نورالدين المهاجر
28-08-2008, 05:31 AM
محمد توفيق.. المتبتل في محراب "تبليغالإسلام"د. مجدي سعيد
[ رحم اللهأبا ذر.. يمشي وحده ويموت وحده ويُبعث يوم القيامة وحده".. هكذا تذكرت أبا ذر وأناأتعرف على سيرة هذا الرجل الذي عاش يعمل لرسالة الإسلام مبلغًا لها سواء بالاتصالالمباشر أو بالمراسلات البريدية، مرسلا ما ظل يصدره وحده من نشرة Newsletter تعريفية برسالة الإسلام ما يقرب من ستين عاما "وحده" دونما جماعة أو هيئة تساعده،حتى أعانه الله؛ فبلغ حصاد ما زرع أربعة آلاف من الأوروبيين الذين كان سببًا فيإسلامهم، هي بلا شك خير له أربعة آلاف مرة من "حمر النعم"، وخير له "من الدنيا ومافيها".
وُلد المهندس "محمد توفيق بن أحمد سعد" عام 1902 في مدينة "الفيوم" بمصر المحروسة، في حي هناك يُعرف بحي "الحواتم" حيث كان والده يعمل هناك مديرا لفرعالبنك الأهلي المصري بالمدينة. وفي مرحلة التكوين الأولى تأثر بوالديه اللذين كانايواظبان على صلواتهما ويحافظان على تعاليم دينهما، وكان لوالده في منزلهم منتدىقرآني وأدبي وإصلاحي يجتمع فيه شيوخ وأئمة المساجد وقراء القرآن في المدينة بعدصلاة العشاء لتلاوة القرآن، حيث كان الطفل محمد يجلس فيه يستمع إلى قراءة القرآنكبديل عن حضور الكُتّاب الذي لم يطق قسوة شيخه فيه على الأولاد فانقطع عن حضوره.
وفي بيئة تكوينه الأولى أيضا تأثر بإمام مسجد الحواتم الذي كان يعقد دروسافي المسجد بعد صلاتي الظهر والعصر، وإلى هذا الشيخ يُرجع المهندس محمد توفيق الفضلفيما حصّله من ثقافة إسلامية واسعة في تلك المرحلة من عمره.
عقل متسائلوقلب لا يهدأ :مر "محمد توفيق" بمرحلة طريفة وفريدة في فترة طفولته، دفعتهإليها عقليته المتسائلة تساؤلات فطرية بريئة ومنطقية.. ففي صغره اعتاد أن يرى أماممنزله المسجد والكنيسة الإنجيلية والكاثوليكية، فأثار ذلك في ذهنه تساؤلا طرحه علىأمه: "إذا كان الناس يتوجهون إلى المسجد للصلاة يشكرون الله.. فماذا يصنع الذينيتوجهون إلى الكنيسة؟ فقالت: إنهم يشكرون الله وفقا لأحكام دينهم. وكانيلعب مع أولاد القسيس من جيرانه، فتبادر إلى ذهنه تعقيبًا على إجابة أمه إذا كانالمسلمون يشكرون الله بالصلاة والنصارى يشكرون الله بالذهاب إلى الكنيسة.. فلماذالا يجتمع كل هؤلاء في مكان واحد ليشكروا الله معا؟ فأجابته أمه قائلة: عندما يزورناعدد كبير من الضيوف ولا تتسع لهم غرفة الاستقبال.. فماذا نصنع؟ قال لها: يجلسون فيالشرفات أو نقيم لهم شادرا. وجارتْهُ أمه في التفكير على هذه الطريقة لتؤكدله أن الأديان الثلاثة أصلها واحد وليس هناك خلاف، وآثرت أن تتركه لتفكيره الفطريحتى يهتدي إلى حقائق الدين وحده، فقال لها يوماً: هل من الممكن أن أذهب لأشكر اللهفي الكنيسة؟ فلم تمانع؛ لأنها وجدته يفكر تفكيرا فطريا ولا خطر فيه. الفطرة.. واختبار النقاءومن ثم بدأ يتردد على الكنيسة، ولاحظ أنهمهناك يعاملون الأطفال معاملة حسنة جدا، وصار يردد معهم تراتيلهم. ولما اكتشف أبوهذلك وكان لا يعلم حاول إقناعه بأن المسلمين يشكرون الله في المسجد لا في الكنيسة،وطلب منه عدم الذهاب إلى الكنيسة مرة أخرى، وتوعده إن أصر على الذهاب إليها أنيحرمه من مصروفات الدراسة، وذهب معه إلى ناظر المدرسة التي يذهب إليها، الذي حاولأيضا أن يثنيه عن الذهاب إلى هناك بنفس المنطق، لكن الصبي كان مُصرًّا فانصرف منالمدرسة متوجهًا إلى مفتش التبشير الأمريكي في الكنيسة الإنجيلية مستر جلوي. وكان للتبشير مدرسة على بُعد كيلومتر من مدينة الفيوم يديرها جلوي هذا،فقابله الطفل هناك، وأبدى رغبته في الالتحاق بمدرسة التبشير وعدم العودة إلى مدرستهالقديمة، فاتصل جلوي بأبيه مخبرًا إياه أنه يحاول إثناء ابنه عن عزمه، إلا أن الأبواجه كلام المبشر بغضب وسبه وسب الابن، ومن ثم فقد قبله جلوي في المدرسة وأعد لهمكانا للدراسة والإقامة ورتب له معلما يعلمه القرآن الكريم، ولم يكن قد حفظ إلاالقليل منه.
ومضى الطفل يدرس القرآن والإنجيل معاً، ولأن الطفل كان يتمتعبعقلية منطقية فقد بدأت تتجمع لديه بعض الملاحظات النقدية من دراسة الكتابين، كانتبدايتها ملاحظته لما حوته قصة عرس الجليل في الإنجيل من موقف المسيح مع أمه وقولهلها: "مالك ومالي يا امرأة"، وهو ما لاحظ أنه مناقض لما جاء في وصف المسيح فيالقرآن بأنه كان براً بوالدته ولم يكن جبارا شقيا، وبدأ يدون ملاحظاته تلك فيالكراريس التي أعطاها له مستر جلوي، فملأ ثلاثا منها كلها ملاحظات منطقية فطرية.
وفي براءة عرضها على مستر جلوي طالباً رأيه، فما كان من جلوي إلا أن قالله: إن الذي كتب هذا الكلام هو الشيطان وليس أنت. ولما وضّح له أنه هو الذي كتبهقال له بأنه ليس لديه إجابة على تلك الملاحظات؛ مما أحبط الصبي، فطلب منه على الفورأن يترك مدرسة التبشير، فأوصله جلوي إلى المكان الذي طلبه وهو المسجد الذي يصلي فيهعمه (وكان يخاف من العودة إلى المنزل خشية رد فعل أبيه)، حيث توسط له عمه وعاد إلىبيته بعدما عرف أبوه قصته مع جلوي.
الدافع الذاتي.. والفعل الإيجابي
نمت ميول الفتى محمد توفيق ورغبته في نشر الخير وتعليمه لمن يجهل به كلماتقدمت به السن؛ ففي أثناء دراسته بالمدرسة الابتدائية كان يدرس مادة "الديانةوالتهذيب" المقررة في ذلك الوقت، فكان يقوم بكتابة دروس تلك المادة ويقوم بتعليقهافي أماكن متفرقة من البلدة لتعم الفائدة. وفي مرحلة لاحقة وجد عددًا منالمصليات الصغيرة التي أقامها الفلاحون على شاطئ بحر يوسف؛ لتكون قريبة من مقارأعمالهم في الحقول، فدعا عددا من أصدقائه لكي يقوموا بتدريس ما يتلقونه في مادةالديانة من دروس على مرتادي هذه المصليات فيما بين صلاتي المغرب والعشاء؛ حيث يكونالفلاحون قد أنهوا أعمالهم، وكانت المصليات 8 والأصدقاء 9 فوزعوا أنفسهم عليهاواحدا لكل مصلى، والفرد الباقي للتفتيش وكتابة الملاحظات على عمل زملائه لتنبيههمإليها، وكانوا يتناوبون العمل في التفتيش على بعضهم البعض. وفي عام 1918سافر إلى القاهرة للدراسة في مدرسة الفنون والصنائع، وبعد تخرجه فكر في إصدار صحيفةمطبوعة، فقام بإصدار صحيفة من ورقة واحدة تسمى "التقوى"، وقام بإصدار ألف نسخة منالعدد الأول منها، ثم استصدر ترخيصاً لها، وكتب عليها "جريدة التقوى تصدرها جماعةالوعظ الإسلامي". وواصل إصدار الصحيفة حتى عام 1929؛ حيث رُشح للسفر فيبعثة دراسية إلى سويسرا، وهناك شعر بحاجة الأوروبيين للحصول على فكرة صحيحةوموضوعية عن الإسلام، فأنشأ "دار تبليغ الإسلام"، وهو اسم معنوي كان يعمل من ورائه،وكان يراسل الصحف الأوروبية ليرد على المقالات التي تنشر لتشوه الإسلام باسم "محمدتوفيق – محرر جريدة التقوى بالقاهرة"، وكان يتلقى العديد من الرسائل من القراء التيتسأل عن الإسلام. يقول حول تلك الفترة: "وكنت أتسلم الكثير من الرسائل على المنزلالذي كنت أسكن فيه، وبالطبع كنت أرد عليها، وفي كل مكان كنت أتواجد فيه أجد كثيرامن الأسئلة المتعلقة بالإسلام والمسلمين، وكانت صورة الإسلام مشوهة من أعداءالإسلام والمستشرقين ومن حَسَني النية الذين يصدقون كل ما يقرءون؛ فيعتقدون أنالإسلام بهذه الصورة.
الاستفزاز وقود العمل الجاد
وذات مرة قام أحدالمبشرين واسمه دكتور رويلي مفتش التبشير في أسوان في ذلك الوقت، وكان بصدد جمعتبرعات للمساعدة في خدمات المستشفى التبشيري في مصر، ونشر في الصحف أنه سيلقيمحاضرة عن مصر وفلسطين وحدد موعدها، وحث الجمهور على حضورها، وكان مكان المحاضرة فيأحد المعابد الأوروبية.. يقول محمد توفيق: "وتصورت وقتها أنه سيتعرض في محاضرتهللإسلام، وفعلاً تناول في حديثه أشياء كثيرة تمس الإسلام، وتحدث في مواضيع كثيرة عنالعرب وفلسطين ومصر، وذكر مظاهر كثيرة من الفوضى والجهل المنتشر -الذي هو فيالحقيقة بسبب البعد عن الإسلام-، وكانت تلك حملة مرتبة، وقد حمل الرجل صوراً معهإلى المحاضرة تسيء إلى الإسلام وإلى مصر أبلغ إساءة، ومن الصور التي عرضها بالفانوسفي هذا الوقت صورة جمل وسيدة تركب خلف الرجل في المكان المنحدر من مؤخرة الجمل تكادتسقط، ليوحي بهذا أن معاملة الرجل للمرأة في الإسلام سيئة. ثم قال: هل تتخيلون كيفيتم الزواج هناك؟! المرأة عند المسلمين تباع؛ فهناك من يشتريها الزوج عند الزواجبعشرة جنيهات، وأخرى بعشرين وثالثة بخمسين (إشارة إلى المهر في مصر في الثلاثينياتمن القرن العشرين) كأنك تشتري عنزاً أو جاموسة يمكنك أن تشتري المرأة، ويمكنك أنتتزوج بمن تعجبك بأي عدد تشاء، ولم يحدد رويلي عدد النساء بأربع كما هو معروف. وبعد هذا عرض صورة أخرى لرجلين يمشيان يحمل أحدهما مغزله يغزل به وأمامهامرأته تحمل حملا ثقيلا من القمح قدّره بأربع كيلات، ورغم ذلك يقول زوجها لصاحبه: "سأطلقها"، بالرغم من تفانيها وتعبها في خدمته، وبعد ذلك قال لهم: الآن سأعرض عليكمصورة لأكبر مستشفى رمد في مصر، في القاهرة، وجاء بصورة ضريح السيدة نفيسة، وتظهرفيه حلقات في جوانب الضريح، وجاء بأناس تظهر عيونهم بصورة قبيحة جداً، وقد وضعتعليها طبقات من الطين بشكل قبيح تتقزز منه العين، وقال: هذه الطبيبة -يقصد السيدةنفيسة- من نسل النبي محمد أُرسلت إلى مصر لتعمي المصريين، وقال لهم: هل تعرفون كمعدد العميان في مصر؟ وأجاب أنهم يمثلون 30%.
وعندما انتهت المحاضرة قدمالحاضرون التبرعات لهذا المبشر، ورغبت في أن أرد على د. رويلي غير أن لغتيالألمانية لم تكن تسعفني في هذه المهمة، فقلت كلمات قصيرة في نهاية المحاضرة مؤداهاأن لي تعليقاً قصيراً ستقرءونه في الصحف. ولم أنَم في تلك الليلة، وجئت بجميعالقواميس في محاولة مني لكتابة رد يصحح ما أثاره مفتش التبشير في محاضرته من أكاذيبومغالطات. وفي الصباح صححت لي جارتي ما كتبته بلغة ركيكة، وبعثت بهذا الرد للصحف،ونشرت الصحف الرد في صفحاتها الأولى، وذكرت أنه لـ"محمد توفيق - محرر مجلة التقوىبالقاهرة". ومن هنا كانت الحاجة ماسة لتأسيس دار تبليغ الإسلام؛ لتقومبتقديم مفهوم صحيح عن الإسلام، ولتساعد الأجانب الراغبين في معرفة الحقيقة فيمايتصل بالإسلام بلغاتهم الحية في مواجهة حملات التضليل والأكاذيب والتعصب.
مسيرة نصف قرن من "تبليغ الإسلام"
وهكذا بدأ الأستاذ محمد توفيقعمله في دعوة غير المسلمين من خلال "دار تبليغ الإسلام" في سويسرا ليواصله من مصربعد عودته حتى وفاته، وحول ذلك يقول: "دار تبليغ الإسلام أو الاسم المعنوي الذيأقوم بنشاطي الإسلامي تحته من خلال اللقاءات أو المكاتبات التي أتبادلها مع الأجانبالراغبين في الحصول على فكرة صحيحة عن الإسلام؛ الأمر الذي اضطررت معه للاشتراك فيصندوق بريد رقم 112 في القاهرة؛ حيث كان الصندوق يستقبل مئات الرسائل من جميع أنحاءالعالم، ولم أكن أتصور أن الاهتمام بالإسلام والرغبة في معرفة أسسه يستحوذان على كلهذا الاهتمام من الناس من جميع أنحاء العالم، وكنت أقوم بالرد عليها، وبالطبع كانلكل رسالة طابعها، ولكل مرسل اهتماماته التي شدته إلى معرفة الإسلام، واعتراضاتهأيضاً على بعض الأمور التي لم يحسن فهمها عن الإسلام، والتي هي نتاج أفكار غيرصحيحة ومشوهة عن الإسلام بفعل أعداء الإسلام التقليديين. وبأسلوب المراسلةهدى الله تعالى خلقاً كثيراً إلى الإسلام ممن حصلوا على فكرة صحيحة عن الإسلام فيبيئات تشوه سماحة الإسلام ومبادئه، كما اكتسبنا أصدقاء للإسلام كثيرين لكنهم لميعلنوا اعتناقهم للإسلام، وكان الفضل لله تعالى ثم للرسالة الصغيرة التي وضعناهاتحت عنوان "الإسلام دين المجتمع"، والتي تضمنت فكرة مركَّزة عن رسالة الإسلام إلىالناس كافة وقد تُرجمت إلى معظم لغات العالم".
وفي عام 1943 تنازل عن إصدارمجلة التقوى إلى جماعة الوعظ ومكارم الأخلاق، وأصدر بدلاً منها مجلة "البريدالإسلامي"، وظل يصدرها حتى توفاه الله عام 1411هـ = 1991م، وفي خلال رحلته الطويلةفي الدعوة إلى الإسلام بالمراسلة بمعظم لغات العالم الحي، بلَّغ دعوته إلى مائة ألفمن الأجانب، قبلها منهم أربعة آلاف أسلموا بفضل الله، وبفضل احتشاد ذلك الرجل "الفرد" لتلك المهمة الجليلة التي لم يولها الكثيرون اهتمامهم.
#حول المهندس محمد توفيق انظر: عبد اللطيف الجوهري - رجل من أمة التوحيد أسلم علىيديه 4000 من الأجانب – القاهرة - دار الصحوة،1991.
[ رحم اللهأبا ذر.. يمشي وحده ويموت وحده ويُبعث يوم القيامة وحده".. هكذا تذكرت أبا ذر وأناأتعرف على سيرة هذا الرجل الذي عاش يعمل لرسالة الإسلام مبلغًا لها سواء بالاتصالالمباشر أو بالمراسلات البريدية، مرسلا ما ظل يصدره وحده من نشرة Newsletter تعريفية برسالة الإسلام ما يقرب من ستين عاما "وحده" دونما جماعة أو هيئة تساعده،حتى أعانه الله؛ فبلغ حصاد ما زرع أربعة آلاف من الأوروبيين الذين كان سببًا فيإسلامهم، هي بلا شك خير له أربعة آلاف مرة من "حمر النعم"، وخير له "من الدنيا ومافيها".
وُلد المهندس "محمد توفيق بن أحمد سعد" عام 1902 في مدينة "الفيوم" بمصر المحروسة، في حي هناك يُعرف بحي "الحواتم" حيث كان والده يعمل هناك مديرا لفرعالبنك الأهلي المصري بالمدينة. وفي مرحلة التكوين الأولى تأثر بوالديه اللذين كانايواظبان على صلواتهما ويحافظان على تعاليم دينهما، وكان لوالده في منزلهم منتدىقرآني وأدبي وإصلاحي يجتمع فيه شيوخ وأئمة المساجد وقراء القرآن في المدينة بعدصلاة العشاء لتلاوة القرآن، حيث كان الطفل محمد يجلس فيه يستمع إلى قراءة القرآنكبديل عن حضور الكُتّاب الذي لم يطق قسوة شيخه فيه على الأولاد فانقطع عن حضوره.
وفي بيئة تكوينه الأولى أيضا تأثر بإمام مسجد الحواتم الذي كان يعقد دروسافي المسجد بعد صلاتي الظهر والعصر، وإلى هذا الشيخ يُرجع المهندس محمد توفيق الفضلفيما حصّله من ثقافة إسلامية واسعة في تلك المرحلة من عمره.
عقل متسائلوقلب لا يهدأ :مر "محمد توفيق" بمرحلة طريفة وفريدة في فترة طفولته، دفعتهإليها عقليته المتسائلة تساؤلات فطرية بريئة ومنطقية.. ففي صغره اعتاد أن يرى أماممنزله المسجد والكنيسة الإنجيلية والكاثوليكية، فأثار ذلك في ذهنه تساؤلا طرحه علىأمه: "إذا كان الناس يتوجهون إلى المسجد للصلاة يشكرون الله.. فماذا يصنع الذينيتوجهون إلى الكنيسة؟ فقالت: إنهم يشكرون الله وفقا لأحكام دينهم. وكانيلعب مع أولاد القسيس من جيرانه، فتبادر إلى ذهنه تعقيبًا على إجابة أمه إذا كانالمسلمون يشكرون الله بالصلاة والنصارى يشكرون الله بالذهاب إلى الكنيسة.. فلماذالا يجتمع كل هؤلاء في مكان واحد ليشكروا الله معا؟ فأجابته أمه قائلة: عندما يزورناعدد كبير من الضيوف ولا تتسع لهم غرفة الاستقبال.. فماذا نصنع؟ قال لها: يجلسون فيالشرفات أو نقيم لهم شادرا. وجارتْهُ أمه في التفكير على هذه الطريقة لتؤكدله أن الأديان الثلاثة أصلها واحد وليس هناك خلاف، وآثرت أن تتركه لتفكيره الفطريحتى يهتدي إلى حقائق الدين وحده، فقال لها يوماً: هل من الممكن أن أذهب لأشكر اللهفي الكنيسة؟ فلم تمانع؛ لأنها وجدته يفكر تفكيرا فطريا ولا خطر فيه. الفطرة.. واختبار النقاءومن ثم بدأ يتردد على الكنيسة، ولاحظ أنهمهناك يعاملون الأطفال معاملة حسنة جدا، وصار يردد معهم تراتيلهم. ولما اكتشف أبوهذلك وكان لا يعلم حاول إقناعه بأن المسلمين يشكرون الله في المسجد لا في الكنيسة،وطلب منه عدم الذهاب إلى الكنيسة مرة أخرى، وتوعده إن أصر على الذهاب إليها أنيحرمه من مصروفات الدراسة، وذهب معه إلى ناظر المدرسة التي يذهب إليها، الذي حاولأيضا أن يثنيه عن الذهاب إلى هناك بنفس المنطق، لكن الصبي كان مُصرًّا فانصرف منالمدرسة متوجهًا إلى مفتش التبشير الأمريكي في الكنيسة الإنجيلية مستر جلوي. وكان للتبشير مدرسة على بُعد كيلومتر من مدينة الفيوم يديرها جلوي هذا،فقابله الطفل هناك، وأبدى رغبته في الالتحاق بمدرسة التبشير وعدم العودة إلى مدرستهالقديمة، فاتصل جلوي بأبيه مخبرًا إياه أنه يحاول إثناء ابنه عن عزمه، إلا أن الأبواجه كلام المبشر بغضب وسبه وسب الابن، ومن ثم فقد قبله جلوي في المدرسة وأعد لهمكانا للدراسة والإقامة ورتب له معلما يعلمه القرآن الكريم، ولم يكن قد حفظ إلاالقليل منه.
ومضى الطفل يدرس القرآن والإنجيل معاً، ولأن الطفل كان يتمتعبعقلية منطقية فقد بدأت تتجمع لديه بعض الملاحظات النقدية من دراسة الكتابين، كانتبدايتها ملاحظته لما حوته قصة عرس الجليل في الإنجيل من موقف المسيح مع أمه وقولهلها: "مالك ومالي يا امرأة"، وهو ما لاحظ أنه مناقض لما جاء في وصف المسيح فيالقرآن بأنه كان براً بوالدته ولم يكن جبارا شقيا، وبدأ يدون ملاحظاته تلك فيالكراريس التي أعطاها له مستر جلوي، فملأ ثلاثا منها كلها ملاحظات منطقية فطرية.
وفي براءة عرضها على مستر جلوي طالباً رأيه، فما كان من جلوي إلا أن قالله: إن الذي كتب هذا الكلام هو الشيطان وليس أنت. ولما وضّح له أنه هو الذي كتبهقال له بأنه ليس لديه إجابة على تلك الملاحظات؛ مما أحبط الصبي، فطلب منه على الفورأن يترك مدرسة التبشير، فأوصله جلوي إلى المكان الذي طلبه وهو المسجد الذي يصلي فيهعمه (وكان يخاف من العودة إلى المنزل خشية رد فعل أبيه)، حيث توسط له عمه وعاد إلىبيته بعدما عرف أبوه قصته مع جلوي.
الدافع الذاتي.. والفعل الإيجابي
نمت ميول الفتى محمد توفيق ورغبته في نشر الخير وتعليمه لمن يجهل به كلماتقدمت به السن؛ ففي أثناء دراسته بالمدرسة الابتدائية كان يدرس مادة "الديانةوالتهذيب" المقررة في ذلك الوقت، فكان يقوم بكتابة دروس تلك المادة ويقوم بتعليقهافي أماكن متفرقة من البلدة لتعم الفائدة. وفي مرحلة لاحقة وجد عددًا منالمصليات الصغيرة التي أقامها الفلاحون على شاطئ بحر يوسف؛ لتكون قريبة من مقارأعمالهم في الحقول، فدعا عددا من أصدقائه لكي يقوموا بتدريس ما يتلقونه في مادةالديانة من دروس على مرتادي هذه المصليات فيما بين صلاتي المغرب والعشاء؛ حيث يكونالفلاحون قد أنهوا أعمالهم، وكانت المصليات 8 والأصدقاء 9 فوزعوا أنفسهم عليهاواحدا لكل مصلى، والفرد الباقي للتفتيش وكتابة الملاحظات على عمل زملائه لتنبيههمإليها، وكانوا يتناوبون العمل في التفتيش على بعضهم البعض. وفي عام 1918سافر إلى القاهرة للدراسة في مدرسة الفنون والصنائع، وبعد تخرجه فكر في إصدار صحيفةمطبوعة، فقام بإصدار صحيفة من ورقة واحدة تسمى "التقوى"، وقام بإصدار ألف نسخة منالعدد الأول منها، ثم استصدر ترخيصاً لها، وكتب عليها "جريدة التقوى تصدرها جماعةالوعظ الإسلامي". وواصل إصدار الصحيفة حتى عام 1929؛ حيث رُشح للسفر فيبعثة دراسية إلى سويسرا، وهناك شعر بحاجة الأوروبيين للحصول على فكرة صحيحةوموضوعية عن الإسلام، فأنشأ "دار تبليغ الإسلام"، وهو اسم معنوي كان يعمل من ورائه،وكان يراسل الصحف الأوروبية ليرد على المقالات التي تنشر لتشوه الإسلام باسم "محمدتوفيق – محرر جريدة التقوى بالقاهرة"، وكان يتلقى العديد من الرسائل من القراء التيتسأل عن الإسلام. يقول حول تلك الفترة: "وكنت أتسلم الكثير من الرسائل على المنزلالذي كنت أسكن فيه، وبالطبع كنت أرد عليها، وفي كل مكان كنت أتواجد فيه أجد كثيرامن الأسئلة المتعلقة بالإسلام والمسلمين، وكانت صورة الإسلام مشوهة من أعداءالإسلام والمستشرقين ومن حَسَني النية الذين يصدقون كل ما يقرءون؛ فيعتقدون أنالإسلام بهذه الصورة.
الاستفزاز وقود العمل الجاد
وذات مرة قام أحدالمبشرين واسمه دكتور رويلي مفتش التبشير في أسوان في ذلك الوقت، وكان بصدد جمعتبرعات للمساعدة في خدمات المستشفى التبشيري في مصر، ونشر في الصحف أنه سيلقيمحاضرة عن مصر وفلسطين وحدد موعدها، وحث الجمهور على حضورها، وكان مكان المحاضرة فيأحد المعابد الأوروبية.. يقول محمد توفيق: "وتصورت وقتها أنه سيتعرض في محاضرتهللإسلام، وفعلاً تناول في حديثه أشياء كثيرة تمس الإسلام، وتحدث في مواضيع كثيرة عنالعرب وفلسطين ومصر، وذكر مظاهر كثيرة من الفوضى والجهل المنتشر -الذي هو فيالحقيقة بسبب البعد عن الإسلام-، وكانت تلك حملة مرتبة، وقد حمل الرجل صوراً معهإلى المحاضرة تسيء إلى الإسلام وإلى مصر أبلغ إساءة، ومن الصور التي عرضها بالفانوسفي هذا الوقت صورة جمل وسيدة تركب خلف الرجل في المكان المنحدر من مؤخرة الجمل تكادتسقط، ليوحي بهذا أن معاملة الرجل للمرأة في الإسلام سيئة. ثم قال: هل تتخيلون كيفيتم الزواج هناك؟! المرأة عند المسلمين تباع؛ فهناك من يشتريها الزوج عند الزواجبعشرة جنيهات، وأخرى بعشرين وثالثة بخمسين (إشارة إلى المهر في مصر في الثلاثينياتمن القرن العشرين) كأنك تشتري عنزاً أو جاموسة يمكنك أن تشتري المرأة، ويمكنك أنتتزوج بمن تعجبك بأي عدد تشاء، ولم يحدد رويلي عدد النساء بأربع كما هو معروف. وبعد هذا عرض صورة أخرى لرجلين يمشيان يحمل أحدهما مغزله يغزل به وأمامهامرأته تحمل حملا ثقيلا من القمح قدّره بأربع كيلات، ورغم ذلك يقول زوجها لصاحبه: "سأطلقها"، بالرغم من تفانيها وتعبها في خدمته، وبعد ذلك قال لهم: الآن سأعرض عليكمصورة لأكبر مستشفى رمد في مصر، في القاهرة، وجاء بصورة ضريح السيدة نفيسة، وتظهرفيه حلقات في جوانب الضريح، وجاء بأناس تظهر عيونهم بصورة قبيحة جداً، وقد وضعتعليها طبقات من الطين بشكل قبيح تتقزز منه العين، وقال: هذه الطبيبة -يقصد السيدةنفيسة- من نسل النبي محمد أُرسلت إلى مصر لتعمي المصريين، وقال لهم: هل تعرفون كمعدد العميان في مصر؟ وأجاب أنهم يمثلون 30%.
وعندما انتهت المحاضرة قدمالحاضرون التبرعات لهذا المبشر، ورغبت في أن أرد على د. رويلي غير أن لغتيالألمانية لم تكن تسعفني في هذه المهمة، فقلت كلمات قصيرة في نهاية المحاضرة مؤداهاأن لي تعليقاً قصيراً ستقرءونه في الصحف. ولم أنَم في تلك الليلة، وجئت بجميعالقواميس في محاولة مني لكتابة رد يصحح ما أثاره مفتش التبشير في محاضرته من أكاذيبومغالطات. وفي الصباح صححت لي جارتي ما كتبته بلغة ركيكة، وبعثت بهذا الرد للصحف،ونشرت الصحف الرد في صفحاتها الأولى، وذكرت أنه لـ"محمد توفيق - محرر مجلة التقوىبالقاهرة". ومن هنا كانت الحاجة ماسة لتأسيس دار تبليغ الإسلام؛ لتقومبتقديم مفهوم صحيح عن الإسلام، ولتساعد الأجانب الراغبين في معرفة الحقيقة فيمايتصل بالإسلام بلغاتهم الحية في مواجهة حملات التضليل والأكاذيب والتعصب.
مسيرة نصف قرن من "تبليغ الإسلام"
وهكذا بدأ الأستاذ محمد توفيقعمله في دعوة غير المسلمين من خلال "دار تبليغ الإسلام" في سويسرا ليواصله من مصربعد عودته حتى وفاته، وحول ذلك يقول: "دار تبليغ الإسلام أو الاسم المعنوي الذيأقوم بنشاطي الإسلامي تحته من خلال اللقاءات أو المكاتبات التي أتبادلها مع الأجانبالراغبين في الحصول على فكرة صحيحة عن الإسلام؛ الأمر الذي اضطررت معه للاشتراك فيصندوق بريد رقم 112 في القاهرة؛ حيث كان الصندوق يستقبل مئات الرسائل من جميع أنحاءالعالم، ولم أكن أتصور أن الاهتمام بالإسلام والرغبة في معرفة أسسه يستحوذان على كلهذا الاهتمام من الناس من جميع أنحاء العالم، وكنت أقوم بالرد عليها، وبالطبع كانلكل رسالة طابعها، ولكل مرسل اهتماماته التي شدته إلى معرفة الإسلام، واعتراضاتهأيضاً على بعض الأمور التي لم يحسن فهمها عن الإسلام، والتي هي نتاج أفكار غيرصحيحة ومشوهة عن الإسلام بفعل أعداء الإسلام التقليديين. وبأسلوب المراسلةهدى الله تعالى خلقاً كثيراً إلى الإسلام ممن حصلوا على فكرة صحيحة عن الإسلام فيبيئات تشوه سماحة الإسلام ومبادئه، كما اكتسبنا أصدقاء للإسلام كثيرين لكنهم لميعلنوا اعتناقهم للإسلام، وكان الفضل لله تعالى ثم للرسالة الصغيرة التي وضعناهاتحت عنوان "الإسلام دين المجتمع"، والتي تضمنت فكرة مركَّزة عن رسالة الإسلام إلىالناس كافة وقد تُرجمت إلى معظم لغات العالم".
وفي عام 1943 تنازل عن إصدارمجلة التقوى إلى جماعة الوعظ ومكارم الأخلاق، وأصدر بدلاً منها مجلة "البريدالإسلامي"، وظل يصدرها حتى توفاه الله عام 1411هـ = 1991م، وفي خلال رحلته الطويلةفي الدعوة إلى الإسلام بالمراسلة بمعظم لغات العالم الحي، بلَّغ دعوته إلى مائة ألفمن الأجانب، قبلها منهم أربعة آلاف أسلموا بفضل الله، وبفضل احتشاد ذلك الرجل "الفرد" لتلك المهمة الجليلة التي لم يولها الكثيرون اهتمامهم.
#حول المهندس محمد توفيق انظر: عبد اللطيف الجوهري - رجل من أمة التوحيد أسلم علىيديه 4000 من الأجانب – القاهرة - دار الصحوة،1991.