أبو يوسف
28-07-2008, 01:01 AM
"نحن عشرة بحارة فينيقيين.. تسعة رجال وامرأة واحدة. أتينا إلى هذه الأرض وسوف نعود إلى بلادنا". عبارة منقوشة فوق حجر أثري قديم في متحف مدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل. إنها تظهر حقيقة تاريخية مهمة تتردد أصداؤها الآن بين كل علماء الآثار والمختصين. وهي تنفي ماكان يعتقد قديما من أن البرتغالي "فاسكو دي جاما لما هو الذي اكتشف هذا البلد - القارة. إن هذا الحجر الذي يسمى حجر (برايبا) يؤكد أن العرب كانوا هم أول من اكتشف البرازيل.
http://img174.imageshack.us/img174/7834/brazilrel94zh2.jpg
تقع جمهورية البرازيل في أواسط وشمال شرقي أمريكا الجنوبية، تحدها شمالا فنزويلا وكولومبيا وغويانا وسورينام، وغوبانا الفرنسية، وغربا البيرو وبوليفيا، وجنوبا باراغواي والأرجنتين والأرغواي.
وتبلغ المساحة الإجمالية للبرازيل (8.511.965) كم مربعا، ويبلغ عدد سكانها حوالي (150) مليون نسمة، ويعتبر الهنود الحمر سكانها الأصليين. رغم قلتهم حاليا، فالبرازيل عبارة عن تجانس غريب مكون من عدة شعوب امتزجت عاداتها وتقاليدها وانتماءاتها وأعرافها وماضيها لتشكل حاضرا ومستقبلا واحدا.
كانت هذه الأرض على مدى السنوات الماضية مقصدا للكثير من الهجرات، وأبرز من هاجروا إليها البرتغاليون الذين كانوا أول من استعمرها، ثم الزنوج الذين جيء بهم كعبيد للعمل في الحقول والمصانع ثم توالت هجرات الإيطالين والألمان واليابانيين والعرب خاصة اللبنانيين الذين يشكلون نسبة (70%) من العرب الموجودين في البرازيل ويقدر عددهم بحوالي (12) مليون مهاجر، ثم السوريين. وتعتبر برازيليا هي العاصمة الرسمية للبرازيل، ويدين أكثر من 90% من سكانها ب (الكاثوليكية)، واللغة الرسمية هي (البرتغالية)
نظرة على التاريخ
كانت البرازيل وحتى عام (1815) مستعمرة برتغالية، ومنذ أن أعلن (دوم بيدرو) استقلال المستعمرة في عام (1822) ونصب نفسه إمبراطورا، شهدت البرازيل تغيرات سياسية كبيرة، توالت فيها الحكومات، وتغيرت فيها أنماط الحكم من إمبراطوري إلى عسكري إلى ديكتاتوري، إلى ديموقراطي، فلم تشهد البرازيل طوال سنوات عمرها استقرارا سياسيا، وقد جعل هذا المواطن البرازيلي يألف عملية التغيير فهو يصحو في الصباح على تشكيل جديد للوزراء وينام في المساء على تشكيل آخر.
وينص الدستور البرازيلي الموضوع عام (1969) على أنها جمهورية اتحادية، تتألف من (22) ولاية وأربع مقاطعات ومقاطعة اتحادية واحدة (برازيليا) وهي عضو في العديد من المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، ومنظمة الدول الأمريكية، واتحاد أمريكا اللاتينية للتجارة الحرة.
و(الكروزيرو) هو العملة الرسمية للبرازيل. وتعتمد في نسبة كبيرة من مدخولاتها على صادراتها الزراعية، فهي ثاني أكبر دولة في العالم مصدرة للمحاصيل الزراعية، ومن أهمها البن والسكر والصويا والكاكاو والسيسال (ليف للحبال) والتبغ والقطن والذرة، إضافة إلى ذلك فيوجد بها احتياطي كبير من المعادن، وتعتبر مناجم الأمازون أكبر مناجم للحديد في العالم، كما تم اكتشاف ثروات معدنية أخرى كالفوسفات واليورانيوم والمنجنيز والنحاس والفحم.
ورغم أن أرض البرازيل مليئة بالخيرات إلا أنها تعتبر من دول العالم الثالث الأشد فقرا، وتوجد بها مستويات فقر لا توجد في أي دولة من دول العالم، كما توجد بها مستويات غنى لا يضاهيها غنى، وعندما تمر بأي من شوارع البرازيل الممتدة سواء في ريود دي جانيرو أو ساوباولو فستشاهد ذلك المزيج من الفقر الشديد والغنى. الفاحش لا يفصلهما إلا شارع واحد، ويبدو أن هذا التكوين الجغرافي هو الذي ادى إلى انتشار معدلات الجريمة والسرقة بنسبة عالية.
وقد حرصت جدا على زيارة المناطق الفقيرة أو بالأحرى التي هي دون مستوى الفقر ولكن مرافقنا واجه إلحاحي بتحذيرات مشددة من الاقتراب من مثل هذه المناطق لأن رجال الشرطة أنفسهم لا يستطيعون دخولها إلا في حملات جماعية، ولكن وبعد عدة أيام من تكرار الطلب أتيحت لنا فرصة المرور بجانب هذه المناطق لنلقي نظرة عابرة على الأوضاع التي يعيشونها وكان الأمر أشبه بمأساة حقيقية قائمة كل يوم.
إن المجتمع البرازيلي يقسم على الأساس التالي:
(55%) يعتبرون أقل من الفقراء، وهم الذين يتقاضون الحد الأدنى من الرواتب.
(20%) فقراء عاديون، (15%) طبقة وسطي، (10%) الأغنياء وذوو النفوذ والسيطرة.
الوجه القبيح
وأرض البرازيل رغم الإيحاءات التى تعطيها لمن يطؤها لأول مرة، ويستمتع بجمالها وطبيعتها الخلابة.. أقول رغم الإيحاءات العاطفية بأنها أرض رقيقة هادئة، ورغم الابتسامات الجميلة والعذبة التي تلحظها في وجوه البرازيليين، ورغم الشواطىء والأنهار والخلجان والجبال والشلالات والأرض الخضراء التي تحيط بك والأمطار والهواء النقي، رغم الإحساس الجميل الذي تشعر به وانت تنظر إلى أرض البرازيل من أعلى قممها أو من نافذة الطائرة لترى أرضا غريبة التكوين، مترامية الأطراف شاسعة المساحة.. رغم كل هذا إلا أن للبرازيل وجها آخر لا يظهر فى وضح النهار، وجها قبيحا يظهر في غير خجل وسط ظلمة الليل.. فالبرازيل الهادئة نهارا والتي تجد أناسها إما على الشواطىء يمارسون الهواية الأولى عندهم الرياضة، أو في الشوارع أو الأسواق أو مقار عملهم، يستقبلونك بتحية مبتسمة، لا تدري إن كان هؤلاء هم أنفسهم الذين يحيلون ليل البرازيل إلى شيء مرعب داكن السواد، حتى أنك تشعر في الليل أن آلة الزمن انتقلت بك من البرازيل إلى بلد آخر مليء بالحروب والجرائم. إن العنف والقتل والعصابات وجرائم السرقة هي السمة العامة لليل البرازيل، وانعدام الأمن هو المشكلة الأساسية التي تواجهها حتى أن السياحة في السنوات الأخيرة بدأت تتراجع لهذا السبب، بالرغم من أنها بلد سياحي من الدرجة الاولى، فهي تضم العديد من المراكز السياحية المهمة التي يقصدها آلاف السياح سنويا كريودي جانيرو ذات الشواطىء الشهيرة والسواحل الجذابة والجبال الخضراء الشاهقة الارتفاع، وسلفادور مدينة العمران الهندسي المميز والتي تعتبر نموذجا للطراز البرتغالي التقليدي الممتزج بأسلوب الهندسة الحديثة، وشلالات كاتاراتس في منطقة أيجوس فولز وشلالات أجواكو وغابات أحواض الأمازون.
وقد سألت مدير إدارة السياحة في وزارة السياحة البرازيلية السيد إليكس كاستالدي عن الخدمات التي تقدمها البرازيل للسائحين فقال:
لدينا الكثير من المناطق المجهولة للعالم أو للسياح رغم أنها معروفة لدى البرازيليين بجمالها وروعتها، لم يتم تسويقها بصورة مناسبة تظهرها بصورتها الجمالية الحقيقية للسائحين، كمنطقة الأمازون مثلا وهي منطقة بدائية وبالغة الجمال ولكن المشكلة فيها أنها لا تحتوي على المرافق السياحية الضرورية كالفنادق وغيرها، ونحن نعي أن هذه المناطق لا يمكنها استقبال السائحين بهيئتها الحالية ورغم جمالها، فنحن لن نبدأ عملية التسويق لهذه المناطق إلا بعد أن نجهزها بالكامل بالمرافق الضرورية. وأضاف السيد (إليكس) أننا نتعلم من أخطائنا فقبل عشر سنوات قمنا بتسويق مناطق سياحية دون أن تحوي هذه المناطق أبسط شروط الراحة التي يفضلها السائحون، ونحن الآن نعمل خطوة خطوة في مجال استثمار السياحة وخطتنا الحالية هي.. تقييم هذه المناطق ومحاولة تسويق كل جزء منها على حدة، ننوي تسويق المنطقة الشمالية الشرقية من البلاد لمن يستهويه نوع معين من المناخ ويختلف هذا عن منطقة الجنوب، وتوجد لدينا طرفة تقول:
"إنه إذا تم تعصيب عين شخص ووضعه في طائرة لمدة ساعتين فإنه لن يصدق أنه مازال في نفس الدولة التي كان بها، فمسافة ساعتين من التحليق بالطائرة ستصلك بمنطقة مختلفة تماما في المناخ والطبيعة والشكل، وكأنها بلد جديد".
لذلك رأينا أن نستغل هذه الميزة ونستغل كذلك تنوع المواسم والحضارات والثقافة في مختلف الولايات في البرازيل لنقوم بتسويق كل منطقة على حدة.
وماذا عن ارتفاع معدلات الجريمة؟ وقد لاحظنا وسمعنا العديد من الحكايات والحوادث خلال فترة إقامتنا تشير بل تؤكد ارتفاعا سريعا في معدل الجريمة وتنوع أساليبها، ألا يعتبر هذا إحدى المشاكل الرئيسية التي تواجه السياحة في البرازيل؟
يقول مدير إدارة السياحة: إن السائحين بدأوا ملاحظة ارتفاع نسبة الجرائم والإرهاب والسرقات والمشاكل في المناطق السياحية، وبعدها بدأت الدول الأجنبية وضع قيود على الاستثمارات في البرازيل وإثناء مواطنيها عن السفر إلى البرازيل للسياحة أو الاستثمار، والمشكلة الحقيقية هنا في البرازيل أنه لا يوجد أصلا مشكلة، فالإرهاب موجود في الكثير من الدول، كذلك مشاكل السرقات وغيرها منتشرة، وخير مثال على ذلك مدينتا ميامي ونيويورك، ومع ذلك فالسياحة مستمرة في هاتين المدينتين رغم الجرائم وخطورة الحياة هناك، ولا يوجد وجه للمقارنة بين هاتين المدينتين وبين ريودي جانيرو مثلا.
ونحن لا ننكر أن عدد السائحين انخفض في الفترة الأخيرة ولكنه الآن بدأ يطرأ عليه تحسن ملحوظ.
ففي الفترة مابين (1986) إلى (1990) انخفضت نسبة السائحين حيث كان يصل عددهم في عام (1986) إلى مليوني سائح إلا أنه هبط في عام (1989) إلى مليون سائح، وقد عادت هذه الأعداد تتزايد تدريجيا مع بدايات (1990).
ونحن دائما نقوم بإجراء تحريات ودراسات حول السياحة في البرازيل من خلال مانطرحه من أسئلة على السائحين لدى مغادرتهم البرازيل حول ما يتعلق بالمشاكل التي صادفتهم أثناء زيارتهم.
كحول بدلا من البنزين
وبمناسبة وجودنا في مدينة البحر والجمال طلبت من صديقنا العربي المغترب والذي يقيم في ريودي جانيرو منذ سبعة وعشرين عاما أن نقوم بجولة في هذه المدينة الساحرة، فسألنا هل نريدها جولة ساحلية أم جبلية، قلت الاثنتين وهكذا بدأنا بالساحل، ومشينا سيرا على الأقدام على الساحل البحري المطل على المحيط الأطلسي الثائر دائما، ابتداء من شاطىء (كوبوكبانه) أشهر الشواطيء البحرية في العالم، المليء بالناس، ونحن نسير لم نتوقف عن شرب جميع أنواع عصير الفواكه الموجود لديهم بدءا من (كوكا) كما يسميه البرازيليون أي (جوز الهند) كما نسميه نحن، حتى البايابايا والماميا والجوارانا وقصب السكر.. وغيرها، قلت لصاحبي، هناك رائحة تسيطر على الأجواء في ريو أينما ذهبنا ماهي؟ قال: سوف تجدها في كل مكان وليس في ريو فقط، إنها رائحة (الكحول) المنبعثة من السيارات إن حوالي (70%) من سيارات البرازيل تعمل (بالكحول) بدلا من البنزين، والكحول هنا يستخرج من قصب السكر ولعل البرازيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تستخدم الكحول بدلا من البنزين لأنه متوافر بشكل كبير وأقل تكلفة من البنزين، وقد صممت ماكينات السيارات على هذا الأساس. ثم انطلقنا إلى أشهر المعالم التاريخية في البرازيل إنه (جبل كريشتو) أعلى القمم الجبلية هناك والذي يعلوه تمثال من الرخام للسيد المسيح، ويطلق عليه البرازيليون اسم تمثال (كوركوفادو) ومن تلك القمة الشاهقة يمكنك أن تتعرف على جانيرو أكثر، حيث ترى الامتداد الطبيعي لتلك المدينة وتكوينها الجغرافي. تذكرت ماقالته لى موظفة الجوازات في مطار (هيثرو) في لندن عندما سألتني عن وجهتي وقلت لها (ريو دي جانيرو) فقالت أنت رجل محظوظ. إنك عندما تنظر إلى ريو من أعلى تجد أنها محاطة من كل صوب بمياه البحر، كما أنها محترقة بالعديد من البحيرات والقنوات، هذا الاختراق المائي الكثيف أعطاها طابعا خاصا وطعما فريدا لا تجده إلا في هذه المدينة ولكن هذا الجمال الخلاب لم يشفع لها لتكون مدينة هادئة، فهي وبلا شك من أكثر مدن العالم عنفا وانعداما للأمان، وهناك مناطق معينة لا يجرؤ أحد من خارجها أن يلج إليها كما أشرنا آنفا مثل مناطق (المورو) التي يسكنها الفقراء وغالبيتهم من السود وتعرف بأنها مقر زعماء التهريب التابعين لمنظمة (كوماندو فرميلو) أي (منظمة الحمر)، ويصل تأثير هذه المنظمة إلى العديد من المستويات السياسية في البرازيل ومن أكثر الجرائم التي تعاني منها ريودي جانيرو وانتشرت في الآونة الأخيرة بصورة واضحة خطف الأطفال وقتلهم، وإلى يومنا هذا لم يتم بعد الكشف عن الأسباب الحقيقية والجهات التي تقوم بهذه العملية التي تتكرر بشكل شبه يومي.
المدينة في كرنفال
وما دمنا في حديثنا عن ريودي جانيرو فلابد أن نذكر أنها كانت العاصمة الرسمية لجمهورية البرازيل، حتى أوائل الستينيات ثم أصبحت مدينة (برازيليا) هي العاصمة الرسمية وفي (1973) نقلت إليها السفارات والهيئات الرسمية والهيئات الدبلوماسية والإدارات، وقد اختيرت مدينة برازيليا لتكون العاصمة لما تتمتع به من موقع في وسط البلاد وكي تكون الرابط بين شمال وجنوب البرازيل.
وتبلغ السياحة ذروتها في شهر فبراير من كل عام، ففي هذا الشهر نجد ألاف السائحين سواء من خارج البرازيل أو من داخلها يقصدون هذه المدينة لحضور احتفالات الكرنفال السنوي للمدينة، والكرنفال عبارة عن تقليد إفريقي جلبه السود معهم من إفريقيا، وهو عبارة عن تنافس (مدارس السامبا) المنتشرة في ريو بتقديم عروض فنية ورقصات غريبة ومختلفة، يقومون بادائها في الشوارع، وتستمر هذه العروض والاحتفالات لمدة أربعة أيام تعطل فيها الدوائر الحكومية جميعها، وتقدم هذه العروض والرقصات وعروض الأزياء في الشوارع، ويقولون إن ريودي جانيرو مدينة ترقص أربعة أيام من دون توقف. وهذه حقيقة فطوال الأيام الأربعة تجد الناس ترقص في الشوارع في كل وقت ليلا ونهارا وفجرا.
....يتبع
http://img174.imageshack.us/img174/7834/brazilrel94zh2.jpg
تقع جمهورية البرازيل في أواسط وشمال شرقي أمريكا الجنوبية، تحدها شمالا فنزويلا وكولومبيا وغويانا وسورينام، وغوبانا الفرنسية، وغربا البيرو وبوليفيا، وجنوبا باراغواي والأرجنتين والأرغواي.
وتبلغ المساحة الإجمالية للبرازيل (8.511.965) كم مربعا، ويبلغ عدد سكانها حوالي (150) مليون نسمة، ويعتبر الهنود الحمر سكانها الأصليين. رغم قلتهم حاليا، فالبرازيل عبارة عن تجانس غريب مكون من عدة شعوب امتزجت عاداتها وتقاليدها وانتماءاتها وأعرافها وماضيها لتشكل حاضرا ومستقبلا واحدا.
كانت هذه الأرض على مدى السنوات الماضية مقصدا للكثير من الهجرات، وأبرز من هاجروا إليها البرتغاليون الذين كانوا أول من استعمرها، ثم الزنوج الذين جيء بهم كعبيد للعمل في الحقول والمصانع ثم توالت هجرات الإيطالين والألمان واليابانيين والعرب خاصة اللبنانيين الذين يشكلون نسبة (70%) من العرب الموجودين في البرازيل ويقدر عددهم بحوالي (12) مليون مهاجر، ثم السوريين. وتعتبر برازيليا هي العاصمة الرسمية للبرازيل، ويدين أكثر من 90% من سكانها ب (الكاثوليكية)، واللغة الرسمية هي (البرتغالية)
نظرة على التاريخ
كانت البرازيل وحتى عام (1815) مستعمرة برتغالية، ومنذ أن أعلن (دوم بيدرو) استقلال المستعمرة في عام (1822) ونصب نفسه إمبراطورا، شهدت البرازيل تغيرات سياسية كبيرة، توالت فيها الحكومات، وتغيرت فيها أنماط الحكم من إمبراطوري إلى عسكري إلى ديكتاتوري، إلى ديموقراطي، فلم تشهد البرازيل طوال سنوات عمرها استقرارا سياسيا، وقد جعل هذا المواطن البرازيلي يألف عملية التغيير فهو يصحو في الصباح على تشكيل جديد للوزراء وينام في المساء على تشكيل آخر.
وينص الدستور البرازيلي الموضوع عام (1969) على أنها جمهورية اتحادية، تتألف من (22) ولاية وأربع مقاطعات ومقاطعة اتحادية واحدة (برازيليا) وهي عضو في العديد من المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، ومنظمة الدول الأمريكية، واتحاد أمريكا اللاتينية للتجارة الحرة.
و(الكروزيرو) هو العملة الرسمية للبرازيل. وتعتمد في نسبة كبيرة من مدخولاتها على صادراتها الزراعية، فهي ثاني أكبر دولة في العالم مصدرة للمحاصيل الزراعية، ومن أهمها البن والسكر والصويا والكاكاو والسيسال (ليف للحبال) والتبغ والقطن والذرة، إضافة إلى ذلك فيوجد بها احتياطي كبير من المعادن، وتعتبر مناجم الأمازون أكبر مناجم للحديد في العالم، كما تم اكتشاف ثروات معدنية أخرى كالفوسفات واليورانيوم والمنجنيز والنحاس والفحم.
ورغم أن أرض البرازيل مليئة بالخيرات إلا أنها تعتبر من دول العالم الثالث الأشد فقرا، وتوجد بها مستويات فقر لا توجد في أي دولة من دول العالم، كما توجد بها مستويات غنى لا يضاهيها غنى، وعندما تمر بأي من شوارع البرازيل الممتدة سواء في ريود دي جانيرو أو ساوباولو فستشاهد ذلك المزيج من الفقر الشديد والغنى. الفاحش لا يفصلهما إلا شارع واحد، ويبدو أن هذا التكوين الجغرافي هو الذي ادى إلى انتشار معدلات الجريمة والسرقة بنسبة عالية.
وقد حرصت جدا على زيارة المناطق الفقيرة أو بالأحرى التي هي دون مستوى الفقر ولكن مرافقنا واجه إلحاحي بتحذيرات مشددة من الاقتراب من مثل هذه المناطق لأن رجال الشرطة أنفسهم لا يستطيعون دخولها إلا في حملات جماعية، ولكن وبعد عدة أيام من تكرار الطلب أتيحت لنا فرصة المرور بجانب هذه المناطق لنلقي نظرة عابرة على الأوضاع التي يعيشونها وكان الأمر أشبه بمأساة حقيقية قائمة كل يوم.
إن المجتمع البرازيلي يقسم على الأساس التالي:
(55%) يعتبرون أقل من الفقراء، وهم الذين يتقاضون الحد الأدنى من الرواتب.
(20%) فقراء عاديون، (15%) طبقة وسطي، (10%) الأغنياء وذوو النفوذ والسيطرة.
الوجه القبيح
وأرض البرازيل رغم الإيحاءات التى تعطيها لمن يطؤها لأول مرة، ويستمتع بجمالها وطبيعتها الخلابة.. أقول رغم الإيحاءات العاطفية بأنها أرض رقيقة هادئة، ورغم الابتسامات الجميلة والعذبة التي تلحظها في وجوه البرازيليين، ورغم الشواطىء والأنهار والخلجان والجبال والشلالات والأرض الخضراء التي تحيط بك والأمطار والهواء النقي، رغم الإحساس الجميل الذي تشعر به وانت تنظر إلى أرض البرازيل من أعلى قممها أو من نافذة الطائرة لترى أرضا غريبة التكوين، مترامية الأطراف شاسعة المساحة.. رغم كل هذا إلا أن للبرازيل وجها آخر لا يظهر فى وضح النهار، وجها قبيحا يظهر في غير خجل وسط ظلمة الليل.. فالبرازيل الهادئة نهارا والتي تجد أناسها إما على الشواطىء يمارسون الهواية الأولى عندهم الرياضة، أو في الشوارع أو الأسواق أو مقار عملهم، يستقبلونك بتحية مبتسمة، لا تدري إن كان هؤلاء هم أنفسهم الذين يحيلون ليل البرازيل إلى شيء مرعب داكن السواد، حتى أنك تشعر في الليل أن آلة الزمن انتقلت بك من البرازيل إلى بلد آخر مليء بالحروب والجرائم. إن العنف والقتل والعصابات وجرائم السرقة هي السمة العامة لليل البرازيل، وانعدام الأمن هو المشكلة الأساسية التي تواجهها حتى أن السياحة في السنوات الأخيرة بدأت تتراجع لهذا السبب، بالرغم من أنها بلد سياحي من الدرجة الاولى، فهي تضم العديد من المراكز السياحية المهمة التي يقصدها آلاف السياح سنويا كريودي جانيرو ذات الشواطىء الشهيرة والسواحل الجذابة والجبال الخضراء الشاهقة الارتفاع، وسلفادور مدينة العمران الهندسي المميز والتي تعتبر نموذجا للطراز البرتغالي التقليدي الممتزج بأسلوب الهندسة الحديثة، وشلالات كاتاراتس في منطقة أيجوس فولز وشلالات أجواكو وغابات أحواض الأمازون.
وقد سألت مدير إدارة السياحة في وزارة السياحة البرازيلية السيد إليكس كاستالدي عن الخدمات التي تقدمها البرازيل للسائحين فقال:
لدينا الكثير من المناطق المجهولة للعالم أو للسياح رغم أنها معروفة لدى البرازيليين بجمالها وروعتها، لم يتم تسويقها بصورة مناسبة تظهرها بصورتها الجمالية الحقيقية للسائحين، كمنطقة الأمازون مثلا وهي منطقة بدائية وبالغة الجمال ولكن المشكلة فيها أنها لا تحتوي على المرافق السياحية الضرورية كالفنادق وغيرها، ونحن نعي أن هذه المناطق لا يمكنها استقبال السائحين بهيئتها الحالية ورغم جمالها، فنحن لن نبدأ عملية التسويق لهذه المناطق إلا بعد أن نجهزها بالكامل بالمرافق الضرورية. وأضاف السيد (إليكس) أننا نتعلم من أخطائنا فقبل عشر سنوات قمنا بتسويق مناطق سياحية دون أن تحوي هذه المناطق أبسط شروط الراحة التي يفضلها السائحون، ونحن الآن نعمل خطوة خطوة في مجال استثمار السياحة وخطتنا الحالية هي.. تقييم هذه المناطق ومحاولة تسويق كل جزء منها على حدة، ننوي تسويق المنطقة الشمالية الشرقية من البلاد لمن يستهويه نوع معين من المناخ ويختلف هذا عن منطقة الجنوب، وتوجد لدينا طرفة تقول:
"إنه إذا تم تعصيب عين شخص ووضعه في طائرة لمدة ساعتين فإنه لن يصدق أنه مازال في نفس الدولة التي كان بها، فمسافة ساعتين من التحليق بالطائرة ستصلك بمنطقة مختلفة تماما في المناخ والطبيعة والشكل، وكأنها بلد جديد".
لذلك رأينا أن نستغل هذه الميزة ونستغل كذلك تنوع المواسم والحضارات والثقافة في مختلف الولايات في البرازيل لنقوم بتسويق كل منطقة على حدة.
وماذا عن ارتفاع معدلات الجريمة؟ وقد لاحظنا وسمعنا العديد من الحكايات والحوادث خلال فترة إقامتنا تشير بل تؤكد ارتفاعا سريعا في معدل الجريمة وتنوع أساليبها، ألا يعتبر هذا إحدى المشاكل الرئيسية التي تواجه السياحة في البرازيل؟
يقول مدير إدارة السياحة: إن السائحين بدأوا ملاحظة ارتفاع نسبة الجرائم والإرهاب والسرقات والمشاكل في المناطق السياحية، وبعدها بدأت الدول الأجنبية وضع قيود على الاستثمارات في البرازيل وإثناء مواطنيها عن السفر إلى البرازيل للسياحة أو الاستثمار، والمشكلة الحقيقية هنا في البرازيل أنه لا يوجد أصلا مشكلة، فالإرهاب موجود في الكثير من الدول، كذلك مشاكل السرقات وغيرها منتشرة، وخير مثال على ذلك مدينتا ميامي ونيويورك، ومع ذلك فالسياحة مستمرة في هاتين المدينتين رغم الجرائم وخطورة الحياة هناك، ولا يوجد وجه للمقارنة بين هاتين المدينتين وبين ريودي جانيرو مثلا.
ونحن لا ننكر أن عدد السائحين انخفض في الفترة الأخيرة ولكنه الآن بدأ يطرأ عليه تحسن ملحوظ.
ففي الفترة مابين (1986) إلى (1990) انخفضت نسبة السائحين حيث كان يصل عددهم في عام (1986) إلى مليوني سائح إلا أنه هبط في عام (1989) إلى مليون سائح، وقد عادت هذه الأعداد تتزايد تدريجيا مع بدايات (1990).
ونحن دائما نقوم بإجراء تحريات ودراسات حول السياحة في البرازيل من خلال مانطرحه من أسئلة على السائحين لدى مغادرتهم البرازيل حول ما يتعلق بالمشاكل التي صادفتهم أثناء زيارتهم.
كحول بدلا من البنزين
وبمناسبة وجودنا في مدينة البحر والجمال طلبت من صديقنا العربي المغترب والذي يقيم في ريودي جانيرو منذ سبعة وعشرين عاما أن نقوم بجولة في هذه المدينة الساحرة، فسألنا هل نريدها جولة ساحلية أم جبلية، قلت الاثنتين وهكذا بدأنا بالساحل، ومشينا سيرا على الأقدام على الساحل البحري المطل على المحيط الأطلسي الثائر دائما، ابتداء من شاطىء (كوبوكبانه) أشهر الشواطيء البحرية في العالم، المليء بالناس، ونحن نسير لم نتوقف عن شرب جميع أنواع عصير الفواكه الموجود لديهم بدءا من (كوكا) كما يسميه البرازيليون أي (جوز الهند) كما نسميه نحن، حتى البايابايا والماميا والجوارانا وقصب السكر.. وغيرها، قلت لصاحبي، هناك رائحة تسيطر على الأجواء في ريو أينما ذهبنا ماهي؟ قال: سوف تجدها في كل مكان وليس في ريو فقط، إنها رائحة (الكحول) المنبعثة من السيارات إن حوالي (70%) من سيارات البرازيل تعمل (بالكحول) بدلا من البنزين، والكحول هنا يستخرج من قصب السكر ولعل البرازيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تستخدم الكحول بدلا من البنزين لأنه متوافر بشكل كبير وأقل تكلفة من البنزين، وقد صممت ماكينات السيارات على هذا الأساس. ثم انطلقنا إلى أشهر المعالم التاريخية في البرازيل إنه (جبل كريشتو) أعلى القمم الجبلية هناك والذي يعلوه تمثال من الرخام للسيد المسيح، ويطلق عليه البرازيليون اسم تمثال (كوركوفادو) ومن تلك القمة الشاهقة يمكنك أن تتعرف على جانيرو أكثر، حيث ترى الامتداد الطبيعي لتلك المدينة وتكوينها الجغرافي. تذكرت ماقالته لى موظفة الجوازات في مطار (هيثرو) في لندن عندما سألتني عن وجهتي وقلت لها (ريو دي جانيرو) فقالت أنت رجل محظوظ. إنك عندما تنظر إلى ريو من أعلى تجد أنها محاطة من كل صوب بمياه البحر، كما أنها محترقة بالعديد من البحيرات والقنوات، هذا الاختراق المائي الكثيف أعطاها طابعا خاصا وطعما فريدا لا تجده إلا في هذه المدينة ولكن هذا الجمال الخلاب لم يشفع لها لتكون مدينة هادئة، فهي وبلا شك من أكثر مدن العالم عنفا وانعداما للأمان، وهناك مناطق معينة لا يجرؤ أحد من خارجها أن يلج إليها كما أشرنا آنفا مثل مناطق (المورو) التي يسكنها الفقراء وغالبيتهم من السود وتعرف بأنها مقر زعماء التهريب التابعين لمنظمة (كوماندو فرميلو) أي (منظمة الحمر)، ويصل تأثير هذه المنظمة إلى العديد من المستويات السياسية في البرازيل ومن أكثر الجرائم التي تعاني منها ريودي جانيرو وانتشرت في الآونة الأخيرة بصورة واضحة خطف الأطفال وقتلهم، وإلى يومنا هذا لم يتم بعد الكشف عن الأسباب الحقيقية والجهات التي تقوم بهذه العملية التي تتكرر بشكل شبه يومي.
المدينة في كرنفال
وما دمنا في حديثنا عن ريودي جانيرو فلابد أن نذكر أنها كانت العاصمة الرسمية لجمهورية البرازيل، حتى أوائل الستينيات ثم أصبحت مدينة (برازيليا) هي العاصمة الرسمية وفي (1973) نقلت إليها السفارات والهيئات الرسمية والهيئات الدبلوماسية والإدارات، وقد اختيرت مدينة برازيليا لتكون العاصمة لما تتمتع به من موقع في وسط البلاد وكي تكون الرابط بين شمال وجنوب البرازيل.
وتبلغ السياحة ذروتها في شهر فبراير من كل عام، ففي هذا الشهر نجد ألاف السائحين سواء من خارج البرازيل أو من داخلها يقصدون هذه المدينة لحضور احتفالات الكرنفال السنوي للمدينة، والكرنفال عبارة عن تقليد إفريقي جلبه السود معهم من إفريقيا، وهو عبارة عن تنافس (مدارس السامبا) المنتشرة في ريو بتقديم عروض فنية ورقصات غريبة ومختلفة، يقومون بادائها في الشوارع، وتستمر هذه العروض والاحتفالات لمدة أربعة أيام تعطل فيها الدوائر الحكومية جميعها، وتقدم هذه العروض والرقصات وعروض الأزياء في الشوارع، ويقولون إن ريودي جانيرو مدينة ترقص أربعة أيام من دون توقف. وهذه حقيقة فطوال الأيام الأربعة تجد الناس ترقص في الشوارع في كل وقت ليلا ونهارا وفجرا.
....يتبع