتهم
وكبير منزلتهم، وهذه الهيبة قذفها الله في قلوب الناس، وهي تنم عن محبة
وإجلال وتقدير له، لا من خوف وهلع وجبن معه، بل إن الشيخ – رحمه الله
تعالى - قد فرض احترامه على الناس، بجميل شمائله وكريم أخلاقه، مما جعلهم
يهابونه حياء منه، ويقدرونه في أنفسهم أشد التقدير.
ومما زاد هيبته أنه ابتعد عن ساقط القول، ومرذول اللفظ، وما يخدش الحياء
أشد الابتعاد، فلا تكاد تجد في مجلسه شيئا من الضحك إلا نادراً ولماماً، بل تجد
مجالسه عامرة بذكر الله، والتفكر والتأمل في الدار الآخرة.
ومع هذه المكانة العظيمة، والمنزلة السامية، والهيبة، فإنه آية في التواضع،
وحسن المعاشرة، وعلو الهمة، وصدق العزيمة، مع عزة في النفس، وإباء في
الطبع، بعيداً كل البعد عن الصلف والتكلف المذموم، كأنه واضع بين نصب
.
عينيه قوله تعالى
الشيخ - رحمه الله تعالى- ذو فصاحة وبيان، وفصاحته تبرز في كتابته
ومحادثته، وخطبه ومحاضراته وكلماته، فهو ذو بيان مشرق، ونبرات مؤثرة
حزينة، وأداء لغوي جميل، ويميل دائما إلى الأسلوب النافع الذي كان عليه أكثر
أهل العلم، وهو الأسلوب المسمىالسهل الممتنع) فتجد الشيخ - رحمه الله
تعالى - من أكثر الناس بعداً عن التعقيد والتنطع في الكلام والتشدق في اللفظ
والمعنى، والتكلف والتمتمة، بل هو سهل العبارة، عذب الأسلوب، تتسم
عباراته وكتاباته بالإيجاز والإحكام والبيان.
ومن نوافل الأمور أن يقدر القارئ الكريم ثقافة الشيخ - رحمه الله تعالى -
في اللغة والأدب وحسن البيان، لأن معرفة ذلك وإتقانه من الأسس الرئيسية في
فهم آيات الكتاب ونصوص السنة النبوية، ومعرفة مدلولات العلماء، ولهذا كان
الشيخ - رحمه الله تعالى - متمكنا مجيداً للخطابة والكتابة.
ومن المألوف أن الذين يحرمون بصرهم من أهل العلم، يمتازون بالفصاحة
في الألفاظ والمعاني، وقوة الخطابة وإتقانها، لأن معظم اعتمادهم على الإلقاء
والخطابة في الدرس والوعظ والدعوة، وهذا ما يتجلى واضحاً في الشيخ - رحمه
الله تعالى -.
والشيخ - رحمه الله تعالى – خطيبٌ، وواعظ بليغ سواء في محاضراته الكثيرة
النافعة أو تعقيباته على محاضرات غيره، أو في توجيهاته الحكمية، وتوصياته
المفيدة، التي تشرئب إليها الأسماع، وتتطلع لها الأفئدة والقلوب الصادقة المؤمنة.
ومن مميزاته وخصائصه الخطابية قدرته على ترتيب أفكاره حتى لا تتشتت،
وضبطه لعواطفه حتى لا تغلب عقله، ثم سلامة أسلوبه، الذي لا يكاد يعتريه
اللحن في صغير من القول أو كبير، وأخيراً تحرره من كل أثر للتكلف والتنطع.
ومما تميّز به سماحته - رحمه الله تعالى - قوة الحافظة، وسرعة البديهة،
واستحضار مسائل العلم بفهم واسع، ووفرة في العلم، وشدة في الذكاء، وغزارة
في المادة العلمية، فهو - رحمه الله تعالى - صاحب ألمعية نادرة، ونجابة ظاهرة.
وإن نعمة الحفظ، وقوة الذاكرة، هما من الأسباب القوية - بعد توفيق الله
على تمكنه من طلبه للعلم، وازدياد ثروته العلمية، المبنية على محفوظاته التي -
وعتها ذاكرته في مراحل التعلم والتعليم، وقد حباه الله من الذكاء وقوة الحفظ
وسرعة الفهم، مما مكنه من إدراك محفوظاته العلمية عن فهم وبصيرة.
ومما يؤكد على ذلك أنه لربما سُئِلَ عن أحاديث منتقدة في الكتب الستة
وغيرها من كتب السنة فيجيب عليها مع تخريجها والتكلم على أسانيدها
ورجالها، وذكر أقوال أهل العلم فيها.
والشيخ ممنَّ منَّ الله عليه بحفظ الصحيحين، صحيح البخاري، وصحيح
مسلم واستحضارهما، ولا يكاد يفوته من متونهما شيء؛ إلا اللهم أنه سُئِلَ مرة،
فقال السائل: هل تحفظ الصحيحين فأجاب قائلاً - نعم ولله الحمد والمنة - إلا
أن صحيح مسلم يحتاج إلى نظر وتربيط.
ومما يؤكد ويبرهن على قوة حافظته وحضور بديهته، أنه في كلماته
ومحاضراته ومواعظه تجده كثير الاستدلال بالنصوص القرآنية، والأحاديث
النبوية، وأقوال أهل العلم الشرعية، يأتي عليها بسياقها ولفظها وتمامها، وهكذا
في اجتماعات هيئة كبار العلماء، تجده يذكر المسألة وأقوال أهل العلم فيها مبيناً
الجزء والصفحة والكتاب المنقول عنه القول.
وثم أمر آخر يؤكد على قوة حافظة الشيخ وهو أنه يميز بين أصوات محبيه
الذين يقدمون للسلام عليه، مع كثرتهم، وقد ذكر بعض من عاصر الشيخ قديماً
وحديثاً أنه قدم للسلام عليه بعد مدة من الزمن طويلة، فبادره الزائر بالسلام،
فعرفه الشيخ من أول وهلة، ورد عليه السلام منادياً باسمه، وهذا دأبه في أغلب
من يقدمون عليه للسلام.
وأيضاً مما يؤكد على قوة ذاكرته أنك تجده يورد القصص القديمة التي
حصلت قبل ستين سنة أو أكثر كأنه مطلع عليها، ينظر إليها ويتأمل في أمرها،
وهذا أمر معلوم عند من خالط الشيخ وعرفه تمام المعرفة.
إن الفراسة حلية معلومة، وخصلة حميدة لكبار العلماء وأهل الفضل
والهدى، والفراسة كما قال عنها الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -الفراسة
الإيمانية سببها نور يقذفه الله في قلب عبده يفرِّق به بين الحق والباطل، والحال
والعاطل، والصادق والكاذب، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان
أعظم الأمة فراسة، أقوى إيماناً فهو أحدَّ فراسة، وكان أبو بكر الصديق
ووقائع فراسته مشهورة، فإنه ما قال لشيء: أظنه كذا وبعده عمر بن الخطاب
إلا كان كما قال، ويكفي في فراسته موافقته ربه في مواضع عدة).
والشيخ عبدالعزيز - رحمه الله تعالى - كان صاحب بصيرة نافذة، وفراسة
حادة، يعرف ذلك جيداً من عاشره وخالطه، وأخذ العلم على يديه. ومما يؤكد
على فراسته أنه يعرف الرجال وينزلهم منازلهم، فيعرف الجادّ منهم في هدفه
ومقصده من الدعاة وطلبة العلم فيكرمهم أشد الإكرام، ويقدمهم على من
سواهم، ويخصهم بمزيد من التقدير ويسأل عنهم وعن أحوالهم دائما، وله فراسة
في معرفة رؤساء القبائل والتفريق بين صالحهم وطالحهم، وله فراسة أيضا في ما
يعرض عليه من المسائل العويصة، والمشكلات العلمية؛ فتجده فيها متأملا
متمعنا لها، تقرأ عليه عدة مرات، حتى يفك عقدتها، ويحل مشكلها، وله فراسة
أيضاً في ما يتعلق بالإجابة عن أسئلة المستفتين، فهو دائماً يرى الإيجاز ووضوح
العبارة ووصول المقصد إن كان المستفتي عامياً من أهل البادية، وإن كان
المستفتي طالب علم حريص على الترجيح في المسألة، أطال النفس في جوابه مع
التعليلات وذكر أقوال أهل العلم، وتقديم الأرجح منها، وبيان الصواب
بعبارات جامعة مانعة.
إنه لمن المعلوم المتواتر عند جميع الناس أن سماحة الشيخ عبدالعزيز - رحمه
الله تعالى- ممنَّ تميَّز بالخلال الحميدة، والخصال الرشيدة، وجميل الأخلاق،
وطيب الفعال، وعظيم التواضع، وهو ممن يقتدى به في الأدب والعلم
والأخلاق، بل هو أسوة حسنة في تصرفاته وسمته وهديه المبني على كتاب الله
وخاصة في زهده وعبادته وأمانته وصدقه، ، العظيم، وسنة رسوله الكريم
وكثرة التجائه وتضرعه إلى الله، وعظيم خشيته لله، وذكاء فؤاده وسخاء يده،
وطيب معشره، مع اتباع للسنة الغراء، وكثرة عبادة؛ وقصارى القول أن للشيخ
- رحمه الله تعالى - صفات حسنة، وخلال جميلة، وشيم كريمة، ومناقب فذّة
عظيمة، يجدر بنا أن نتناولها بشيء من التفصيل.
التواضع هو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة للخلق،
ومنشأ التواضع من معرفة الإنسان قدر عظمة ربه، ومعرفة قدر نفسه، فالشيخ
- رحمه الله تعالى - قد عرف قدر نفسه، وتواضع لربه أشد التواضع، فهو يعامل
الناس معاملة حسنة بلطف ورحمة ورفق ولين جانب، لا يزهو على مخلوق، ولا
يتكبر على أحد، ولا ينهر سائلا، ولا يبالي بمظاهر العظمة الكاذبة، ولا يترفع
عن مجالسة الفقراء والمساكين، والمشي معهم، ومخاطبتهم باللين، ولا يأنف أبداً
من الاستماع لنصيحة من هو دونه.
ومما يندرج تحت هذا الخلق: خلق السكينة والوقار، وهما من أبرز صفات
الشيخ - رحمه الله تعالى - وهما أول ما يواجه به الناس سواء القريب أو البعيد،
جلساءه الأدنين أو زواره العابرين، فإن الناس ليتكبكبون حوله أينما وجد، في
المسجد، في المنزل، في المكتب، وإنه ليصغي لكل منهم في إقبال يخيل إليه أنه
المختص برعايته، فلا ينصرف عنه حتى ينصرف هو، ومراجعوه من مختلف
الطبقات، ومن مختلف الأرجاء، ولكل حاجته وقصده، فيقوم الشيخ - رحمه الله
تعالى - بتسهيل أمره، وتيسير مطلبه، ولربما ضاق بعضهم ذرعاً عليه، بكلمات
يرى نفسه فيها مظلوما فما من الشيخ - رحمه الله تعالى - إلا أن يوجهه للوقار
والدعاء له بالهداية والصلاح، إنها والله صور صادقة، بالحق ناطقة، تدل على
تواضع جم، وحسن سكينة، وعظيم أناة وحلم، وكبير وقار.
ومما يؤكد تواضعه - رحمه الله تعالى - تلبية دعوة طلابه ومحبيه في حفلات
الزواج الخاصة بهم، ويحضر حضوراً مبكراً، ويطلب من أحد الإخوان قراءة
آيات من القرآن الكريم، ثم يقوم بتفسيرها للجميع، هذا دأبه والغالب عليه في
حضوره للولائم - أعلى الله منزلته في الجنة -.
لعل من أبرز ما تميز به الشيخ - رحمه الله تعالى - الزهد في هذه الدنيا، مع
توفر أسبابها، وحصول مقاصدها له، فقد انصرف عنها بالكلية، وقدم عليها دار
البقاء، لأنه علم أنها دار الفناء، متأسيا بزهد السلف الصالح - رحمهم الله تعالى-
الذين كانوا من أبعد الناس عن الدنيا ومباهجها وزينتها الفانية، مع قربها منهم،
فالشيخ - رحمه الله تعالى - مثالا يحتذى به، وعلماً يقتدى به، وقدوة تؤتسى في
الزهد والورع وإنكار الذات، والهروب من المدائح والثناءات العاطرة، وكم من
مرة يرد حين يسمع من يطنب في ذكر مناقبه وخصاله الحميدة، وخلاله الرشيدة،
يقول له لقد قصمت ظهر أخيك، وإياكم والتمادح فإنه الذبح، اللهم اجعلني
خيرا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون)، بمثل هذه الكلمات النيرة،
والتوجيهات الرشيدة فالشيخ يكره المدح والثناء كرهاً شديداً، وهذا إن دل على
شيء فإنما يدل على زهد في القلب وعفة في الروح، وطهارة في الجوارح، وخشية
. للمولى
وأما عفته وتعففه فهو بحر لا ساحل له، فهو عف اللسان، عفيف النفس،
طاهر الذيل، بعيداً عن المحارم، مجانباً للمآثم، مقبلاً على الطاعات، مدبراً عن
السيئات ومواطن الزلل- نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً -.
لقد بلغ الشيخ - رحمه الله تعالى - من الصدق مبلغا عظيماً، وغاية سامية
ومنزلة رفيعة، فتجد جميع الناس يثقون به وبعلمه، وبفتاويه التي يعرفون أن
ويتقبلون نصحه لأنهم يعلمون أنه صادر ، مصدرها كتاب الله وسنة رسوله
من قلب صادق، مبني على الرحمة، وحب الهداية للخلق والخير لهم، وهذا الأمر
- أعني به الثقة المتناهية - إنما نتجت وحصلت له، من جهة معلومة هي صدقه
مع خالقه ومولاه، ونزاهته وإخلاصه، فطرح الله له القبول بين خلقه.
ليس من الغريب أن يكون متصفاً بهذه الصفة الحميدة، ولا أدل على ذلك
من أن العالم الإسلامي بأجمعه قد ائتمنوه ليس فقط على أموالهم وودائعهم
وأمانتهم؛ بل على أفكارهم وتوجهاتهم، فهو مفتي المسلمين، ومرجعهم الأول
في هذا العصر، مما يستلزم فكراً وقَّاداً، وحجة نيرة، ونزاهة في القصد، وإخلاصاً
في العمل، وأمانة في الفتوى.
ولقد تواتر من أخبار الشيخ وفود كثير من الناس إليه في منزله ومكتبه
لأخذ المشورة الصادقة، والنصح السديد، والتوجيه المفيد، ومما يدل على حبه
للأمانة، حرصه الشديد على تذكير الأمة بالأصول النافعة، والكلمات السديدة،
في المناسبات العامة: وذلك بكلمات وعظية، وإرشادات دينية، يرى أن القيام
بدورها، والتضلع بمسئوليتها أمانة في عنق كل مسلم.
من الصفات الحميدة، والفضائل الرشيدة، التي تميز بها الشيخ عبدالعزيز -
رحمه الله تعالى - على غيره من العلماء، صفة الحلم وسعة الصدر.
ولقد من الله تعالى على سماحته - رحمه الله تعالى - فجمع له بين أكرم
خصلتين، وأعظم خلتين وهما العلم والحلم، فبهما تميز عن غيره، ولذا اتسع
صدره، وامتد حلمه، وعذر الناس من أنفسهم، والتمس العذر لأغلاطهم.
ولعل من المناسب إيراد ما يدل على حلمه وسعة صدره، وشفقته على الناس،
فمن ذلك أنه دخل عليه في مجلس القضاء في الدلم، رجل كثير السباب فسبَّ
الشيخ وشتمه، والشيخ لا يرد عليه، وعندما سافر الشيخ عبدالعزيز بن باز إلى
الحج توفي هذا الرجل فجهّز للصلاة عليه، في جامع العذار، وكان إمامه آنذاك
الشيخ عبدالعزيز بن عثمان بن هليل، فلما علم أنه ذلك الرجل تنحى وامتنع عن
الصلاة عليه، وقال: لا أصلي على شخص يشتم الشيخ ابن باز، بل صلوا عليه
أنتم؛ فلما عاد الشيخ عبدالعزيز من الحج وأخبر بموت ذلك الرجل ترحم عليه،
وعندما علم برفض الشيخ ابن هليل الصلاة عليه، قال: إنه مخطئ في ذلك، ثم
قال دلوني على قبره فصلى عليه وترحم عليه ودعا له.
ودخل عليه رجل آخر عنده قضية في الصباح الباكر، والشيخ يدرس
الطلاب في الجامع - جامع الدلم - فوقف هذا الرجل عليهم، وأخذ ينادي
بصوت مرتفع قائلا: قم افصل بين الناس، قم افصل بين الناس، واترك القراءة،
فلم يزد الشيخ على أن قال: قم يا عبدالله بن رشيد، وأخبره يأتينا عندما نجلس
للقضاء بعد الدرس.
وأخبر الشيخ مرة برجل اغتابه سنين عديدة متهماً إياه بصفات بذيئة،
ونعوت مرذولة وأنه يطلب منه السماح والعفو، فقال: أما حقي فقد تنازلت عنه،
الشيخ عبدالعزيز - رحمه الله تعالى - كرمه معروف مشهور، وكرمه كرم
أصيل لا تكلف فيه ولا تنطع، فمائدته لا تخلو من ضيوف أبداً، يلتقي عليها
الصغير والكبير، والغريب والقريب، وهذه الصفة مما ميزته - رحمه الله تعالى -
عن غيره من العلماء، فهو كريم وكرمه يتمثل في أمور عدة:
أولا:ً عطاءه المستمر للفقراء والمحتاجين والمساكين فهو لا يرد طلباً، ولا
يمسك شيئاً من ماله لا قليلاً ولا كثيراً، وربما مر عليه بعض الأشهر يستدين على
راتبه، ولربما باع أغراضاً مهمة لإنفاق قيمتها في سبيل الله تعالى.
ثانيا: يتمثل كرمه في أنه لا يدنو وحده إلى طعامه، ولا يأكل منفرداً وحيداً،
وإنما إذا حضر طعامه أحضر الناس على طعامه وسفرته، ويحضر العلماء والطلبة
والمفكرون والأدباء والعامة وعابري السبيل والفقراء والمساكين، فيحيي الجميع
ويرحب بهم أطيب الترحيب، ثم إذا أراد أحدهم أن يستعجل قال كلٌ
باختياره، لا ينظر أحدٌ إلى أحد)، ويقول لمن دعا الله له جعل الله فيه العافية).
بمثل هذه الأخلاق الرضية، والصفات الحميدة، حصل للشيخ طيب
الذكر، وحسن الأثر، لا في الرياض وحدها، ولا في المملكة فحسب، ولا في
العالم العربي ولكن في جميع العالم كله، وهناك إجماع أو شبه إجماع على حبه وعلى
أنه البقية الباقية الثابتة على طريق السلف الصالح.
وهذه الصور المشرقة التي سقناها عن كرم الشيخ وجوده تعتبر بمثابة دعوة
مفتوحة إلى التنافس في الخير، والتسابق في ميادين الفضيلة والبعد عن الشح
والحرص والبخل، وذلك أن الإسلام دين يقوم على التعاون والبر والبذل
في أن تكون النفوس والإنفاق، ويحذر من الأنانية والإمساك، ولذلك رغب
بالعطاء سخية، والأكف بالخير ندية، ووصى أمته بالمسارعة إلى دواعي
الإحسان، ووجوه البر وبذل المعروف، وإلى كل خلق نبيل.
الشيخ له زوجتان، وله أربعة أبناء : عبدالله، وعبدالرحمن، وأحمد، وخالد؛
وله ست بنات.
في يوم الخميس الموافق ٢٧ /محرم/ ١٤٢٠ ه رُزِأت الأمة بفقد سماحة
الشيخ عبدالعزيز بن باز عن عمر يناهز تسعة وثمانين عاماً.
وبفقد هذا العَلَم خسر المسلمون خسارة كبيرة، فبموته فُقيد عَالمِ جليل
كرس كل حياته في سبيل العلم وخدمة الإسلام والمسلمين على اختلاف
أوطانهم، وبلدانهم فرحمه الله رحمة واسعة.
ولما تسامع الناس بالخبر، تصدعت الأفئدة، ونكست الأذقان، فكم من
دمعة ترقرقت، وكم من حزن قضى، وكم وكم، ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون.
فلما سِير بجنازته تذكر المتذكر جنازة الإمام أحمد بن حنبل أو ابن تيمية من ذوي
الجنائز المشهودة ، فلا تحصي الألسنة المترحمة عليه والمستغفرة له ويالها من غبطة.
ولقد تتابع الناس من أنحاء المملكة يفدون بأنفسهم يعزون، ويستغفرون،
ويشهدون للفقيد بالإحسان.
وتتابع ذوو الأقلام يرثون إمامَ وقته ، فكم من عالم نثر رثاءه ، وكم من عالم
نظم رثاءه، وكم من مثقف كتب، وكم من عاقل سطر، والعجز عن وصف المشاعر
سمة الجميع، فجزاهم الله خيرًا.
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل مثواه جناته، مع الحبيب المصطفى، وأصلح وبارك
ونفع بولده من بعده،
وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين . الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
هو الإمام الصالح الورع الزاهد أحد الثلة المتقدمين بالعلم الشرعي،
ومرجع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، في الفتوى والعلم، وبقية السلف
الصالح في لزوم الحق والهدي المستقيم، واتباع السنة الغراء الشيخ: عبدالعزيز
بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله آل باز.
ولد في الرياض يوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة سنة ١٣٣٠ ه من
الهجرة النبوية، وترعرع فيها وشب وكبر، ولم يخرج منها إلا ناوياً للحج
والعمرة.
نشأ سماحة الشيخ عبدالعزيز في بيئة عطرة بأنفاس العلم والهدى
والصلاح، بعيدة كل البعد عن مظاهر الدنيا ومفاتنها، وحضاراتها المزيفة، إذ
الرياض كانت في ذلك الوقت بلدة علم وهدى، فيها كبار العلماء، وأئمة الدين،
وأعني من أئمة هذه الدعوة المباركة التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله
بها دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -.
ففي هذه البيئة العلمية نشأ سماحته، ومما لاشك فيه أن القرآن العظيم كان
هو النور الذي يضيء حياته، وهو عنوان الفوز والفلاح فبالقرآن الكريم بدأ
الشيخ دراسته - كما هي عادة علماء السلف - رحمهم الله تعالى - إذ يجعلون
القرآن الكريم أول المصادر العلمية - فيحفظونه ويتدبرونه أشد التدبر، ويعون
أحكامه وتفاسيره، ومن ثمَّ ينطلقون إلى العلوم الشرعية الأخرى، فحفظ الشيخ
القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ، فوعاه وحفظه تمام
الحفظ، وأتقن سوره وآياته أشد الإتقان، ثم بعد حفظه لكتاب الله، ابتدأ سماحته
في طلب العلم على يد العلماء بجد وجلد وطول نفس وصبر.
وإن الجدير بالذكر والتنويه في أمر نشأته، أن لوالدته - رحمها الله تعالى-
أثراً بالغاً، ودوراً بارزاً في اتجاهه للعلم الشرعي وطلبه والمثابرة عليه، فكانت
تحثه وتشد من أزره، وتحضه على الاستمرار في طلب العلم والسعي وراءه بكل
جد واجتهاد.
ولقد كان سماحة الشيخ عبدالعزيز - رحمه الله تعالى - مبصراً في أول
حياته، وشاء الله لحكمة بالغة أرادها أن يضعف بصره في عام( ١٣٤٦ ه) إثر
مرض أصيب به في عينيه ثم ذهب جميع بصره في عام( ١٣٥٠ ه)، وعمره قريب
من العشرين عاماً؛ ولكن ذلك لم يثنه عن طلب العلم، أو يقلل من همته
وعزيمته بل استمر في طلب العلم جاداً مجداً في ذلك، ملازماً لصفوة فاضلة من
العلماء الربانيين، والفقهاء الصالحين، فاستفاد منهم أشد الاستفادة، وأثّروا عليه
في بداية حياته العلمية، بالرأي السديد، والعلم النافع، والحرص على معالي
الأمور، والنشأة الفاضلة، والأخلاق الكريمة، والتربية الحميدة، مما كان له
أعظم الأثر، وأكبر النفع في استمراره.
على تلك النشأة الصالحة، التي تغمرها العاطفة الدينية الجياشة، وتوثق
عراها حسن المعتقد، وسلامة الفطرة، وحسن الخلق، والبعد عن سيئ العقائد
والأخلاق المرذولة.
ومما ينبغي أن يعلم أن سماحة الشيخ عبدالعزيز قد استفاد من فقده لبصره
فوائد عدة نذكر على سبيل المثال منها لا الحصر ثلاثة أمور:
الأول: قوة الذاكرة، فالشيخ حافظ عصره في علم الحديث فإذا سألته عن
حديث من الكتب الستة، أو غيرها كمسند الإمام أحمد والكتب الأخرى تجده في
غالب أمره مستحضراً للحديث سنداً ومتناً، ومن تكلم فيه، ورجاله وشرحه.
الثاني: إغفال مباهج الحياة، وفتنة الدنيا وزينتها، فالشيخ متزهد فيها أشد
الزهد، ومتورع عنها، ووجه قلبه إلى الدار الآخرة، وإلى التواضع والتذلل لله
.
الثالث: استفاد من مركب النقص بالعينين، إذ ألح على نفسه وحطمها
بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء الكبار، المشار إليهم بسعة العلم، وإدراك
الفهم، وقوة الاستدلال وقد أبدله الله عن نور عينيه نوراً في القلب، وحباً للعلم،
وسلوكاً للسنة، وسيراً على المحجة، وذكاء في الفؤاد.
إن مما لا شك فيه، أنه لا توجد في الإسلام وظيفة أشرف قدراً، وأسمى
منزلة، وأرحب أفقاً، وأثقل تبعة، وأوثق عهداً، وأعظم أجراً عند الله، من وظيفة
العالم، ذلك لأنه وراث لمقام النبوة، وآخذ بأهم تكاليفها، وهي الدعوة إلى الله
وتوجيه خلقه إليه، وتزكيتهم وتعليمهم وترويضهم على الحق حتى يفهموه
ويقبلوه، ثم يعملوا به ويعملوا له.
وأما الوسيلة الكبرى في نجاحه في هذه المكانة العلمية ووصوله إليها، فهي
أنه قد بدأ بنفسه في نقطة الأمر والنهي، فلا يأمر بشيء مما أمر الله به ورسوله حتى
يكون أول فاعل له، ولا ينهى عن شيء مما نهى الله ورسوله عنه حتى يكون أول
تارك له، كل ذلك ليأخذ الناس عنه بالقدوة والتأسي أكثر مما يأخذون عنه
بوساطة الأقوال المجردة والنصوص اللفظية، لأنه أدرك - رحمه الله تعالى - تمام
الإدراك أن تلاوة الأقوال والنصوص لا تعدو أن تكون تبليغاً، والتبليغ لا
يستلزم الاتباع، ولا يثمر الاهتداء، ولا يعدو أن يكون تذكيراً للناسي، وتبكيتاً
للقاسي، وتنبيها للخامل، وتعليماً للجاهل، وإيقاظا للخامل، وتحريكاً للجامد
ودلالة للضال.
أما جر الناس إلى الهداية بكيفية تشبه الإلزام فهو في التطبيقات والتفسيرات
يأتي بها في تربية أصحابه، فيعلمهم العملية التي كان المرشد الأول محمد
بما للتربية - بأعماله، أكثر ما يعلمهم بأقواله، لعلمه وهو - سيد المرسلين
العملية من الأثر في النفوس، ومن الحفز إلى العمل بباعث فطري في الاقتداء،
وقد رأى مصداق ذلك في واقعة الحديبية حين أمر أصحابه بالقول فتردّدوا، مع
وأنه لا ينطق عن الهوى، ثم عمل فتتابعوا في ، أنهم يعلمون أنه رسول الله
. العمل اقتداء به
ومما أوصله إلى مكانته العلمية أنه قد أخذ على نفسه بالفزع والجد لحرب
الباطل أول ما تنجم ناجمته وتظهر بوادره، فلا يهدأ له خاطر، ولا تلين له قناة،
حتى يوسعه إبطالا ومحواً، ولا يسكت عليه وعنه حتى يستشري شره ويستفحل
أمره، بل يحاربه محاربة شديدة حتى يقل ويندثر، وتلك منقبة حميدة تذكر
لسماحته في كل منكر وباطل - رحمه الله تعالى -.
ومما أوصله إلى تلك المكانة المتميزة أنه يرد كل ما اختلف فيه إلى الكتاب
والسنة، تاركاً آراء العلماء، وأقوال الفقهاء، والتي يرى أنها بعيدة عن الكتاب
والسنة، لأن الحق واحد لا يتعدد؛ وله في ذلك سلف صالح من علماء الأمة.
ومن أبرز مقومات مكانته العلمية التي تبوأها هي أنه يقدم دينه والوحي
على العقل، ويجعل الرأي تبعا للنص ويحكم عقله في لسانه، فلا يصدر كلاما إلا
بعد أن يتحرى ويتروى فيه، وينظر نظرة ذات اعتبار وتقدير في آرائه وفتاويه،
ويجعل ميزان الترجيح داخلا في أمور مهمة من المصلحة والضرورة والزمان
والمكان والحال، ودرء المفاسد، بل إنه يميز بين أقل الخيرين وأكثر الشرين مع
دفع أعلاهما ضرراً وإضراراً، وبين خير الخيرين وشر الشرين، لذلك غلب
صوابه على خطأه في الفهم والاجتهاد.
ومن أهم مقومات مكانته العلمية أنه ذائد عن حمى الدين، واقفٌ بالمرصاد
لمن يريد العلو في الأرض والفساد والضلال بين العباد، لا يقر باطلاً أو منكراً،
ولا يسكت أو يتجاهل مخالفة صريحة للدين، ولا يتساهل أبدا في حق الله، ولا
يرضى مطلقاً عن ما يسخط الله من أي شخص كائن من كان، بل يقول كلمة
الحق، ويدل عليها، ويحرص أشد الحرص على بيان الحق وإيصاله للأمة أجمع،
فقد قدم جهداً كبيراً، وبذل وقتا ثميناً للأمة فنال بذلك جمال الأحدوثة، وطيب
الثناء، والأمة هي شهود الله في الأرض، وأن الأمة تشهد والتاريخ يشهد
والعلماء يشهدون أن الشيخ ابن باز - رحمه الله تعالى - أمة في رجل، ورجل في
أمة.
بمثل هذه الخلال الحميدة التي أشرنا إليها إشارات يسيرة، تبوأ ابن باز هذه
المكانة العلمية التي أوصلته إلى أعلى المراتب، وأسنى المناصب، وهو التوقيع عن
رب العالمين في الإفتاء والدعوة إلى الله، وهذا قليل من كثير في مكانته العلمية.
لقد عرف سماحته بالنبوغ المبكر والألمعية النادرة، والنجابة الظاهرة،
والذكاء المفرط منذ نعومة أظفاره حتى بزَّ أقرانه، وفاق أترابه، فهو منذ صغره
صاحب همة عالية، ونفس أبية، وقلب طموح، جعلته تلك الصفات الجليلة
موضع تقدير واحترام، وتبجيل وتعظيم، لكل من عرفه آنذاك أو خالطه
وزامله.
ومن أبرز الأدلة، وأبين الأمثلة على نبوغه المبكر، وتوقد ذهنه، وشدة
قبل البلوغ، وحفظه لبعض المتون العلمية. ذكائه، حفظه المتقن لكتاب الله
أما أهم الأسباب التي جعلته يقبل على العلم، ويقدر من وقته الشيء
الثمين لذلك مع ذهن وقاد، وذكاء مفرط، ونبوغ واطلاع تعود إلى خمسة
أسباب:
١- عناية إلهية كريمة، ومنة ربانية رحيمة، ونعمة امتن الله بها على الشيخ
فكان لها أعظم الأثر، في نبوغه العلمي، وتفوقه في مجال الفقه في أمور الدين.
٢- إخلاص النية في طلبه للعلم، مع صدق القصد، وحسن التوجه إلى الله
.
٣- نشأته الصالحة في بيت علم وهدى وإيمان: وكان يجد من أمه - رحمها
الله تعالى- التشجيع المستمر، والدعوات الصالحة، والحث والتأكيد على طلب
العلم.
٤- دقة استحضاره وسلامة منهجه واستقامة حياته، وجولان ذهنه،
وحسن استجابته لنصائح أساتذته وشيوخه.
٥- استعداده الفطري، وصفاء ذهنه، وحضور بديهته، وقوة حافظته،
واستثمار وقته في البحث والمطالعة، مع توقد في الهمة، وتوفر الرغبة الملحة في
معرفة العلم بمختلف فنونه، والحرص على الدليل في كل مسألة من مسائل
العلم المختلف فيها.
تلقى العلم على أيدي كثير من العلماء ومن أبرزهم:
١- الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن الشيخ محمد
بن عبدالوهاب قاضي الرياض.
٢- الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد
بن عبدالوهاب - رحمه الله تعالى -.
٣- الشيخ سعد بن حمد بن عتيق- رحمه الله تعالى - قاضي الرياض.
٤- الشيخ حمد بن فارس- رحمه الله تعالى - وكيل بيت المال في الرياض.
٥- سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله تعالى - مفتي
المملكة العربية السعودية، وقد لازم حلقاته نحواً من عشر سنين، وتلقى عنه
جميع العلوم الشرعية ابتداء من سنة ١٣٤٧ ه) إلى سنة ١٣٥٧ ه)، وهو من
رشَّح الشيخ عبدالعزيز للقضاء.
٦- الشيخ سعد وقاص البخاري - رحمه الله تعالى - من علماء مكة المكرمة
أخذ عنه علم التجويد في عام ١٣٥٥ ه).
١- صدر أمر ملكي عام ١٣٩٥ ه)بتعيينه رئيساً لإدارات البحوث
العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وبقي فيه حتى عام ١٤١٤ ه)، وفي
١٤١٤ ه صدر الأمر الملكي بتعيينه في منصب المفتي العام للمملكة /١/٢٠
العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس إدارة البحوث العلمية
والإفتاء، وإلى وفاته كان يشغل هذه المناصب، وإلى جانب ذلك:
٢- كان رئيساً وعضوًا للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.
٣- ورئيساً للمجلس الأعلى العالمي للمساجد.
٤- ورئيساً للمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم
الإسلامي.
٥- وعضواً للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
٦- وعضواً في الهيئة العليا للدعوة الإسلامية، ولم يقتصر نشاطه على ما
ذكر فقد كان يلقي المحاضرات، ويحضر الندوات العلمية ويعلق عليها، ويعمر
المجالس الخاصة والعامة التي يحضرها بالقراءة والتعليق، بالإضافة إلى الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أصبح صفة ملازمة له.
منَّ الله على الشيخ أن ألف عدد مباركاً من المؤلفات التي ذاع صيتها ولقيت
قبولا بين الناس، ومنها:
١- مجموع فتاوى ومقالات متنوعة.
٢- الفوائد الجلية في المباحث الفرضية.
٣- التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة.
٤- التحذير من البدع ويشتمل على أربع مقالات مفيدة (حكم الاحتفال
بالمولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وتكذيب
الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى الشيخ أحمد).
٥- رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام.
٦- العقيدة الصحيحة وما يضادها.
وكفر من أنكرها. ٧- وجوب العمل بسنة الرسول
٨- الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة.
٩- وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه.
١٠ - حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار.
١١ - نقد القومية العربية.
١٢ - الجواب المفيد في حكم التصوير.
١٣ - الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته.
١٤ - ثلاث رسائل في الصلاة:
وهي المراد شرحها في هذه الرسالة. ؛ أ- كيفية صلاة النبي
ب- وجوب أداء الصلاة في جماعة.
ج- أين يضع المصلي يديه حين الرفع من الركوع.
. ١٥ - حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله
١٦ - حاشية مفيدة على فتح الباري وصل فيها إلى كتاب الحج.
١٧ - رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض
وإمكان الصعود إلى الكواكب.
١٨ - إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة
والعرافين.
١٩ - الجهاد في سبيل الله.
٢٠ - الدروس المهمة لعامة الأمة.
٢١ - فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة.
٢٢ - وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة.
٢٣ - حاشية على بلوغ المرام.
٢٤ - النكت على تقريب التهذيب.
٢٥ - تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة
من الأدعية والأذكار.
٢٦ - التحفة الكريمة في بيان كثير من الأحاديث الموضوعة والسقيمة.
٢٧ - تحفة أهل العلم والإيمان بمختارات من الأحاديث الصحيحة
والحسان.
٢٨ - فتاوى نور على الدرب.
٢٩ - شرح القواعد الأربع.
٣٠ - شرح الأصول الثلاثة.
٣١ - شرح فضل الإسلام.
٣٢ - شرح العقيدة الواسطية.
٣٣ - شرح الحموية، وغيرها.
أ- صفاته ال َ خْلقية:
إن الشيخ - رحمه الله تعالى - يمتاز باعتدال في بنيته، مع المهابة، وهو ليس
بالطويل البائن، ولا القصير جداً، بل هو عوان بين ذلك، مستدير الوجه، حنطي
اللون، أقنى الأنف، ومن دون ذلك فم متوسط الحجم، ولحية قليلة على
العارضين، كثة تحت الذقن، كانت سوداء يغلبها بعض البياض فلما كثر بياضها
صبغها بالحناء، وهو ذو بسمة رائعة تراها على أسارير وجهه إن ابتسم.
يعتبر الشيخ - رحمه الله تعالى - حسن الهيئة، جميل المظهر، ولا يتكلف في
ذلك أبدا، ويحرص على لباس البياض في ثيابه، ويحب ارتداء الثياب الواسعة،
وثيابه تصل إلى أنصاف ساقيه، ويزين ثيابه بعباءة عودية اللون، وهو سلفي في
المظهر والشارة.
مما تميز به سماحته - رحمه الله تعالى - الهيبة، وقد ذكر غير واحد من كبار
العلماء الفضلاء وطلبة العلم أن للشيخ هيبة فيها عزة العلماء مع عظيم مكانتهم
وكبير منزلتهم، وهذه الهيبة قذفها الله في قلوب الناس، وهي تنم عن محبة
وإجلال وتقدير له، لا من خوف وهلع وجبن معه، بل إن الشيخ – رحمه الله
تعالى - قد فرض احترامه على الناس، بجميل شمائله وكريم أخلاقه، مما جعلهم
يهابونه حياء منه، ويقدرونه في أنفسهم أشد التقدير.
ومما زاد هيبته أنه ابتعد عن ساقط القول، ومرذول اللفظ، وما يخدش الحياء
أشد الابتعاد، فلا تكاد تجد في مجلسه شيئا من الضحك إلا نادراً ولماماً، بل تجد
مجالسه عامرة بذكر الله، والتفكر والتأمل في الدار الآخرة.
ومع هذه المكانة العظيمة، والمنزلة السامية، والهيبة، فإنه آية في التواضع،
وحسن المعاشرة، وعلو الهمة، وصدق العزيمة، مع عزة في النفس، وإباء في
الطبع، بعيداً كل البعد عن الصلف والتكلف المذموم، كأنه واضع بين نصب
.
عينيه قوله تعالى
الشيخ - رحمه الله تعالى- ذو فصاحة وبيان، وفصاحته تبرز في كتابته
ومحادثته، وخطبه ومحاضراته وكلماته، فهو ذو بيان مشرق، ونبرات مؤثرة
حزينة، وأداء لغوي جميل، ويميل دائما إلى الأسلوب النافع الذي كان عليه أكثر
أهل العلم، وهو الأسلوب المسمىالسهل الممتنع) فتجد الشيخ - رحمه الله
تعالى - من أكثر الناس بعداً عن التعقيد والتنطع في الكلام والتشدق في اللفظ
والمعنى، والتكلف والتمتمة، بل هو سهل العبارة، عذب الأسلوب، تتسم
عباراته وكتاباته بالإيجاز والإحكام والبيان.
ومن نوافل الأمور أن يقدر القارئ الكريم ثقافة الشيخ - رحمه الله تعالى -
في اللغة والأدب وحسن البيان، لأن معرفة ذلك وإتقانه من الأسس الرئيسية في
فهم آيات الكتاب ونصوص السنة النبوية، ومعرفة مدلولات العلماء، ولهذا كان
الشيخ - رحمه الله تعالى - متمكنا مجيداً للخطابة والكتابة.
ومن المألوف أن الذين يحرمون بصرهم من أهل العلم، يمتازون بالفصاحة
في الألفاظ والمعاني، وقوة الخطابة وإتقانها، لأن معظم اعتمادهم على الإلقاء
والخطابة في الدرس والوعظ والدعوة، وهذا ما يتجلى واضحاً في الشيخ - رحمه
الله تعالى -.
والشيخ - رحمه الله تعالى – خطيبٌ، وواعظ بليغ سواء في محاضراته الكثيرة
النافعة أو تعقيباته على محاضرات غيره، أو في توجيهاته الحكمية، وتوصياته
المفيدة، التي تشرئب إليها الأسماع، وتتطلع لها الأفئدة والقلوب الصادقة المؤمنة.
ومن مميزاته وخصائصه الخطابية قدرته على ترتيب أفكاره حتى لا تتشتت،
وضبطه لعواطفه حتى لا تغلب عقله، ثم سلامة أسلوبه، الذي لا يكاد يعتريه
اللحن في صغير من القول أو كبير، وأخيراً تحرره من كل أثر للتكلف والتنطع.
ومما تميّز به سماحته - رحمه الله تعالى - قوة الحافظة، وسرعة البديهة،
واستحضار مسائل العلم بفهم واسع، ووفرة في العلم، وشدة في الذكاء، وغزارة
في المادة العلمية، فهو - رحمه الله تعالى - صاحب ألمعية نادرة، ونجابة ظاهرة.
وإن نعمة الحفظ، وقوة الذاكرة، هما من الأسباب القوية - بعد توفيق الله
على تمكنه من طلبه للعلم، وازدياد ثروته العلمية، المبنية على محفوظاته التي -
وعتها ذاكرته في مراحل التعلم والتعليم، وقد حباه الله من الذكاء وقوة الحفظ
وسرعة الفهم، مما مكنه من إدراك محفوظاته العلمية عن فهم وبصيرة.
ومما يؤكد على ذلك أنه لربما سُئِلَ عن أحاديث منتقدة في الكتب الستة
وغيرها من كتب السنة فيجيب عليها مع تخريجها والتكلم على أسانيدها
ورجالها، وذكر أقوال أهل العلم فيها.
والشيخ ممنَّ منَّ الله عليه بحفظ الصحيحين، صحيح البخاري، وصحيح
مسلم واستحضارهما، ولا يكاد يفوته من متونهما شيء؛ إلا اللهم أنه سُئِلَ مرة،
فقال السائل: هل تحفظ الصحيحين فأجاب قائلاً - نعم ولله الحمد والمنة - إلا
أن صحيح مسلم يحتاج إلى نظر وتربيط.
ومما يؤكد ويبرهن على قوة حافظته وحضور بديهته، أنه في كلماته
ومحاضراته ومواعظه تجده كثير الاستدلال بالنصوص القرآنية، والأحاديث
النبوية، وأقوال أهل العلم الشرعية، يأتي عليها بسياقها ولفظها وتمامها، وهكذا
في اجتماعات هيئة كبار العلماء، تجده يذكر المسألة وأقوال أهل العلم فيها مبيناً
الجزء والصفحة والكتاب المنقول عنه القول.
وثم أمر آخر يؤكد على قوة حافظة الشيخ وهو أنه يميز بين أصوات محبيه
الذين يقدمون للسلام عليه، مع كثرتهم، وقد ذكر بعض من عاصر الشيخ قديماً
وحديثاً أنه قدم للسلام عليه بعد مدة من الزمن طويلة، فبادره الزائر بالسلام،
فعرفه الشيخ من أول وهلة، ورد عليه السلام منادياً باسمه، وهذا دأبه في أغلب
من يقدمون عليه للسلام.
وأيضاً مما يؤكد على قوة ذاكرته أنك تجده يورد القصص القديمة التي
حصلت قبل ستين سنة أو أكثر كأنه مطلع عليها، ينظر إليها ويتأمل في أمرها،
وهذا أمر معلوم عند من خالط الشيخ وعرفه تمام المعرفة.
إن الفراسة حلية معلومة، وخصلة حميدة لكبار العلماء وأهل الفضل
والهدى، والفراسة كما قال عنها الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -الفراسة
الإيمانية سببها نور يقذفه الله في قلب عبده يفرِّق به بين الحق والباطل، والحال
والعاطل، والصادق والكاذب، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان
أعظم الأمة فراسة، أقوى إيماناً فهو أحدَّ فراسة، وكان أبو بكر الصديق
ووقائع فراسته مشهورة، فإنه ما قال لشيء: أظنه كذا وبعده عمر بن الخطاب
إلا كان كما قال، ويكفي في فراسته موافقته ربه في مواضع عدة).
والشيخ عبدالعزيز - رحمه الله تعالى - كان صاحب بصيرة نافذة، وفراسة
حادة، يعرف ذلك جيداً من عاشره وخالطه، وأخذ العلم على يديه. ومما يؤكد
على فراسته أنه يعرف الرجال وينزلهم منازلهم، فيعرف الجادّ منهم في هدفه
ومقصده من الدعاة وطلبة العلم فيكرمهم أشد الإكرام، ويقدمهم على من
سواهم، ويخصهم بمزيد من التقدير ويسأل عنهم وعن أحوالهم دائما، وله فراسة
في معرفة رؤساء القبائل والتفريق بين صالحهم وطالحهم، وله فراسة أيضا في ما
يعرض عليه من المسائل العويصة، والمشكلات العلمية؛ فتجده فيها متأملا
متمعنا لها، تقرأ عليه عدة مرات، حتى يفك عقدتها، ويحل مشكلها، وله فراسة
أيضاً في ما يتعلق بالإجابة عن أسئلة المستفتين، فهو دائماً يرى الإيجاز ووضوح
العبارة ووصول المقصد إن كان المستفتي عامياً من أهل البادية، وإن كان
المستفتي طالب علم حريص على الترجيح في المسألة، أطال النفس في جوابه مع
التعليلات وذكر أقوال أهل العلم، وتقديم الأرجح منها، وبيان الصواب
بعبارات جامعة مانعة.
إنه لمن المعلوم المتواتر عند جميع الناس أن سماحة الشيخ عبدالعزيز - رحمه
الله تعالى- ممنَّ تميَّز بالخلال الحميدة، والخصال الرشيدة، وجميل الأخلاق،
وطيب الفعال، وعظيم التواضع، وهو ممن يقتدى به في الأدب والعلم
والأخلاق، بل هو أسوة حسنة في تصرفاته وسمته وهديه المبني على كتاب الله
وخاصة في زهده وعبادته وأمانته وصدقه، ، العظيم، وسنة رسوله الكريم
وكثرة التجائه وتضرعه إلى الله، وعظيم خشيته لله، وذكاء فؤاده وسخاء يده،
وطيب معشره، مع اتباع للسنة الغراء، وكثرة عبادة؛ وقصارى القول أن للشيخ
- رحمه الله تعالى - صفات حسنة، وخلال جميلة، وشيم كريمة، ومناقب فذّة
عظيمة، يجدر بنا أن نتناولها بشيء من التفصيل.
التواضع هو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة للخلق،
ومنشأ التواضع من معرفة الإنسان قدر عظمة ربه، ومعرفة قدر نفسه، فالشيخ
- رحمه الله تعالى - قد عرف قدر نفسه، وتواضع لربه أشد التواضع، فهو يعامل
الناس معاملة حسنة بلطف ورحمة ورفق ولين جانب، لا يزهو على مخلوق، ولا
يتكبر على أحد، ولا ينهر سائلا، ولا يبالي بمظاهر العظمة الكاذبة، ولا يترفع
عن مجالسة الفقراء والمساكين، والمشي معهم، ومخاطبتهم باللين، ولا يأنف أبداً
من الاستماع لنصيحة من هو دونه.
ومما يندرج تحت هذا الخلق: خلق السكينة والوقار، وهما من أبرز صفات
الشيخ - رحمه الله تعالى - وهما أول ما يواجه به الناس سواء القريب أو البعيد،
جلساءه الأدنين أو زواره العابرين، فإن الناس ليتكبكبون حوله أينما وجد، في
المسجد، في المنزل، في المكتب، وإنه ليصغي لكل منهم في إقبال يخيل إليه أنه
المختص برعايته، فلا ينصرف عنه حتى ينصرف هو، ومراجعوه من مختلف
الطبقات، ومن مختلف الأرجاء، ولكل حاجته وقصده، فيقوم الشيخ - رحمه الله
تعالى - بتسهيل أمره، وتيسير مطلبه، ولربما ضاق بعضهم ذرعاً عليه، بكلمات
يرى نفسه فيها مظلوما فما من الشيخ - رحمه الله تعالى - إلا أن يوجهه للوقار
والدعاء له بالهداية والصلاح، إنها والله صور صادقة، بالحق ناطقة، تدل على
تواضع جم، وحسن سكينة، وعظيم أناة وحلم، وكبير وقار.
ومما يؤكد تواضعه - رحمه الله تعالى - تلبية دعوة طلابه ومحبيه في حفلات
الزواج الخاصة بهم، ويحضر حضوراً مبكراً، ويطلب من أحد الإخوان قراءة
آيات من القرآن الكريم، ثم يقوم بتفسيرها للجميع، هذا دأبه والغالب عليه في
حضوره للولائم - أعلى الله منزلته في الجنة -.
لعل من أبرز ما تميز به الشيخ - رحمه الله تعالى - الزهد في هذه الدنيا، مع
توفر أسبابها، وحصول مقاصدها له، فقد انصرف عنها بالكلية، وقدم عليها دار
البقاء، لأنه علم أنها دار الفناء، متأسيا بزهد السلف الصالح - رحمهم الله تعالى-
الذين كانوا من أبعد الناس عن الدنيا ومباهجها وزينتها الفانية، مع قربها منهم،
فالشيخ - رحمه الله تعالى - مثالا يحتذى به، وعلماً يقتدى به، وقدوة تؤتسى في
الزهد والورع وإنكار الذات، والهروب من المدائح والثناءات العاطرة، وكم من
مرة يرد حين يسمع من يطنب في ذكر مناقبه وخصاله الحميدة، وخلاله الرشيدة،
يقول له لقد قصمت ظهر أخيك، وإياكم والتمادح فإنه الذبح، اللهم اجعلني
خيرا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون)، بمثل هذه الكلمات النيرة،
والتوجيهات الرشيدة فالشيخ يكره المدح والثناء كرهاً شديداً، وهذا إن دل على
شيء فإنما يدل على زهد في القلب وعفة في الروح، وطهارة في الجوارح، وخشية
. للمولى
وأما عفته وتعففه فهو بحر لا ساحل له، فهو عف اللسان، عفيف النفس،
طاهر الذيل، بعيداً عن المحارم، مجانباً للمآثم، مقبلاً على الطاعات، مدبراً عن
السيئات ومواطن الزلل- نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً -.
لقد بلغ الشيخ - رحمه الله تعالى - من الصدق مبلغا عظيماً، وغاية سامية
ومنزلة رفيعة، فتجد جميع الناس يثقون به وبعلمه، وبفتاويه التي يعرفون أن
ويتقبلون نصحه لأنهم يعلمون أنه صادر ، مصدرها كتاب الله وسنة رسوله
من قلب صادق، مبني على الرحمة، وحب الهداية للخلق والخير لهم، وهذا الأمر
- أعني به الثقة المتناهية - إنما نتجت وحصلت له، من جهة معلومة هي صدقه
مع خالقه ومولاه، ونزاهته وإخلاصه، فطرح الله له القبول بين خلقه.
ليس من الغريب أن يكون متصفاً بهذه الصفة الحميدة، ولا أدل على ذلك
من أن العالم الإسلامي بأجمعه قد ائتمنوه ليس فقط على أموالهم وودائعهم
وأمانتهم؛ بل على أفكارهم وتوجهاتهم، فهو مفتي المسلمين، ومرجعهم الأول
في هذا العصر، مما يستلزم فكراً وقَّاداً، وحجة نيرة، ونزاهة في القصد، وإخلاصاً
في العمل، وأمانة في الفتوى.
ولقد تواتر من أخبار الشيخ وفود كثير من الناس إليه في منزله ومكتبه
لأخذ المشورة الصادقة، والنصح السديد، والتوجيه المفيد، ومما يدل على حبه
للأمانة، حرصه الشديد على تذكير الأمة بالأصول النافعة، والكلمات السديدة،
في المناسبات العامة: وذلك بكلمات وعظية، وإرشادات دينية، يرى أن القيام
بدورها، والتضلع بمسئوليتها أمانة في عنق كل مسلم.
من الصفات الحميدة، والفضائل الرشيدة، التي تميز بها الشيخ عبدالعزيز -
رحمه الله تعالى - على غيره من العلماء، صفة الحلم وسعة الصدر.
ولقد من الله تعالى على سماحته - رحمه الله تعالى - فجمع له بين أكرم
خصلتين، وأعظم خلتين وهما العلم والحلم، فبهما تميز عن غيره، ولذا اتسع
صدره، وامتد حلمه، وعذر الناس من أنفسهم، والتمس العذر لأغلاطهم.
ولعل من المناسب إيراد ما يدل على حلمه وسعة صدره، وشفقته على الناس،
فمن ذلك أنه دخل عليه في مجلس القضاء في الدلم، رجل كثير السباب فسبَّ
الشيخ وشتمه، والشيخ لا يرد عليه، وعندما سافر الشيخ عبدالعزيز بن باز إلى
الحج توفي هذا الرجل فجهّز للصلاة عليه، في جامع العذار، وكان إمامه آنذاك
الشيخ عبدالعزيز بن عثمان بن هليل، فلما علم أنه ذلك الرجل تنحى وامتنع عن
الصلاة عليه، وقال: لا أصلي على شخص يشتم الشيخ ابن باز، بل صلوا عليه
أنتم؛ فلما عاد الشيخ عبدالعزيز من الحج وأخبر بموت ذلك الرجل ترحم عليه،
وعندما علم برفض الشيخ ابن هليل الصلاة عليه، قال: إنه مخطئ في ذلك، ثم
قال دلوني على قبره فصلى عليه وترحم عليه ودعا له.
ودخل عليه رجل آخر عنده قضية في الصباح الباكر، والشيخ يدرس
الطلاب في الجامع - جامع الدلم - فوقف هذا الرجل عليهم، وأخذ ينادي
بصوت مرتفع قائلا: قم افصل بين الناس، قم افصل بين الناس، واترك القراءة،
فلم يزد الشيخ على أن قال: قم يا عبدالله بن رشيد، وأخبره يأتينا عندما نجلس
للقضاء بعد الدرس.
وأخبر الشيخ مرة برجل اغتابه سنين عديدة متهماً إياه بصفات بذيئة،
ونعوت مرذولة وأنه يطلب منه السماح والعفو، فقال: أما حقي فقد تنازلت عنه،
الشيخ عبدالعزيز - رحمه الله تعالى - كرمه معروف مشهور، وكرمه كرم
أصيل لا تكلف فيه ولا تنطع، فمائدته لا تخلو من ضيوف أبداً، يلتقي عليها
الصغير والكبير، والغريب والقريب، وهذه الصفة مما ميزته - رحمه الله تعالى -
عن غيره من العلماء، فهو كريم وكرمه يتمثل في أمور عدة:
أولا:ً عطاءه المستمر للفقراء والمحتاجين والمساكين فهو لا يرد طلباً، ولا
يمسك شيئاً من ماله لا قليلاً ولا كثيراً، وربما مر عليه بعض الأشهر يستدين على
راتبه، ولربما باع أغراضاً مهمة لإنفاق قيمتها في سبيل الله تعالى.
ثانيا: يتمثل كرمه في أنه لا يدنو وحده إلى طعامه، ولا يأكل منفرداً وحيداً،
وإنما إذا حضر طعامه أحضر الناس على طعامه وسفرته، ويحضر العلماء والطلبة
والمفكرون والأدباء والعامة وعابري السبيل والفقراء والمساكين، فيحيي الجميع
ويرحب بهم أطيب الترحيب، ثم إذا أراد أحدهم أن يستعجل قال كلٌ
باختياره، لا ينظر أحدٌ إلى أحد)، ويقول لمن دعا الله له جعل الله فيه العافية).
بمثل هذه الأخلاق الرضية، والصفات الحميدة، حصل للشيخ طيب
الذكر، وحسن الأثر، لا في الرياض وحدها، ولا في المملكة فحسب، ولا في
العالم العربي ولكن في جميع العالم كله، وهناك إجماع أو شبه إجماع على حبه وعلى
أنه البقية الباقية الثابتة على طريق السلف الصالح.
وهذه الصور المشرقة التي سقناها عن كرم الشيخ وجوده تعتبر بمثابة دعوة
مفتوحة إلى التنافس في الخير، والتسابق في ميادين الفضيلة والبعد عن الشح
والحرص والبخل، وذلك أن الإسلام دين يقوم على التعاون والبر والبذل
في أن تكون النفوس والإنفاق، ويحذر من الأنانية والإمساك، ولذلك رغب
بالعطاء سخية، والأكف بالخير ندية، ووصى أمته بالمسارعة إلى دواعي
الإحسان، ووجوه البر وبذل المعروف، وإلى كل خلق نبيل.
الشيخ له زوجتان، وله أربعة أبناء : عبدالله، وعبدالرحمن، وأحمد، وخالد؛
وله ست بنات.
في يوم الخميس الموافق ٢٧ /محرم/ ١٤٢٠ ه رُزِأت الأمة بفقد سماحة
الشيخ عبدالعزيز بن باز عن عمر يناهز تسعة وثمانين عاماً.
وبفقد هذا العَلَم خسر المسلمون خسارة كبيرة، فبموته فُقيد عَالمِ جليل
كرس كل حياته في سبيل العلم وخدمة الإسلام والمسلمين على اختلاف
أوطانهم، وبلدانهم فرحمه الله رحمة واسعة.
ولما تسامع الناس بالخبر، تصدعت الأفئدة، ونكست الأذقان، فكم من
دمعة ترقرقت، وكم من حزن قضى، وكم وكم، ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون.
فلما سِير بجنازته تذكر المتذكر جنازة الإمام أحمد بن حنبل أو ابن تيمية من ذوي
الجنائز المشهودة ، فلا تحصي الألسنة المترحمة عليه والمستغفرة له ويالها من غبطة.
ولقد تتابع الناس من أنحاء المملكة يفدون بأنفسهم يعزون، ويستغفرون،
ويشهدون للفقيد بالإحسان.
وتتابع ذوو الأقلام يرثون إمامَ وقته ، فكم من عالم نثر رثاءه ، وكم من عالم
نظم رثاءه، وكم من مثقف كتب، وكم من عاقل سطر، والعجز عن وصف المشاعر
سمة الجميع، فجزاهم الله خيرًا.
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل مثواه جناته، مع الحبيب المصطفى، وأصلح وبارك
ونفع بولده من بعده،
وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين . الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين