المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عباس العقاد , هل كان نصرانياً .. ترجمه أخرى


ابن العراق
03-04-2009, 12:49 PM
ترجمته

الترجمة للأشخاص والدول هي كتابة للتاريخ ، والتاريخ ـ الترجمات للأشخاص والدول ـ يُسَجَّلُ برصد الأحداث دون دوافعها الفكرية ( العقدية ) ، وقد تسبب رصد الأحداث دون دوافعها الفكرية ( العقدية ) ، أو تدوين الأحداث دون خلفياتها الفكرية ( العقدية ) إلى تعقيد التاريخ وتعدد تفسيراته ، وصلاحيته للاستشهاد من كل ذي فكر منحرفٍ ، وإننا في حاجة إلى تدوين التاريخ الفكري .. في حاجة إلى رصد الأفكار : كيف تنشأ ؟ وكيف تتحرك ؟ وكيف تنتقل ؟
في حاجة إلى تركيب الأحداث على الأفكار ، كما هو السياق الحقيقي لما يحدث على مستوى الفرد والجماعة .
وهم ـ كتَّاب التاريخ ـ حين يتكلمون عن حدثٍ معين فإنهم يُقدِّمون ما يعرف بالأسباب لهذا الحدث ، كأسباب غزوة بدر الكبرى ، وأسباب غزوة أحد ، وأسباب حروب الردة ؛ يقولون : خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لاعتراض عيرٍ لقريش قادمة من الشام ، وأرسل أبو سفيان يستنفر قريشاً ، فكان المسلمون بين العير والنفير ... ، ويقولون : خرجت قريش تثأر لقتلاها يوم بدر حتى جاءت أحداً بقضها وقضيضها يجعجع فرسانهم وتضرب بالدف نسائهم وينادي بالثارات جميعهم ، وخرج لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد أن شاور أصحابه ... ، ويقولون : منعت العرب الزكاة ، وظهر الأدعياء فارتدت العرب ووجب قتالها ...
وهي أحداث لا أسباب .!
الحركة الفكرية تسبق التغيرات الحركية وتضبطها .. تحدث معركة في الضمير ثم يكون الظاهر لما يستقر منها في النفس ، تسبق الأحداث في كل شيء . وها أنذا أقدم ترجمة فكرية لعبَّاس العقاد ، آملاً في أن تكون بداية موفقة وخطوة على طريق إعادة كتابة التاريخ المعاصر على الأقل بخلفياته الحقيقة إذ كله عراك بين الكفر والإيمان .
ولد عباس العقاد( 1889م ـ 1964م ) في إحدى القرى بأقصى جنوب مصر ( مدينة أسوان ) حيث كان يعمل أبوه[1] ، ورحل العقَّاد إلى القاهرة وعددٍ من مدنِ شمالِ مصر طلباً للرزق، وضاقت به أسبابَ الرزقِ مراراً ، واضطرته أحياناً لبيع كتبه ، أو العودةِ لأهله في أقصى الصعيد .

كان عباس العقَّاد صاحب إمكانات شخصية كثيرة ، يبرز منها حدِّةُ الطبع ، ومضاءُ العزيمة . كان معتزاً بنفسه ، يعلم منها القدرة على ما لا يستطيعه كثيرٌ من أقرانه ، وكان لا يطيق أن يقفَ أحد على رأسه ، أو أن ينتقص أحد من قدره ، توَّاقاً للريادة ، ولذا كثرت خصوماته ، ومشاكساته للرواد في عصره . فصار مضطرباً قلقاً ، مرةً ذات اليمين ومرةً ذات الشمال .. مرةً مع هؤلاء ومرة مع أعدائهم !!، والثابت عنده ـ كما يبدو لي بوضوح ـ أنْ يبقى منفرداً في رأيه ، أو أن يبقى وحيداً مرتفعاً في مكانه ، رائداً لإخوانه ، هذا هو مفتاح شخصيته الذي يفسر لنا أعماله ومواقفه !

التقى أميرَ الشعراءِ أحمد شوقي وهو صبي صغير بالكاد تجاوز العشرين من عمره ، فنشب الخلاف بينهما على صورةٍ معلقةٍ بالجدار ، ومِن يومها راح يطاولُ ويناطحُ أميرَ الشعراء أحمد شوقي !! ، فجمَّع حوله فتيان صغيران .. عبد الرحمن شكري ( 1886م ـ 1958م) وإبراهيم المازني ( 1890م ـ 1957م) وحملوا بضاعة الغرب في النقد ( الرومانسية الثائرة على الكلاسيكية ) وجلسوا بها في طريق أحمد شوقي ومَن على دربه ، يقولون مدرسة جديدة في النقد [2] .
وأجمع العارفون بالشعر على إمارة أحمد شوقي واجتمعوا حوله وتوجوه بالإمارة على الشعراء ، إلا العقّاد ، خالف إجماعهم ـ وهو بعد شابٌ صغيرٌ ـ ووقف قريباً من جمعهم يرمي صغيرهم وكبيرهم .
وحضر مصطفى صادق الرافعي وهو يتكلم عن الإعجاز البياني للقرآن الكريم ، فتطاول عليه حتى استعداه ، ولكن الرافعي عدا على العقاد فتركه ( مُسفَّداً ) [3] !.
ولم يسلم منه زكي مبارك ، ولا مصطفى فهمي ، ولا طه حسين . ولا ذي شأنٍ برز بجواره وهو حي . ولذات السبب طالت صحبته بالمازني ، وأثنى عليه مراراً ، ذلك أن المازني كان يسارع إلى انتقاص نفسه قبل أن ينتقصه الآخرون ، ولم يكن يطاول العقَّاد ولا يطاعنه بقلمه ، بل كان يسير بجواره كالصفر كما يقول هو[4] .
وأنكرت الأمةُ كلُّها ما كتبه طه حسين في كتابه ( في الشعر الجاهلي )حين صدر عام 1928م ، ووقف العقَّاد بجوار طه حسين ينصره ويؤيده !! . يقول حرٌّ وحرية .. يكتب ما يشاء .!!
ويعلم العقَّاد أننا ننكر على المنجمين إدعائهم علم الغيب ، ولا نسمع لهم ، ومع ذلك يستحضر قولهم شاهداً على تحديد العام الذي ولد فيه المسيح ـ عليه السلام ـ ، علماً بأنه يعترف بأن هذه العلامات المزعومة لم تسجل إلا بعد رفع المسيح ـ عليه السلام ـ بجيلين في أقرب تقدير ، وأن هذه العلامات ظهر معها بالفعل ( مسيح كذاب آمن به الرباني عقيبة ... وسماه ابن الكوكب ) [5] !!.
وفي ذات الوقت ينكر ما نقله أهل السير من شواهد كونية على ميلاد خير البشرية محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويقول : ( قد ولد مع النبي صلى الله عليه وسلم كثيرون ، فلو جاز للمحب أن ينسبها للرسول صلى الله عليه وسلم جاز للمكابر أن ينسب تلك العلامات لغيره )
وهذا عوج في التفكير ـ وهو عند العقاد في كل ما قدمه من أفكار ـ وضرب من ضروب ( الفزلكة ) في الحديث ، تجعل كل منصفٍ يقول أن العقَّاد مائل كل الميل ، لا يبغي غير المخالفة ، ولا يمتلك غير البيان يحسب أنه يكفي لتقبيح الحسن وتحسين القبيح ، أما نزاهة البحث ، وأما التحليل العلمي المنطقي فبعيد منه كل البعد .
كان العقَّاد مضطرباً كثير التنقل بين التوجهات الفكرية والسياسية ، ففي البداية كان ينكر الإعجاز البياني للقرآن الكريم [7]!! ، وهذا هو السبب الرئيسي الذي بسببه نشب الخلاف بينه وبين الرافعي ـ رحمه الله ـ ، ثم بعد ذلك انتقل ( للدفاع ) عن الإسلام ـ زعموا ـ .!!
وحيناً سالم التيارات الإسلامية ( الإخوان يومها ) وحيناً وثب عليهم يريد النيل منهم ، وحيناً بيّن الكادحين يدافع عنهم ويتكلم بلسانهم ، وحيناً صديقاً للجبابرة المجرمين من أمثال النقراشي ( باشا )، وحيناً مع حزب الوفد ، وحيناً مع الأحرار المعادي ، ثم إلى السعديين المنشق ،...

لا أجد مثالاً للعقَّاد في التاريخ إلا أبا الطيب المتنبي ، ثائرٌ يريد المجد سريعاً ، وكذا عباس العقَّاد ,كان ثائراً متمرداً مضطرباً قلقاً لا يكاد يثبت على حال ، دافع عن الفردية وتبنى ( العبقرية ) ، وهاجم ( الجماعية) الإسلامية ـ في ( العبقريات ) ـ وهاجم الجماعية المعاصرة له .. الفاشية في ( هتلر في الميزان ) .. والشيوعية في كتابه ( الشيوعية والإنسانية ) و ( أفيون الشعوب ) . لأنه كان يظن في نفسه تلك العبقرية ، وفي ثنايا الكلام وهو يصف العباقرة يشير بأوصاف يعلمه الجميع فيه .
كثرت خصوماته حتى توفى ـ غفر الله لنا وله ـ وليس حوله أحد ولا في جيبه ما يكفي لشراء علاجه ، لوا أن من الله عليه ببعض المحسنين .
ولم يكن العقاد يحترم خصومه فقد كان يسمع منه في حقهم بعض الأوصاف الرديئة مثل ( حمار ) ( قرد ) ( عبيط ) وما هو أشد من ذلك على رواية تلميذه أنيس منصور في كتابه ( في صالون العقَّاد ) .

بماذا ارتفع العقاد ؟
في حس كثيرٍ من مثقفي اليوم يجلس العقاد عالياً ، وحين تسأل عن السبب لا تجد ، اللهم أن يسمي لك أحدهم ( العبقريات ) ويرشدك إلى قراءتها مشدداً على أن تقرأ متأنياً . ولا تعجل !!
وكثيرون كالعقاد ، تربعوا عالياً واستكانوا في حسِّ عامة المثقفين ، وما درى أحدٌ ما السبب ؟!!
ومَردُّ كِبرِ العقاد وأمثاله في حِسِّ كثير من الناس إلى آلة الإعلام الضخمة التي تنتشر في كل مكان وتخاطب الكل بكل الوسائل المتاحة ، وبكل المستويات ، تُحسِّن من تشاء ممن يوافق هواها !!
فعلى سبيل المثال نجد أن هذه الآلة الإعلامية الضخمة قدمت عباسَ العقَّاد ضمن مجموعة ( الرواد ) أو ( جيل العمالقة والقمم الشوامخ ) ؛ والتسميةُ ترسمُ صورةً قويةً ( الرواد ) وبهيةً ( عمالقة .. شوامخ ) ، هذا المنظر القوي الضخم البهيُّ ( يخض ) القارئ البسيط ويجعله يقرأ مستسلماً .!
وقد خلعوا على آحادهم ألقاباً خاصةً باهيةً مبهرةً ، فطه حسين ( عميد الأدب العربي )[8] , و عباس العقاد ( عملاق الأدب العربي ) و لطفي السيد ( أستاذ الجيل ) و طلعت حرب ( اقتصادي مصر الأول ) ، وهكذا ..
و هؤلاء ( العمالقة ) ( الرواد ) لم يقدموا للأمة سوى ( عصارات من الفكر الغربي انتزعت من هنا أو هناك ، وخلاصات ومترجمات لمضامين ذلك الفكر الذي سيطر على الغرب تحت اسم الفلسفة المادية ومدرسة العلوم الاجتماعية والتحليل النفسي، وهو خلاصة ما كتب داروين ودوركايم وفرويد وسارتر وماركس وانجلز ومترجمات للقصص الجنسي والإباحي من الأدب الفرنسي ) كما يقول الأستاذ أنور الجندي[9] . و غاب عن الساحة ( الرسمية ) أو انحسر كثير من الأعلام من أمثال محمد محمد حسين ، و سيد قطب ، و محمد قطب ، و عبد العزيز جاويش ، و عبد الله دراز ، و مصطفى صادق الرافعي و شكيب أرسلان . ولا زالوا إلى يومهم هذا ينفخون في العقاد وأمثاله ؛ تُعقد الندوات ويتم تغطيتها إعلامياً للتعريف بالعقاد بدعوى الاحتفال بذكر وفاته أو بذكرى ميلاده ، وكتبه لا زالت تطبع وتوزع .

ومَردُّ كِبر العقاد في حِسِّ كثيرٍ من الناس وشهرته الواسعة إلى أنه كان مشاكساً شرساً دائماً في الاتجاه المعاكس ، ثائراً على السائرين حوله ، شديدَ الجلبة والصياح كما مرَّ بنا!
ومَردُّ كِبر العقاد في حِسِّ كثيرٍ من الناس إلى أن العقاد بدى لعامة القراء كأنه من المدافعين عن الإسلام ، أو الصامدين في وجه المعتدين على حرمات الدين ، من المستشرقين!!
وهذا الكلام من الكذب والخداع ، من ناحيتين :
الأولى : أن العقاد لم يكن في وجه المستشرقين كمدافع عن الإسلام ، بل كان العقاد يتبنى فكراً ويدافع عنه ، وكان بين المستشرقين كأحدِهم يَقْبَلُ منهم ويرفض ، وقبوله ورفضه بعقله لا بشرع ربه ، فقد كان يعرض أفكارهم على عقله فما استقام له أخذه وما لم يستقم له تركه ورد عليه . وقد مضى أنه حمل بضاعة الإنجليز في النقد الأدبي ( الرومانسية الثائرة على الكلاسيكية ) ، ونظَّّر لها في بلادنا . وسيأتي أمثلة أخرى فكرية وعقدية ليس أكبرها أنه دافع عن ( عصمة ) الكتاب ( المقدس ) ، ووقف بجوار المنصرين يرد حجج المسلمين على بطلان دين الصليب !! [10]

الثانية : أنه من المُحْكَم في عقيدتنا ـ وهو محكم في العقول السليمة ـ أن الباطن مرتبط بالظاهر . فما يظهر على الجوارح ترجمة صادقة لما تكنه الصدور . لا يجادل في هذا عاقل فضلا عن عالم بالكتاب والسنة ، ولم يكن العقاد ـ ولا أياً من ( الرواد ) ـ يمارس الإسلام في حياته العامة ، فعلى سبيل المثال كان صالون العقاد الأدبي يعقد صباح الجمعة وينتهي بعد الصلاة بساعة .. أي في الثانية ظهراً[11] !!
ولم يكن الصالون يناقش قضايا مهمة أو محددة وإنما ( كلام من وحي الساعة .. والأحداث .. أو تساؤلات الزوار ) . كان مجلساً للغيبة والنميمة [12] ، يحضره اليهود والنصارى والملحدون والبهائيون ، وكانت النساء يجلسن بجوار العقَّاد وربما يداعبنه ويلمسن يديه أو يمسكن بمنكبيه ، أو يغزلن بأيديهن ويهدينه ما يغزلنه ، وقد تجلس إحداهن بجوار سريرة عارية الذراعين ببنطال ( محزق ) كأن ثوبها بشرة أخرى على بشرتها وتدخن السجائر ، ويدقق النظر في يديها وخصرها، وتقول ويسمع لقولها [13]، هذا بخلاف ما كان بينه وبين مي زيادة ( ماري إلياس زيادة ) [14] من رسائل ، نشر أنيس منصور بعضها وأحجم عن البعض الآخر لما فيه من ( أمور شخصية جداً ) [15] .
وكان العقاد يتعالى على المرأة ويحتقرها ، وكانت له واحدة منهن ، أنجب منها طفلة ( دُرِّية ) ظهرت هي وطفلتها يوم وفاته [16] ، ويبدوا من الوصف أنها كانت سيدة من عامة الناس ربما لا تقرأ ولا تكتب ، وتفسيري أن العقاد كمفكر اتخذ موقفاً من المرأة وعاند واستكبر ولم يتراجع عن موقفه كما هي عادته ، وكواحد من بني آدام كانت نفسه تختانه .. تهوي به إلى جسدِ أنثى يسكن إليه ، فعمد إلى إمرأة لا تعرف شيئاً عن الأدب والفكر ولا يعرفها أهل الأدب والفكر كان يسكن إليها بجسده ، يقضي منها حاجته ، ومعروف أن الرجلَ خاض عددا من قصص الحب أشهرها قصة مَي زيادة ، وتلك التي كتب عنها رواية ( سارة ) أو كالتي كانت ترسل له ( البجامات ) يرتديها قبل أن يختلي بها ساعات طوال كما يذكر أنيس منصور . !!
ومَردُّ كِبر العقاد في حِسِّ كثيرٍ من الناس إلى أن العقاد كان في الحدث دائماً وأضف إلى ذلك أنه كان في الحدث مشاغباً. وقف في صف فلول الثورة العرابية ، يخلع على زعيمها أحمد عرابي أعز الألقاب عنده ـ العبقري ـ ، ثم وقف مع ثورة يوليو ، وكانت عظيمة في حس الناس يومها ، وكان دنياً من سعد زغلول ( الزعيم ) ، ثم وقف مع النحاس فالنقراشي .. يجرد تلك الزعامات الموهومة بل المصنوعة من الخطأ ويلبسها ثوب العبقرية [17] .!

وكان العقاد يعيش في الفقر راضياً ، لم يطالب بشيءٍ من المناصب ، ولم يرض بما عرض عليه بل سخر منه أحياناً ، يبدوا زاهداً في عوارض الدنيا التي تكالب عليها قرناءوه ، يلتقي زواره ببجامة صوف لا تتغير صيفاً أو شتاءً .
وهي حالة من الكبر والاستعلاء ، حالة تختار دائماً الموقف المخالف والهجوم على الأقران . حالةٌ يُعظم المرء فيها رأيه فلا يتراجع عنه ، ويستحسن عقله فلا يغير قناعاته ، ويزدري كل الألقاب فيرى أنه فوقها ، ويأبى أن يرافق أياً منها اسمه مهما على شأنه ، فأسمه مجرداً .. أعلى من كل الألقاب ، اللهم أن يقال الأستاذ بالألف واللام ( أل العهدية ) وكأنه هو الأستاذ وحده !!.

ومَردُّ كِبر العقاد وغيره في حِسِّ كثير من الناس إلى غياب الميزان الشرعي الصحيح عند كثيرٍ من أبناء الأمة ، وقد بدأ هذا الأمر يتراجع ولله الحمد .فالذين يتحدثون عن العقاد لا يحسِّنُون ولا يقبحون بميزان الشرع ، وإنما بشيءٍ آخر ، فترى كثيراً ممن يتكلم لا يعبأ بالرجل وهو لا يصلي ، ولا يعبأ به وهو في الأحزاب السياسية التي تقوم على مبادئ كفرية ، ولا يعبأ بالرجل وهو ينصر الحكومات القمعية ويتطاول على الممثلين للإسلام في زمانه ، ولا يعبأ بالرجل وهو يتناول سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بغير ما هي عليه .. يقدم قراءة أخرى للسيرة النبوية ، ولا يعبأ بالرجل وهو ينكر الوحي النازل من السماء على أنبياء الله ، ولا يعبأ بالرجل وهو يعظم المنحرفين من أبناء الأمة من أمثال الحلاج وبن عربي ويرى أنهم عباقرة في الإيمان !! .

و وجد العقاد مكاناً عالياً بين المثقفين ذلك أنه اتخذ مكاناً وسطاً بين عملاء الفكر المفضوحين من أمثال طه حسين و لطفي السيد و قاسم أمين و علي عبد الرزاق ، وبين أهل الحق المستمسكين بالكتاب والسنة من أمثال محمود شاكر و محمد شاكر و سيد قطب ، و محمد محمد حسين ، و مصطفى صادق الرافعي ، وخفي أمره على الناس إذ يقيسون الأمر بما ينال الشخص من أمر الدنيا ، وما كانت عند العقاد دنيا ، فقد عاش فقيراً ومات فقيراً ، وفقره كما قدمنا بسبب كثرة خصوماته التي عزلته عن الناس بعد أن كبر سنه .

تأثر العقاد بالفكر الغربي أمر لا ينكره محبوه ، بل يفاخرون بتأثره بالمذهب العقلاني للمدارس الإنجليزية ، ولا ينفك الحديث عن أن مدرسة الديوان فكرة مستوردة ، وأيضاً ليست بجديدة فقد سبق إليها خليل مطران ، وتبعها قوم لا يخفون محبتهم للغرب حتى أنهم اختاروا لأنفسهم اسم أحد آلهة اليونان ( أبوللو) .!!
يختلف عباس العقَّاد عن باقي مَن تأثروا بالغرب وعملوا لصالحه في الناحية الفكرية أو السياسية ( الحركية ) في الشكل وليس في الجوهر ، فحين نجد مثلاً طه حسين قد تنصر ودخل في اتفاق صريح مع الغرب ­­­ و نجد قاسم أمين كان يزور الأمراء ( الأميرة نظلي تحديداً ) ويحظى بشيء من التقدير والاحترام نجد عباس العقاد قد نقل هو والفتيان اللذان شاركاه في عمله عن الغرب دون أن يدخلا في اتفاق ضمني ، ونجد العقَّاد قد تبنى عدداً من أفكارهم كالعبقرية والعقلانية ، بل نجده قد انحشر بينهم كأحدهم يستعرض آرائهم ويقبل منها ويرى الكل على صواب كما في كتابه ( الله ) !

لا يعنيني كثيراً أن كان عميلاً يقبض الثمن شهرةً أو كان عنيداً يبحث عن ذاته واستورد ( الآخر ) ليستعين به على إخوانه . أو كان ذا هوى في الدين فأحب ما عند الكافرين ، ونقله نقل محب لا نقل عميل . المحصلة واحدة .ولو أنه حي بين أظهرنا دققنا النظر لنعرف حاله نبصر به من يريد التعامل معه ليبرأ لدينه وعرضه وماله !!
,,
يـُتبع

----------------

[1] العقاد لقب لمن يعملون بالحرير ، وربما كانت مهنة في أجداده .
[2] عرفت هذه المدرسة باسم ( مدرسة الديوان ) وسميت بذلك نسبة للكتاب الذي ألفه العقَّاد والمازني يشرحا فيها أهداف هذه المدرسة وأُسسها واسم الكتاب ( الديوان في النقد ) ، وهي نقل عن الغرب ، تحديداً الإنجليز ، تحديداً هازلت ، وأصحابها وأنصارها إلى اليوم لا ينكرون هذا الأمر بل يفاخرون به .!!
[3] كتب الرافعي في الرد على العقاد كتاب ( على السَّفُّود ) ، والسَّفُّود هو سيخ الحديد تُشوى عليه اللحوم في المطاعم ، ومُسَّفَّد تعني شُوي على ( السيخ ) ، هكذا قال الرافعي في بداية كتابه ( على السَّفود ) وقد روى طابع الكتاب ، وكاتبه قصة الخلاف بين العقَّاد والرافعي كما أشرتُ إليها . وأحسب أن الرافعي انتصب للعقاد يرد عليه غضبة لله حين تطاول العقَّاد على كتاب الله ، وليس لأمر شخصي .
[4] كان إبراهيم المازني (1890م ـ 1947م ) قصير القامة جداً بعكس العقَّاد ، وكان يصف نفسه حين يسير مع العقاد بالرقم ( 10 ) ، أعرج ، صاحب نكته ، يعيش في المقابر فقيراً معدماً ، متشائماً يائساً ، لا يخلو من ( غزوة نسائية ) ، ولا يذكر بفضيلة أخلاقية ، صحب العقاد في أول حياته وأسس الديوان سوياً بصحبة إبراهيم شكري . وعلى صفحات الشبكة العنكبوتية تسجيل صوتي للعقاد يثني فيه على المازني .
[5] موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 623 ، 624 .ط . دار الكتب لبنان .
[6] كالسفسطة أو هي .
[7] روى فتحي رضوان في كتابه ( عصر ورجال ) ص 229 أنه تلى على العقاد سورة الناس فقال : لو نسبوا إلي هذه السورة لتبرأت منها !!
[8] أطلقته عليه إحدى الصحف الفرنسية اليهودية ، ولم يأخذه بشهادة مختصين .
[9] جيل العمالقة والقمم الشوامخ في ضوء الإسلام / المقدمة ، وفي هذا البحث ردَّ الأستاذُ أنور الجندي ما كتبته يدُ هؤلاء ( العمالقة ) إلى أصولها الغربية ، مبيناً أنهم لم يأتوا بجديد ، وإنما كانوا ( كباري ) بين الشرق والغرب على حد تعبيره . وأيد هذا الأمر أنيس منصور في كتاب ( في صالون العقاد ) ص /606
[10] وعنده ما هو أشد من هذا وأمهلني وانتظرني .
[11] في صالون العقاد ص 9 ، 31 ، 301 ط . دار الشروق .
[12] ذكر أنيس منصور تطاول العقاد على قرنائه بأسلوب ساخر في ص 31 وما بعدها .وفي 520 وما بعدها ، وتناثر مثل هذا كثير وهو مشهور معروف عنه .
[13] ذكر ذلك وغيره أنيس منصور في ( في صالون العقاد ) في ص 9 ، وما بعدها .، وص 287 .
[14] ماري إلياس زيادة ( 1886 ـ 1941م ) ، نصرانية من الناصرة بفلسطين هاجرت للبنان ثم مصر ، درست في مدارس الراهبات في لبنان وأتقنت عدداً من اللغات كان آخرها العربية ، واشتغلت في صحيفة ( المحروسة ) التي أسسها أبوها بمصر ، وكان لها صالون ( اجتماع في بيتها ) كل يوم ثلاثاء يأوي إليه كل ( من هب ودب ) كما يصف أنيس منصور ، وكانت نصرانية متدينة تهتم بما عرف وقتها بقضايا المرأة وتحاول زحزحة العقاد عن موقفه من المرأة وعن تراجعه عن نصرة النسويين ، أحاط بها عدداً من مفكري مصر منهم العقاد ولطفي السيد وطه حسين ، وراودها بعضهم عن نفسها وبعضهم اكتفى بالتغزل فيها والكتابة إليها ، وكانت تقف قريباً من الجميع ، وكانت تحب خليل جبران وتراسله سراً ثم ماتت كمدا وحسرة بعد رحلة مع الجنون . احتلت مي زيادة مكانة بين الأدباء والشعراء ، وصارت حدثاً في التاريخ الفكري في مصر والشام مع أن كلهم على أنها لم تكن هذه الأديبة ، والسبب من وجهة نظري أنها وقعت بين ذئاب محرومة من الأنوثة ، فلم يكن العري قد انتشر يومها ، وأنها كانت لا تقطع أملَ مريدٍ في وصالها ، ونفسي لا تطاوعني في براءة هذه النصرانية ، ولا في أنها كانت تتصرف من نفسها ، وان وجدت وقتاً فتشتُ في حالها !!
[15] مقال أنيس منصور بالشرق الأوسط 19/12/2007
[16] جعل أنيس منصور في كتاب ( في صالون العقاد ) الفصل الخاص بوفاة العقاد تحت عنوان ( وماتت ابنةُ العقاد ) .
[17] المفكرون والسياسة في مصر المعاصرة ـ دراسة في مواقف محمود عباس العقاد " للدكتور محمد صابر عرب ، / مكتبة الأسرة 2008

حافظ العبادله
03-04-2009, 06:11 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اشكرك اخي العزيز ابن العراق على هذا المقال - البحث - المميز
منذ فترة تعرفت على الكاتب محمد جلال القصاص .. وقرأت له ما جعلني اطمئن لما يكتب
وقد كان من جملة ماقرأت مبحثاُ عن العقاد .. أعتقد أنك تقصده بكلمة يتبع التي أنهيت بها هذا الجزء من الموضوع .. فهي هامة جداً و توضح لنا حقائق عن مفكرين رسخوا بفعل فاعل ربما .. أو لجهل النخب المثثقفة ربما .. وربما لكل الأسباب مجتمعة .. المهم ان الموضوع يستحق القراءة بعناية للفائدة ..
كنت اود إضافة بعض المواد لكنني أثرت أن أترك لك حرية سرد الموضوع بالطريقة التي تراها مناسبة
ولك مني كل الحب ايها المثقف الجميل ..

ابو سليم

مجدولين جبريل
04-04-2009, 12:49 AM
لقد قرأت هذا الموضوع مرة ومرتين وثلاث...
وفكرت بتمعن...
واستنتجت بأن المقولة التي تقول التاريخ يكتبه المنتصرون هي حقيقية بمعنى الكلمة...
فحتى التاريخ الأدبي يكتبه المنتصرون... وعليه فمن يحمل فكرا متجانسا مع أفكار المنتصرين يصبح "الألفا"
ومن يحمل فكرا يبغضونه.. يصبح "نسيا منسيا"...
وهكذا نحن نرث ونتداول ما قدمه لنا التاريخ... فمن منا لم يقبل على قراءة العبقريات.. أو الأيام... أو النبي، أو كل ما خطته يد "نجيب محفوظ"... رغم أنني كنت أجد أن كتابات "إحسان عبد القدوس"... -رغم ما تحتويه من قصص تلعب بالرغبات والشهوات-... هي أكثر سلاسة من كل كتابات "نجيب محفوظ"... وأنا أتكلم عن الاسلوب الأدبي...
وعليه نحن كنا نحصل على معلوماتنا التاريخية عن الأدب مما يقدمه لنا من حولنا فالمدرسة تعلمنا عن "طه حسين" و"العقاد" و"نجيب محفوظ" وتستثني غيرهم لأن هذه الشخصيات هي الأقرب للسياسة السائدة...
ونحن منذ زمن طويل نتعرض لعملية غسل دماغ... وعملية غسل فكري... ربما كان أثرها علينا وعلى من قبلنا أقل مما حصل عند جيل اليوم.... الذي يمكنني القول بأنهم تعرضو لغسل نهائي بلا بقايا فهم اليوم لا يعرفون أيا من الكتاب هو من أي مدرسة.. أو تابع لأي فكر وليس لدى أغلبهم توجه فكري أو أدبي... وربما يقرؤون كتابا ما فقط لأن في أحد برامج الحوارات في التلفاز شكروا بهذا الكتاب.. أو ربما صديقته الحميمة أو صديقها الحميم نصحه بقرأته..
في الخلاصة... نحن نحصل على ما يقدمه لنا التاريخ... ومن هم أكثر ذكاءا يبحثون فيما وراء التاريخ ليحصلوا على الحقيقة...
شكرا يا أخي ابن العراق...
على هذا الموضوع وشكرا لما قدمته لنا
ونحن بانتظار التكملة
:sm43:

ابن العراق
05-04-2009, 03:40 PM
شكرا للمرور , أبو سليم ... ماجدولين .

نعم أبو سليم محمد جلال القصاص , من القلائل الذين يـُقرأ لهُم بدون أن ترى عينك نشازاً فيما يكتب , بارك الله في علمه وجعل عمله خالصا لوجه الله , وجزاه خيرا وزاد في إحسانه , بالمناسبه هو من خريجي صيدلة الأزهر , و شتان يا صديقي بين خريج وآخر , فـ الرجل له باع في الوقوف ضد التنصير في مصر , وله محاولات جيدة جدا في التوعية الفكريه والعقدية , نحسبه من المخلصين ولا نزكيه على الله .. نقلت أنا له هنا في المنتدى كتابات معينه كـ :-

- إن يتبعون إلا الظن :-
http://www.abadlah.net/vb/showthread.php?t=12235 (http://www.abadlah.net/vb/showthread.php?t=12235)

- دعوه لتفعيل الشيوخ :-
http://www.abadlah.net/vb/showthread.php?t=12677 (http://www.abadlah.net/vb/showthread.php?t=12677)

ومن دراساته العقدية المهمه (( دراسة عقدية في السلوك - العمل )) :-
http://www.abadlah.net/vb/showthread.php?t=12710 (http://www.abadlah.net/vb/showthread.php?t=12710)

بالنسبه لبحثه هذا في العقاد , فـ الرجل لم ينهه بعد , وسأنقله تباعاً هنا , وإن أردت المشاركة !! فـ قطعا أنت من رجالاتها .


مجدولين , بالفعل الأجيال هذه وما سبقها تعرضت لعملية غسل دماغ , و تحتاج لمجهود غير عادي من الجميع لكي يعرف كل على حده على أي أرض يقف وبأي دين يدين ,, بمناسبة غسل الدماغ من أطرف ما رأيت في أحد اللقائات المتلفزة مع الرئيس المصري حسني مبارك من 6 سنوات تقريبا , سأله المحاور الأجنبي عن رأيه في الدكتور أيمن الظواهري وهو الطبيب الناجح وإبن العائلة العريقة في مصر وما الذي دفعه إلى أن يمارس هذا " الإرهاب " ... كان رد مبارك بكل أريحية " غسيل دماغ , لقد تعرض لغسيل دماغ " .

أترككم مع الجزء التالي من المبحث ...

عبدالله العبادله
06-04-2009, 03:05 AM
فى حقيقة الامر لاول مرة اسمع بتلك المعلومات
فانا لم اقرا يوما للعقاد
وبالتالى جذبنى هذا الموضوع حتى اننى قراته مرتين قبل ان اكتب ردا عليه
وكلى امل بان نقرا بقية الموضوع فى اقرب فرصة ليتم توضيح الحقيقة للجميع
اما ما يخص شهرة انسان فى زماننا هذا
فبالتاكيد الآلة الاعلامية القويه التى تدار من قبل الغرب واليهود الذين يمتلكون اكبر 10 مجلات فى العالم
باستطاعتها العمل على ترويج اسم اى انسان يريدون له ان يكون صيت
خصوصا اذا كان يروج لمنهجم او ينادى بفكرهم ولو بشكل مبطن
فما بالكم بمن يعلنون بصراحة رايهم
وباعتقادى ان رد كلا من الاخ حافظ والاخت مجدولين كان كافيا وفيه الكثير من الشرح والتبسيط لحالنا

الاخ
ابن العراق
بانتظار المزيد
وجزاك الله خيرا

ابن العراق
12-04-2009, 04:38 PM
المبحث الأول : عباس العقاد يدافع عن بولس



مما لا أعرفُ فيه مخالف أن المسيحَ ـ عليه السلام ـ أُرْسِلَ إلى بني إسرائيل ، وبقي بينهم إلى أن رفعه الله إليه ، ولم يدعُ غيرَهم إلى الله . وأمرَ المسيحُ ـ عليه السلام ـ الحواريينَ بالبقاء بين بني إسرائيل وأن لا يخرجوا من بينهم ؛ وهذا صريحٌ في كتابهم «إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. 6 بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ." [1] . ، وكان يقول : « لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ » [2].
وهو ما نجدهُ في كتابِ ربنا القرآن العظيم الذي حَفِظَهُ عباس العقَّادُ صغيراً {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ }[ الصف:6].
وهو ما نجده في سيرة المسيح ـ عليه السلام ـ وفي سيرة الحواريينَ من بعده ، في كتابهم هم الذي بين أيديهم ، فلم يخرج المسيحُ ـ عليه السلام ـ ولا تلاميذه إلى غير خراف بني إسرائيل الضالة .

وبعد رفع المسيح ـ عليه السلام ـ مباشرةً ، جاء أحد نشطاء اليهود ودارسي الفلسفة على يد أكبر معلميها وأشهر من عرف بعداواته للحواريين ،وهو ( بولس ـ شاؤول ) [3] بدينٍ جديد ، يختلف تماماً عن ما عاش عليه المسيح ـ عليه السلام ـ ودعى التلاميذ إليه ، وتركهم عليه . بدَّل كلَّ شيء .
هو الذي افترى ألوهية المسيح عليه السلام , وقد عاش المسيح عبداً رسولاً لم يقل مرةً أنه هو الله أو ابن الله متجسداً ، ولا دعى أحداً لعبادته ، ولا عبده أحدٌ من تلاميذه ، بل كان يصلي كثيراً ، ويبتهل إلى الله كثيراً ، وكلما أراد فعل معجزةٍ رفع عيناه إلى السماء يستغيث بالله مولانا ومولاه .
و هو الذين جعلها دعوةً عامةً ، وكانت خاصة ببني إسرائيل .
وهو الذين نقض الناموس ( شريعة موسى عليه السلام ) و جعل النجاة بالإيمان ( التصديق أو المعرفة ) فقط , ولم تكن بغير اعتقادِ الجنان وقولِ اللسان وعملِ الأركان .
وهو الذي حرم الختان ، وكان المسيح مختتناً وكان التلاميذ مُخْتَتَنُون ، ويخْتِنُون .
وهو وأتباعه الذين أهملوا الحديثَ عن اليوم الآخر وجعلوه كلماتٍ مجملة لا ترسم صورةً تفصيلية ، بل صورةً مجملةً لا تؤثر في العمل ( السلوك ) ، وكان المسيح عليه السلام ، وكل الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يتكلمون عن اليوم الآخر بكثيرٍ من التفاصيل ، ويجعلون النجاة فيه بالأعمال ، وهذا صريحٌ في كتابهم الذي بين أيديهم ، فمما ينسبونه للمسيح ـ عليه السلام ـ ؛ في الرؤيا الإصحاح العشرين : " 12 .... وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ " ، وفي رؤيا يوحنا اللاهوتي الإصحاح الثاني والعشرين : 12 « وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ " . ، وفي يوحنا [ 5 : 28، 29 ] 28 لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هذَا ، فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ ، 29 فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ.
لاحظ كالذي عندنا : قبورٌ ونشورٌ ، و صحفٌ للأعمال ينظر ما فيها ثم يكون الجزاء على حسبه .
وفي أماكن أخرى يتكلم المسيح عن لذَّات ينالها عند الله .. خمرٍ في الجنان يشربه عند الرحمن . في ( مرقص : 24 : 25 ) 25 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: " إِنِّي لاَ أَشْرَبُ بَعْدُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ الله ِ».
وجاء هؤلاء القوم ( بولس ومَن تبعه ) وحاولوا طمس كلِّ حديثٍ عن اليوم الآخر ، وجعلوه كلاماً مجملاً لا يدفع ولا يردع [4].
إن كل ما تراه عينك الآن في النصرانية جاء بعد المسيح عليه السلام , على يد بولس والمتبعين له . فهؤلاء الذين تراهم أمام عينك الآن أتباع بولس وعبَّاد المسيح ، وليسوا بعبيد اللهِ أتباعِ المسيح !!
وكل ما تراه عينك الآن لا يتفق مع تعاليم المسيح ـ عليه السلام ـ التي في كتابهم هم .!!
وكل ما تراه عينك الآن وقف له تلاميذ المسيح ـ عليه السلام ـ ورفضوه رفضاً تاماً . !!
و يعلم الذين يجادلون عن ( بولس ) أن تلاميذ المسيح كانوا على عداءٍ تام .. وعلى رفضٍ تام .. وعلى النقيضِ تماماً مما يفعلهُ بولسُ ، ولم يتبعه إلا واحد منهم .. خرج معه واعظاً ثم نَفَضَ منه يديه وتبرأ منه على الملأ ، وكتب كتاباً ( إنجيل برنابا ) يُثبت فيه تلك البراءة . وقد تنكروا له وحاولوا أن يخفوه !!

ويعلم الذين يقرءون كتاب النصارى أن بولس زارَ تلاميذَ المسيحِ ـ عليه السلام ـ في بيت المقدس مرتين وعرض عليهم ما افتراه في دين الله ، وفي المرتين خالفوه ، وذكر هو بنفسه مخالفتهم له في . ( غلاطية 2 : 1 ـ 9 ) ، وحين يأس منهم سبَّهم وشتمهم بألفاظ قبيحة لا تخرج من تقي ، يقول عنهم ( كذبة ) و ( كلاب ) و ( فعلة الشر ) و ( لا يفهمون شيئاً ) [5] !!


ما شأن عبّاس العقَّاد بهذا الكلام ؟

كل هذا الاختلاف .. كل هذا التضاد ، وعباسُ العقَّاد يجعلهم سواء . ـ يقول كلهم تلاميذ المسيح ـ عليه السلام ـ ، وكلهم انتشروا في الأرض بأمر المسيح ـ عليه السلام ـ [6]!!
فّبَعْدَ استعراضٍ طويلٍ لعضلاتهِ الفكريةِ وجولاتهِ الاستطلاعيةِ في الكتب النصرانية ، وبعد تهويلِ الأمرِ للقارئ حتى يكتفي بما يُقدمه له ، يقولُ عباسُ العقَّادِ ملخصاً للنصرانية : ( الدعوة المسيحية بعد السيد المسيح كانت ترجع إلى مركزين : أحدهما برئاسة جيمس أي [ يعقوب ] المسمى بأخي الرب ومقره بيت القدس ، والثانية برئاسة بولس الرسول ومريديه ومقرها خارج فلسطين بعيداً عن سلطان هيكل اليهود . وقد كانت شعبة بيت المقدس أقرب إلى المحافظة والحرص على شعائر العهد القديم ) !!
ثم يقول : ( وظلت الرئاسة على العالم المسيحي معقودة لهذه الشعبة المقيمة في بيت المقدس حتى تهدَّم الهيكل وتقوضت مدينة بيت المقدس وتبددت الجماعة في أطراف البلاد ، وآلت قيادة الدعوة إلى الشعبة التي كانت تعمل في خارج فلسطين ) [7]!!
و يَعْلَمَ العقادُ ، ويعلم الذين قرءوا شيئاً عن النصرانية ، أن المسيح ـ عليه السلام ـ لم يترك دولة بل أفراداً يعدُّون عدّاً ، تركهم محسورين مكبوتين خائفين والعقَّاد يقول فريقان يتنابون رياسة !!
و هو متردد ، و تردده أمارة على فساد رأيه ؛ مرة يقول التلاميذ كانوا اثنا عشر ، ومرة يقول كانوا ثمانين ، ومرة يقول ترك المسيح شعباً كثيراً [8] ، ومرة يقول بل ترك شعبتين متوازيتين إحداهما بالداخل والأخرى بالخارج ، وفي ذات الكتاب يغير عباس العقاد كلامه فيذكر أن التحريف الحاصل في النصرانية على يد ( بولس ) ومن معه كان تطوراً طبعياً [9] ، والتطور يعني أنه حدث بعد فترة من الزمن .
والقول بأن التغير الحاصل على يد ( بولس ) كان تطوراً وطبعياً ينقض قوله الأول بأن بولس من التلاميذ ، وأن المسيح عليه السلام ترك شعبتين متوازيتين إحداهما بالخارج يترأسها ( بولس ) والأخرى بالداخل يترأسها يعقوب أخوه [10] !!
والقول بأن التغير الحاصل على يد ( بولس ) كان تطوراً وطبعياً غير صحيح من ناحيتين :
الأولى : أنه لم يكن تعديلاً بسيطاً في الفروع اقتضته المستجدات بعد أن طال عليهم الأمد وتغير الزمان واقتضى الحال تغير الفتوى ، وإنما كان تبديلاً مباشراً وشاملاً ومناقضاً تماماً كما قدّمتُ .
الثاني : أن هذا التغير كاد أن يلحقَ المسيحَ عليه السلام ، فبولس ( مؤسس شعبة الخارج كما يدعي العقَّاد ) من معاصري المسيح عليه السلام , في نفس عمره تقريباً ، وبدأ دعوته بعد رفع المسيح عليه السلام بأيام .
فأين التطور الذي يتكلم عنه العقاد ؟!!

وحين تُراجِع كلام عباس العقاد الذي يدلل به على صحة أقوال بولس ، أو حين تراجع أدلة العقاد التي يتكئ عليها في موقفه الإيجابي من بولس لا تجد سوى حِفْنة من البيان يلقي في وجه من يقرأ له . يقول : عُذِّبَ وأوذي هو ومن معه وتبعته ألوف من الناس [11] ، وأهلُ الباطلِ لا يتحملون العذابَ [12]!!
و هذا الكلام غير صحيح ، فلم يعذب بولس ويؤذى ؛ وجهده الذي بذله لا يساوي جهدَ ناشطٍ يترأس أسرة دعوية بين طلاب المدن الجامعية ، فلم يقاتل عدواً ولم ينفق مالاً ، بل كان كذَّاباً متلوناً يلبس لكل قومٍ لبوسهم [13] ، ولم يجلد ظهره أو يؤخذ ماله ، وضربت عنقه في نهاية حياته بعد أن شاخ دونما تعذيب وتشريد ، ومثل هذا النوع من الناس يقدمون على القتل كنوع من الدعاية لأفكارهم .
و إن سلمنا جدلاً أن بولس لاقى عذاباً شديداً ـ وهو ما لا نعرفه ـ فلا يصلح أن يتكئ العقاد عليه كدليل على موقفه الإيجابي من ( بولس ) ، فلو أن كلَّ من صبر على بلاءٍ وتبعه ألوف من الناس صحّحنا مذهبه ، لصار الكل تقيّاً مؤمناً .. بوذا .. وكرشنا .. و جنكيز خان .. و الحلاج وكان جّلِداً صبوراً ..و الجهم بن صفوان .. و محمد بن كرام .. و الجعد بن درهم .. بل ليس ثّمَّ تمكينٌ لحقٍ أو باطلٍ بلا جَلَدٍ ومجالدة ، وكل هؤلاء تتبعهم الملايين {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } يوسف103 { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام 116.
فَتَّشْتُ كثيراً وطويلا في ما كتب العقاد.. فوجدت الرجل يصر على تصويب بولس ومن كانوا معه من المبدلين لدين الله .حتى أنه يدفع عن بولس تهمة الكذب التي أقر بها على نفسه ، وشهد بها عليه أصدقائه وأعدائه يقول العقاد مدافعاً عنه ( بولس كان يتألف القلوب ببعض المجاملة ) [14] .
وشيءٌ آخر : المسيحُ ـ عليه السلام ـ وبولس ـ عليه لعنة الله ـ مروا بالتاريخ مرور الكرام في زمانهم ، حتى أنك لا تستطيع أن تدلل على وجود المسيح ـ عليه السلام ـ من غيرِ كتب المسلمين ، وكلُ كتابٍ يتكلم عن المسيح ـ عليه السلام ـ وبولس ـ عليه لعنة الله ـ بما في ذلك كتاب النصارى لا يثبت أمام النقد العلمي .!!

الوثنيون حين دخلوا للنصرانية بعد قرنين أو يزيد من رفع المسيح عليه السلام ، جعلوا ينتقون منها بأهوائهم ، وجيء ببولس وتلك الكتابات التي بين أيديهم من تحت ركام الأيام ، فعقيدة النصارى الآن ظهرت واستقرت بعد قرون من هلاك بولس ورفع المسيح ـ عليه السلام ـ ولا علاقة لأي منهما في ظهورها ، بل الذي أظهر ذلك وفعَّلَهُ هم الرومان الوثنيون .! حتى الكتابات المنسوبة لبولس منها ما لا يعرف كاتبه ، على سبيل المثال ( سفر أعمال الرسل ) وهو أهم الأسفار المنسوبة لبولس .!
هذه هي الحقيقة التي لا يجهلها أحد .
احترتُ كثيراً وأنا أفكر في العقَّاد من أين جاء العقاد بهذا الكلام ؟! وكيف طوعت له نفسه أن يُصور بولس ـ لعنه الله ـ وكأنه جاهد واجتهد ، وشدَّ واشتد حتى مكن للنصرانية . وكأنه على خطى المسيح ـ عليه السلام ـ بالحق يصيح !! كيف طوعت له نفسه أن يتكلم بهذا الكذب المكشوف ؟!

و التفسير الذي ترتاح له نفسي بعد تمعن في حال الرجل وبعد ساعات قضيتها بين كتبه هو أن العقَّاد كتب هذا الكتاب متأخراً بعد أن انتشر اسمه وعرف الناس سعة إطلاعه ، وكان في زمن لا يقرأ فيه أحد ولا يكتب ، وحَسِبَ أن الناس لن يقرءوا ولن يكتبوا ، وإن تعلموا الكتاب والقراءة فلن يفتش أحد وراءه ، وبالتالي لن يعرفوا أن الرجل يتكلم من رأسه .!!

لن تجد مبرراً غير هذا , لهذا الهراء الذي يتكلم به العقَّاد .!!
ودليل ذلك أن العقاد في طبعته الثانية للكتاب ردَّ على من اعترضوا عليه بأنه فتح الإنجيل أكثر من ألف مرة ، وأنه يعرف مالا يعرفون ، وحقَّر من شأنهم ، وألقى في وجههم تراب البيان دون أن يناقش حججهم أو يعتني بقولهم !!
ودليل ذلك أيضاً أنني سأجد المعترضين على هذه المقالات فقط يصرخون بصوت عالٍ : تعترض على العقاد ؟!!

مع أني أنقل كلامه برقم الصفحة وأناقش بالدليل من كتاب النصارى ومن كتاب الله . وارتقبوا معي لن تجدوا إلا ما تركه لهم العقاد .. صراخ وعويل ، وستارٌ من الكبر يحتمون خلفه .. هذا ما عندهم .

والمقصود بيانه هو :
ـ أن العقاد يدافع عن باطلٍ صريحٍ بلا دليلٍ صحيح أو غيرِ صحيح ، فقط بمهارة البيان ، و تصويب بولس ومن كانوا معه من المبدلين لدين الله ثابت لا شك فيه عند العقّاد .
....
....

يـُتبع مع المبحث الثاني :
موقف العقاد من ألوهية المسيح عليه السلام .

[1](1) (متى 10 : 5 ، 6 )
[2] (2) ( متى : 15 : 21 ، 24 )
[3](3) اسمه الحقيقي شاول أو شاؤول وتعني طالب ، ثم سمى نفسه بعد ذلك ب ( بولس ) بمعنى حقير يقول : تواضعاً .
[4] بعد تدقيقٍِ وتحقيق وجدت أن الخطاب الدعوي يرتكز على شيئين ، تعريف الناس بالله ، وتعريف الناس بدار الثواب والعقاب ، والخطاب الجاهلي يرتكز على إفساد معرفة الناس بربهم وبما أعد للطائعين منهم والعاصين ، لذا لا تجد أي تفصيلات عن اليوم الآخر عند المنحرفين .. كل المنحرفين . وما عدا ذلك تفريعات على ذلك .
[5] ( فيليبي : 2ـ20) ، و تيميثاوس1 ( 6 : 3 ـ 5 )
[6] موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 /712 وما بعدها ط . دار الكتب لبنان
[7] موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 /556 ط . دار الكتب لبنان . وهي مقدمة الطبعة الثانية لكتاب ( عبقرية المسيح ) وقد صدرت الطبعة الثانية بعنوان ( حياة المسيح ) عليه السلام .
[8]موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 729.ط . دار الكتب لبنان . وفي صفحة 732 عاد يكرر ذات الكلام ويزيد عليه ، يقول التلاميذ ثمانون ، وفوقهم ألوف من المسحيين . ولا أدري علام التفرقة ومن أين أتى بهذا العدد ؟
[9] موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 /690ط . دار الكتب لبنان .
[10] النصارى مختلفون في القول بأن للمسيح ـ عليه السلام ـ أخ أم لا ، والسبب في ذلك نص ورد عن ( بولس ) يصف يعقوب ( أحد الحواريين ) بأنه أخو الرب ، ومختلفون في زواج المسيح ـ عليه السلام ـ فبعضهم على أنه تزوج مريم المجدلية ، ومختلفون في كل شيء . !!
[11] موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 714ط . دار الكتب لبنان
[12] موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 558،559 .ط . دار الكتب لبنان .
[13] انظر ـ إن شئت للكاتب ( لم أفهم ، ولم يفهم ، ولن تفهم ) . بصيد الفوائد وطريق الإسلام وغيرهما .
[14] موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 714ط . دار الكتب لبنان

ابن العراق
24-04-2009, 07:18 AM
المبحث الثاني
موقف عباس العقاد من ألوهية المسيح المزعومة

النصارى يقولون عن المسيح ـ عليه السلام ـ أنه هو الله ، أو ابن الله ، ثم هم مختلفون فيمن عاش بين الناس ، أعني المسيح ـ عليه السلام ـ هل كان حال معيشته بين الناس إنساناً كاملاً أم ( إلهاً ) كاملاً أم بعضه إنسان وبعضه ( إله ) ، يقولون بكل هذا ، وكل هذا لا يجتمع ، وأي من هذا لا يصح ، لذا كل فرقة منهم تُكَفِّر أختها ، ولا ترى نجاةً لها .!!
وكلهم يقول بأن ( الإله ) ولد من سيدةٍ عذراء ، وتبعه اثنا عشر تلميذاً .
وكلهم يقولون : أخطأ آدم وورثت ذريته الخطيئة فتجسد الله ـ أو ابن الله ـ من أجل أن يُكَفِّرَ عن هذه الخطيئة !!
وكلهم يقول قُبض على ( الإله ) وسِيق مُقيداً يُبصق في وجهه ويُضرب على ( قفاه ) ،ثم صُلب على الأخشاب وراح يصرخ من الألم !! تعالى الله وتقدس عما يقولون علواً كبيراً .
وكلهم يقول مَنْ صدق هذا الهراء فقد نجى مهما اقترف من المعاصي ، فشرطُ النجاةِ عندهم هو ( قبول المسيح فادياً ومخلصاً ) . فقط تصدق هذا الكذب وتنجو !!
وهذا الكلام كلِّه ليس بجديد . . كلُّه قديم .. !!
ففي القرن التاسع عشر الميلادي ، تأسس علم مقارنة الأديان ، وساح أحد الباحثين في الأرض يتتبع الديانات الوثنية فوجد أن ما يقال على المسيح ـ عليه السلام ـ من قبل النصارى قد قيل من قبله على غيره [15] ، فليس في عقيدة النصارى الموجودة اليوم ، والتي أسسها بولس ـ كما مر في المقال الماضي ـ شيئاً جديداً أبداً . كلها من الوثنيات [16]!!

وشيءٌ آخر :
إذا نظرنا للسيد المسيح ـ عليه السلام ـ من الناحية التاريخية ... إذا استدعينا شهادةَ المؤرخين الذين كتبوا التاريخ في عصره ، إذا بحثنا عن الروايات المتواترة أو غير المتواتر المنقولة مشافهةً من جيلٍ لجيلٍ تحكي شيئاً عن حياة المسيح ـ عليه السلام ـ فلن نجد شيئاً مذكوراً . وهذا قول علماء ( الأديان ) ، وكتاب النصارى الذي بين أيديهم لا يثبت للنقد التاريخي ، ولا يمكن الاعتماد عليه كمصدر من مصادر التاريخ [17] .

ما شأن عباس العقَّاد بهذا ؟!
بلا داعي وبلا هدفٍ واضح حَشَرَ العقّادُ نفسه مدافعاً عن عقيدة النصارى ، يدافع عن هذا التطابق بين الوثنية وبين النصرانية .. يدافع عن كتاب النصارى ويقول يصح الاعتماد عليه !!
وليته وهو الباحث .. وهو المفكر .. وهو المثقف .. وهو ( العملاق ) ـ زعموا ـ قدَّم أدلةً على ذلك ، وإنما دافع بالجلبة والصياح وذر تراب البيان في عيون القراء ، وهذا ما في جعبة العقاد ليس إلا .
يقول ـ وهو يرد التطابق الحاصل بين النصرانية والوثنية ـ ، أن هذا التطابق من قبيل ما يفعله المتصوفة من نسبة كل الكرامات إلى من يحبون من الأولياء ! ، ومن قبيل خلع كل ما قيل في الكرماء على من عرف بالكرم .!
أي : وكأن المسيح ـ عليه السلام ـ بما افتراه عليه بولس اليهودي كان هو الأول ثم جاءت الديانات الوثنية متأخرة فقال كُهَّانها وعبَّادها على أربابها ما قاله بولس اليهودي على المسيح ـ عليه السلام ـ .

يضحك علينا العقَّاد . ويستخف بعقولنا .!!
الوثنية سابقة والنصرانية لاحقة .. النصارى هم الذين نقلوا ما قاله الوثنيون . وليس العكس كما يدعي العقاد . !!
وعند التحقيق نجد أن الشيطان هو صاحب هذا الفكر ( الفداء والصلب ) ، ولذا تجد نفس الكلام موجود عند عددٍ من أهل الشرك في جنبات المعمورة على أنهم لم يتواصلوا فيما بينهم .
الشيطان هو الذي صحبَ بولس وأوحى إليه [18] بهذه الأفكار المكرورة .
كل هذه الأفكار من رأس إبليس أو أحد أبنائه ، فقوم نوح ـ عليه السلام ـ جاءهم إبليس وصور لهم الصالحين ثم نحت مثل الصور أصناماً ثم عبدوها ، و عمرو بن لحي جاءه إبليس ودلَّه على الأصنام التي كانت في جده وأمره بإخراجها ورسم له الخطة ونفذها عمرو ، وحين تتدبر ( آلهة ) العرب ، و( آلهة ) الفراعنة ، و( آلهة ) الدول التي قامت في العراق والشام .. الآشوريين والكلدانيين والبابليين والنبط ، و( آلهة ) اليونان ، و( آلهة ) الهند والصين واليابان تجد كلها متشابهة ، الأفكار والأسماء وكل شيء تقريباً ، مما يدلك على أنها خرجت من رأسٍ واحدة هي رأس إبليس إمام الضالين [19] ، حتى هذا العقَّاد ذكر في ثنايا كلامه مرة أن العزى هي إيزيس ، والتفاصيل عند جواد علي في كتابه ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ) .
ولا أدري من أين أتاه أن كل محبٍ يخلع على محبوبه كل صفات المدح وينسب إليه كل كرائم الممدوحين ؟! ولا أدري من أين أتاه أن كلَّ كريمٍ ينسب إليه كل مناقب الكرماء ؟!
العقاد في وضع محرج .. وهكذا مواقفه كلها .. يبحث عن الغريب الشاذ جداً ويحسب أن الصياح ينفعه .
يدافع عن وثنية النصرانية ؟!! وبلا دليل .. بأباطيل كالتي يفتريها بطرس وأمثاله ؟!!
وتدبر هذه . يقول : ـ وهو يرد على إنكار علماء مقارنة الأديان لوجود المسيح عليه السلام ـ أن ذلك من نشوة العلم الجديد .. يقول : كان علم الأديان جديداً فأخذته النشوة فعمد إلى الغريب كي يلتفت الناس إليه ..
بالله هذا رد ؟!
والعجيب أنه في مكان آخر ( رسالة الله ) مسالمٌ ودودٌ لعلم مقارنة الأديان ينقل عنهم ويناقشهم .!!
ثم هو يعترف أن المصادر التاريخية خلية من ذكر المسيح ـ عليه السلام ـ ، وأن لا دليل فيها على وجود المسيح . !!
أرأيتم أعوجَ من العقاد في تعاطيه للمسائل ؟!!
و ليس فقط عوج ، بل الرجل مُغيَّب عن الشريعة التي يزعمون أنه يدافع عنها ، فلم يتكلم أن القرآن شهد بوجود المسيح ـ عليه السلام ـ وإنما عقله وتركيزه فقط في المصادر النصرانية ، وهذه من الأمارات التي نعرفها فيه دائماً .ثم يقولون كان مدافعاً عن الإسلام !!
وبعد :ـ
أردت من هذا المبحث أن أبين لكم أين يقف العقاد ؟ .. عن من يدافع العقاد ؟
إنه يدافع عن وثنية النصرانية !!
...
...
يتبع مع المبحث الثالث :-
عباس العقاد يدافع عن كتاب النصارى
.................
[15] الباحث هو كيرسي جريفز ( 1813م ـ 1883م ) وكتابه اسمه المخلصون من "الخطيئة الأولى " الستة عشر الذين ماتوا على الصليب في العالم ... The World's Sixteen Crucified Saviors " .
[16] يوجد تسجيل صوتي للأنبا يؤانس أسقف محافظة الغربية في مصر سابقاً يفتخر فيه بأن كل ما عند الأقباط هو هو بأم عينه الذي كان عند الفراعنة الوثنيين !! ، والتسجيل منشور في موقع غرفة ( الحوار الإسلامي المسيحي ) وقد أطال الشيخ / وسام عبد الله في عرض هذه التسجيلات والتعليق عليها ، وموقع ابن مريم وغيرهم . والدراسات في إثبات أن النصرانية من الوثنية أو ذات أصول وثنية كثيرة ومنتشرة .
[17] قام فريق الترجمة بموقع ( حرَّاس العقيدة ) بترجمة أحد أكثر الكتب مبيعاً في أمريكا وهو كتاب ( تحريف أقوال المسيح ، من حرَّف الكتاب ( المقدس ) ولماذا ؟ ) ، وهو من أفضل الكتب في هذا الباب ، وعندي نسخة مترجمة حصلت عليها من الدكتور حسام حمزة أشهر المختصين والمحاضرين والمناظرين في تحريف الكتاب ( المقدس ) وعضو فريق الترجمة .
[18] انظر إن شئت ( يسوع النصراني الجني الذي صحب بولس ) للعميد جمال الدين شرقاوي .ط . دار النافذة .
[19] انظر للكاتب أثر الشيطان في تحريف الأديان .

ابن العراق
27-04-2009, 06:05 AM
المبحث الثالث

عباس العقاد يدافع عن كتاب النصارى



يواجه كتاب النصارى عدداً من المشاكل واحدة منها فقط تذهب بقدسيته ، من هذه المشاكل :
المشكلة الأولى : مشكلة ( التقديس ) من أين جاءه ؟ مَن قال إنه مقدس ؟ من أعطاه صفة القداسة ؟
الذي لا ينكره أحد منهم هو أن هذا الكتاب أخذ صفة ( القداسة ) من البشر .. تحديداً من المجامع ، وبعد رفع المسيح ـ عليه السلام ـ بقرونٍ من الزمن ، والعقاد يعرف ذلك ويذكره [20]، وتم ذلك بالهوى وليس بضوابط محددة ، وأمارة ذلك أن تسألهم عن الضوابط التي بموجبها قيل أن هذه الأناجيل ( مقدسة ) وغيرها ليس بمقدس ، سلهم : ما الفرق بين هذه الكتابات وغيرها ؟ وقد سألتهم وسألهم غيري ، ولم نجد عندهم إجابة .. لا يجيبون [21].
المشكلة الثانية : " الخبرُ بمن يُخبِرُ به " ، أو بشواهدٍ في ذات الخبر تدلل على صدقه ، فبعضهم إن أخبرك صدقتَ مهما كان الخبر غريباً ، ويكون الدليل أن فلاناً هذا الصادق الأمين هو الذي أخبر ، وبعضهم إن أخبرك شككت في قوله ولو بدى أن القولَ صوابٌ ، فالخبر يُقيَّم بالمخبر . لذا لا نقبل خبر المجهول في الحديث ، ولا من يشك في عدله .
ويُقَيَّمُ الخبر أيضاً بشواهد في ذات الخبر تدلل على صدقه . هذه مسلمة عقلية لا ينازع فيها أحد .
وكتاب النصارى مردود من الناحيتين ، من ناحية المخبر به ، ومن ناحية ما فيه من أخبار . فلا نعلم مَن كتب الكتاب بيده ، ولا يعلمون ، وأخبار الكتاب متضاربة حيناً ورديئة أحياناً .

ما علاقة هذا بالعقاد ؟

كالبهلوان راح العقَّادُ يتقافز يميناً ويساراً .. متردداً .. متخبطاً .. يدافع عن كتاب النصارى . وكالعادة بلا دليل ، فقط بالتهكم والسخرية وذر تراب البيان في وجوه القراء ، وهاك مني بيان بالأمثال!!

1ـ بعض الأناجيل متشابهة ، ويفسر العارفون هذا التشابه بأن بعضهم نقل من بعضهم ، وهذا يعني أن الأناجيل مكتوبة باليد بل ( مغشوشة ) نقل أحدهم من الآخر ، وهذا يعني أنه لا وحي ولا يحزنون بل أناس كتبوا بأيديهم ونقلوا من بعضهم ، وهذا مما يحزن النصارى ويدل على أن كتابهم ليس بمقدس ولكنه من فعل البشر والعقاد يعترف بهذا التشابه [22]، ويرد نيابة عن النصارى ، فماذا يقول ؟! [23] .
­­­­­
يعلل بتعليلٍ ساذج يدل على سطحية في التفكير واستخفاف بالقارئ ، يقول لتشابه المصدر الذي ينقلون عنه !! بمعنى أنهم نقلوا من مصدرٍ واحد ولذا تشابهت أقوالهم .!!
والنصارى يرفضون ذلك ، لأنهم يقولون أن الأناجيل كتبت بـ ( وحي من الله ) وليس عن طريق النقل من أي مصدر !! .
والعقلاء يرفضون ذلك لعدم وجود دليل عليه ، فلم يقل أحد قبل العقاد أن مَن كتبوا الأناجيل كانوا ينقلون من مصدرٍ ما ؛ بل كان نوعاً من تسجيل الأحداث للتاريخ أو للتسلية مع صديق ، ولكن العقّاد ـ كعادته ـ يرمي بكلام من ظنه .

2ـ المثال الثاني ، يقول : ( روايات الأناجيل تطابق التطور المعقول من بداية الدعوة إلى نهايتها ، ومن التطور المعقول أن تبتدئ الدعوة قومية عنصرية ثم تنتهي إنسانية عالمية ، وأن تبتدئ في تحفظ ومحافظة ثم تنتهي إلى الشك والمخالفة ، وأن تبتدئ بقليل من الثقة في شخصية الداعي ثم تنتهي بالثقة التي لا حد لها في نفوس الأتباع والأشياع ، وهكذا كانت الدعوة المسيحية كما روتها الأناجيل دون أن يتعمد كتابها تطبيق أحوال التطور أو تلتفت أذهانهم إلى معنى تلك الأحوال ) [24].
العامة يمرون بهذا الكلام فلا يفهمون منه إلا أن كتاب النصارى بخير ، والنصارى يمرون بهذا الكلام فيفرحون به على علته ، ويستحضرونه في مجالسهم حين يتكلمون لمريديهم ومن ينصرونهم يقولون لهم ( علماء المسلمين ) يشهدون لكتابنا ، وقد فعل الكذاب اللئيم زكريا بطرس وفعلت المجرمة ناهد متولي[25] .

أقول : وهذا الكلام ( بَكَشٌ ) يعرف عواره المختصون . وقد بينتُ في المبحث السابق أنه لم يكن تطور ولا يحزنون . وإنما العقاد ( بكَّاش ) كلامه من جنس كلام ( المصاطب) بعيد تماماً عن العلمية والضبط .

المثال الثالث ، أدلل به على أن العقاد يدافع عن النصرانية .. وعلى أن العقاد سطحي في تفكيره لا يملك غير البيان والاستخفاف بعقول القراء ويقف عند هذا النص : في كتاب النصارى أن الشيطان تسلط على ربهم أربعين يوماً وليلة يهبط به ويصعد ، ويدخل به ويخرج ، ويقوم به ويعقد ، ويأمره وينهاه ، وهي إحدى الكبر التي يتوارى منها النصارى ، ونسألهم : كيف يتسلط الشيطان على رب الأرباب ؟! وكيف يأخذه ويسيح به هكذا ؟ أإله هذا ؟ ولا نجد إجابة ، بل تتسارع خطاهم وترتجف شفاهم ، ولا تسمع إجابة مرضية .
العقاد ـ كالعادة ـ حشر نفسه وراح يرد نيابة عنهم ، وليته احترم عقول من يقرأ ، وليته احترم نفسه وهو يتكلم بل قال : كانت هذه الرحلة التي تسلط فيها الشيطان على رب الأرباب نوع من رياضة النفس [26]!!
هذا هو العقاد !! يأتي بما لم يأت به الأوائل .!!

المثال الرابع ، أدلل به على أن العقاد يدافع عن النصرانية .. وعلى أن العقاد سطحي في تفكيره لا يملك غير البيان والاستخفاف : في كتاب النصارى هذا النص : ( وإن كان أحد يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته ، حتى نفسه ، فما هو بقادر أن يكون لي تلميذاً ) [27] ، فـ بزعمهم هذا يكون شرط الإيمان بالمسيح ـ عليه السلام ـ أن تبغض نفسك وأولادك وأمك وأبوك وزوجتك وهو نص محرف ، ولا شك ، فلا نبي يدعو لقطيعة الرحم وعقوق الوالدين ، وإشعال النار في البيوت بغرز الكراهية بين أفرادها ، هو نص محرف ولا شك ، سهى كاتبه وهو يكتب ، وخجل من جاء بعده أن يحذفوه ، ووقفوا حوله حائرون لا يدرون كيف يدافعون عنه .
ودون أن ينتدبه أحد جاء العقاد ليدافع فقال : ( وهذه وأشباهها من الشروط الصارمة التي كان يفرضها على مريديه هي الشروط التي لا غنى عنها لكل دعوة مستبسلة أمام السيطرة والجبروت )
كأنك لا تكون مؤمناً إلا بهذه الصفات الرديئة التي يبغضها كل الناس !!
أرأيت كيف يدافع العقاد ؟

والسؤال : لم يدافع العقاد ؟! ولم يستخف بعقولنا العقاد ؟! لم لا يسكت حين لا يعلم ؟!

وتدبر المثال القادم وستعلم أن العقاد متضارب .

المثال الخامس ، أدلل به على أن العقاد يدافع عن النصرانية .. وعلى أن العقاد سطحي في تفكيره لا يملك غير البيان والاستخفاف : أكثر عباس العقاد من الحديث عن أن دعوة المسيح ـ عليه السلام ـ كانت دعوة مسالمة ، في الضمائر فقط ، تدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ، تتنحى عن السلطة ولا تتصدى لها بإبطال أو بإنقاذ ، وأن قيمة الإنسان بما يضمره لا بما يظهره . وأن ملكوت السموات في الضمير وليس في القصور والعروش ، وأنها كانت على نسق واحد ، دعوةً للسلام استولت على الدنيا كلها من يومها إلى الآن ، وأنها دعوة ملكوت يدوم ولا يعرف له انتهاء ، وأن ما تدعيه اليوم من سماحة وغفران هو جوهرها ، و يثني على تحريم الطلاق إلا لعلة الزنا ويقول : هو شريعة المسيح ، [28] ، يقول عن رسالة عيسى ـ عليه السلام ـ أنها كانت دعوة إنسانية عالمية [29] ، ويقول بأن المسيح ـ عليه السلام ـ هو الذي نقض الناموس لأنه جاء بشريعة الحب لا شريعة الأوامر والنواهي ، ويتطاول على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر[30] .

لاحظ أنه في المثال السابق يتكلم عن أنها كانت دعوة صارمة تتطلب شروطاً صارمة ، وتثير البغضاء بين القرناء ، وهو هنا يقلب كلامه ، ويتكلم بظلم من القول وزورا ، ويفتري على المسيح ـ عليه السلام ـ ويكذب على كتابهم .!!

ما نقض المسيحُ ـ عليه السلام ـ الناموس ، وإنما أكمله .. الذي نقض الناموس هو بولس اليهودي ، والتي انتشرت في الدنيا كلها هي دعوة بولس اليهودي وليست دعوة المسيح ـ عليه السلام ـ . وما يظهر الإنسان هو ما يضمره ، فلا ينفك الظاهر عن الباطن . والنصرانية تدعي السماحة والغفران ولا تعرفها فكم قتلت ( المحبة ) وسل عن الحروب الصليبية ، وسل عن الحروب ( الأوروبية ) وسل ما يفعل بالأبرياء في العراق والصومال والشيشان والأفغان وفلسطين .. كلها من فعل ( المحبة )! والطلاق والزواج والميراث وكل ما تراه عينك من شرائع هي من بولس وممن لحقوه من الآباء ولا علاقة له بالمسيح ـ عليه السلام ـ والعقاد جاهل لا يعرف ما يقول ، أو يستخف بالعقول ليدافع عن عباد الأحبار والرهبان ؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شريعة الله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ }آل عمران110

المثال السادس ، أدلل به على أن العقاد يدافع عن النصرانية .. وعلى أن العقاد سطحي في تفكيره لا يملك غير البيان والاستخفاف : يحصر الخلاف في تعاليم المسيح ـ عليه السلام ـ بين أتباعه في الالتزام الحرفي أم الالتزام بالمعنى ، ويضرب مثالاً من اختصي ومن تقشف حتى أكله الدود ، ويقول ليس ثم خلاف [31] .
وهو كاذب ، فالقوم ليس بينهم اتفاق في أي شيء .واختلاف تضاد لا اختلاف تنوع ، وفي العقيدة لا في الشعائر ، مختلفون في كل شيء . في المسيح ـ عليه السلام ـ ( إلههم ) بزعمهم ، وفي أمه مريم عليه السلام ـ وفي الفداء لمن يكون ؟ وفي الشعائر التي يؤدونها في كنائسهم .. في كل شيء .

وقد بقى مما أعددته لهذا المقال ثمان ورقات ، منها مثلاً أن العقاد في مكانٍ يقول بأن كتبت الأناجيل هم الحواريون [32] وفي مكان آخر يعترف بأن مرقص ولوقا ليسوا من الحواريين ، وفي مكان يقول التلاميذ اثنا عشر وفي مكان يقول ثمانين ، وفي مكان يقول مات المسيح وخلفه صفوف كثيرة من الأتباع ...الخ هذا التضارب في الكلام .
ما أردت أن أطيل فقصدي فقط التمثيل للتدليل على تلك الأباطيل التي يلقي بها العقاد .
ها هو العقاد يستميت دفاعاً عن كتاب النصارى ، وما ورد فيه ، ويدافع بلا حق . أليس لأحدنا أن يستدل بهذه الأمثلة على أن العقاد كان نصرانياً ؟
لا داعي للعجلة قد بقى مقال آتي فيه على رأي العقاد في قضية الصلب المزعومة وشخص المسيح ـ عليه السلام ـ ثم بعد ذلك نجيب سوياً إن شاء الله وقدر .



...
...
يتبع مع المبحث الرابع :
موقف عباس العقاد من قضية صلب المسيح

................................

[20] (1) موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 720.ط . دار الكتب لبنان .
[21] (2) انظر ـ إن شئت ـ للكاتب مقال ( من قال إنه مقدس ؟ ) .
[22] (3)موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 720.ط . دار الكتب لبنان .
[23] (4)موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 632 .ط . دار الكتب لبنان . والأناجيل لا ثلث كتاب النصارى ، وتجاهل هذا العقّاد!!
[24](5) موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 633 .ط . دار الكتب لبنان .
[25] (6)الحلقة 16 من برنامج أسئلة عن الإيمان .
[26] (7)موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 639.ط . دار الكتب لبنان .
[27] (8)موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 /638.ط . دار الكتب لبنان .
[28] (9)موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 /647،648 .ط . دار الكتب لبنان .
[29] (10)موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 /659.ط . دار الكتب لبنان . ويقصد بالتجربتين تجربة يحى ـ عليه السلام ـ وتجربة المسيح ـ عليه السلام ـ .
[30] (11)موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 669.ط . دار الكتب لبنان .
[31](12)موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 /678.ط . دار الكتب لبنان .
[32] (13)موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 / 710 ط . دار الكتب لبنان .

مجدولين جبريل
27-04-2009, 06:47 PM
شكرا أخي ابن العراق على هذا النقل...
حقا معلومات جيدة
نحن بانتظار المزيد
شكرا جزيلا
:more13:

ابن العراق
01-05-2009, 11:11 AM
المبحث الرابع
موقف عباس العقاد من قضية صلب المسيح


النصارى يقولون بأن المسيح ـ عليه السلام ـ قبض عليه بعد أن خانه أحد تلاميذه ( يهوذا الإسخريوطي ) ، وسيق مقيداً في أغلاله ، يُبصق في وجهه ، ويُصفع على قفاه ، ويستهزئ به ، ثم حاكموه ، وصلبوه وقتلوه على الصليب . هذا ما يقوله النصارى في قضية الصلب ، ويقولون أن كل ذلك تم من أجل افتداء الناس من الخطيئة !! .
وقضية الصلب التي يتكلم عنها النصارى تواجه عدداً من المشاكل التي لا يوجد لها حل إلى الآن .
ـ منها : أن الخطيئة يقولون عنها لا محدودة وتحتاج إلى فداء لا محدود .. تحتاج أن يموت ( الله ) كي يكفر عن خطايا البشر ، إذاً كي يتم الفداء لا بد أن يموت ( الله ) .
فهم بين أمرين إما أن يقولوا ما مات الله ، وبهذا تكون عقيدتهم فاسدة لأن الفداء لم يتم ، أو يقولون مات الله ، وهو قول لا يُقبل ، ولا يرتضونه هم أنفسم .! ولذا لم تذهب حيرتهم إلى الآن .
ـ ومنها أن قضية الصلب من أجل الفداء على الصورة التي يتكلم عنها النصارى تكررت من قبل كثيراً . وقد سبق بيان ذلك .
ـ ومنها أن المسيح ـ عليه السلام ـ لم يتكلم عن الفداء ، ولا عن أن النجاة بالإيمان ، وإنما بالأعمال .. كل ذلك جاء بعد رفع المسيح ـ عليه السلام ـ بقرون .
ـ وأكبر التحديات التي تواجه قضية الفداء والصلب هو إنكار العليم الخبير لها في كتابه المجيد ، قال تعالى {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً . وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157}النساء156

نطرح على العقَّاد هذا السؤال :
هل قبض على المسيح ؟ وحوكم ؟ ثم صلب ؟ كما حاولوا أن يقولوا بذلك في كتابهم ؟ أم أنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم كما يذكر القرآن العظيم ؟
العقاد محتار لا يعرف إجابة ؟!!
إي والله . هذا ( المسلم ) محتار !!

يقول في كلامه عن الصلب وهو في آخر كتابه ـ حياة المسيح أو عبقرية المسيح حسب الطبعة الأولى ـ : ( ففي حادثة الاعتقال لا يدري متتبع الحوادث من اعتقله ومن دل عليه وهل كان معروفاً من زياراته للهيكل أو كان مجهولاً لا يهتدى إليه بغير دليل )
هنا شيء عجيب يثبت لك أن العقاد دائماً يبحث عن الغريب وبسطحية عجيبة جداً . نسأل : لم الحيرة ؟
لو كان الرجل يعتمد على كتاب النصارى فإنه سيصرح سريعاً بأن الذي اعتقله هم يهود بعد أن دلَّهم عليه يهوذا الإسخريوطي ، وأنه حوكم في الهيكل من قبل يهود ، وأن يهود تجمعت تهتف ( اصلبه ) حتى قتل وصلب ، أو صلب ثم قتل كما يقول كتابهم .
ولو كان عباس العقاد يعتمد على كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقال بقول الله {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157.
أو يقول بما ورد في السنة النبوية ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ إلَى السَّمَاءِ خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ - وَهُمَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً - مِنْ عين في الْبَيْتِ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً ، فَقَالَ لَهُمْ : أَمَا إنَّ مِنْكُمْ مَنْ سَيَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّكُمْ سَيُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ مَكَانِي وَيَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي ؟ فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ ، فَقَالَ : أَنَا ، فَقَالَ عِيسَى : اجْلِسْ ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ الشَّابُّ ، فَقَالَ عِيسَى : اجْلِسْ ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ الشَّابُّ ، فَقَالَ : أَنَا ، فَقَالَ : نَعَمْ أَنْتَ ذَاكَ ، قَالَ : فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسَى.
قَالَ : وَرُفِعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ رَوْزَنَةٍ كَانَتْ فِي الْبَيْتِ إلَى السَّمَاءِ ، قَالَ : وَجَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَخَذُوا الشَّبِيهَ فَقَتَلُوهُ ، ثُمَّ صَلَبُوهُ , وَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ "(1) [33]
ولكن العقَّاد وقف حائراً .
كيف وقف حائراً ؟
لا أدري .
لم يكن إنجيل يهوذا[34] قد ظهر بعد حتى نقول جاءه بعض الشك .!!
ولا يستطيع أي باحث أن يقف حائراً فإن كان معوجاً في بحثه مال للقوم وقال بقولهم ، وإن كان مستقيماً جاء إلينا وقال بقول العليم الخبير سبحانه وتعالى وعز وجل . أما العقاد فهو كيان مستقل مخالف دائماً . لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء . !!
ـ وتدبر هذه الكلمات للعقاد : ( ولا نستطيع كما أسلفنا أن نقرر على وجه التحقيق من الناحية التاريخية كيف كانت نهاية السيرة المسيحية ) (3) [35] ، ويتكلم بعد ذلك عن ( قبر ) المسيح ـ عليه السلام ـ هل هو في فلسطين أم في كشمير ؟!!
ما الفرق بين قوله هذا وقول طه حسين : ( للقرآن أن يحدثنا كما يشاء عن إبراهيم وإسماعيل ولنا أن نصدق أو لا نصدق )؟
وإن قيل : أنه يقول المصادر التاريخية ، وهذا صحيح ، فالمصادر التاريخية لم تتكلم عن المسيح ـ عليه السلام ـ بقليل أو كثير ، فقط جاء ذكره في كتاب النصارى .
قلنا هذه حيرة أخرى وعوج آخر في التفكير عند العقاد ، فهو من قبل شدَّ واشتد على هؤلاء المؤرخين أن لم يذكروا المسيح وراح يتهمهم ويشكك في نزاهتهم ويقول يهود في عصر الرومان لذا لم يكتبوا عن المسيح ـ عليه السلام ـ ، وأكد على أن كتاب النصارى مصدر من مصادر التاريخ ، وهو عوج آخر لو حاكمت العقاد إلى كلامه .
ثم الآن يشكك في الجميع ويتجاهل القرآن .!!

كتاب ( عبقرية المسيح ) أو ( حياة المسيح ) ـ عليه السلام ـ جاء متأخراً عن عبقرية محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعقد من الزمن أو يكاد ، وقبيل وفاة عباس العقاد ، فهل يعني هذا أن العقاد كان نصرانياً ؟
العقاد لم يكن نصرانياً ، بل كان منتسباً للإسلام يفاخر به أحياناً ، كل ما هنالك أن العقاد مشاغب ، يقف دائماً وحيداً إن تكلم عن النصرانية أو تكلم عن الإسلام ، إن كان في الأدب أو كان في الفكر .
هذا هو العقاد لم ينصر إسلاماً ولم يغظ كفراً ، وإنما أضاع جهده ونفسه في إثبات ذاته ومناطحة أقرانه . وأضاع وقتنا في الرد عليه .


......

[33] (1) مصنف ابن أبي شيبة - (ج 11 / ص 546)
[34] (2) اكتشف مؤخراً إنجيل يهوذا الإسخريوطي في السبعينات ( 1972م) في محافظة المنيا في مصر ، وظهر من قريب فقط !! ، وفيه تكذيب لثوابت النصرانية ومنها أن يهوذا خائن كما يدعون ، وفيه توضيح لنص إنجيل يوحنا المُشكل ( ما كنت ستفعله فافعله الآن ) وفيه تعضيد لقول العليم الخبير بأنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، وفيه بيان لمشكلة النصارى الأبدية وهي التوثيق لعقائدهم وتاريخهم ، وفيه بيان لطريقتهم في اختيار كتبهم ، وهي فقط بالتشهي فليس ثم ضوابط تنطبق على المقبول ولا تنطبق على المرفوض ، وهو إحدى الانشقاقات الفكرية التي لا تنتهي داخل النصرانية ، ونفسي لا تطاوعني في تبرئة يهود من حبس إنجيل يهوذا ثم إخراجه بعد عقود من اكتشافه ونشره بين الناس .. دوامة جديدة للفكر النصراني كما هي عادة يهود مع الأمميين .
[35] (3) موسوعة عباس العقاد الإسلامية ج1 /737 .ط . دار الكتب لبنان
.