المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكايات من أرض الوطن


ابن العراق
09-10-2005, 08:24 PM
كثيراً ما أسأل نفسي عن كيفية قدرتي على التعايش مع واقع هو ضد كل ما أحلم به أو أبحث عنه .. واقع لا أعلم مدى قدرتي على الصمود أمامه .. واقع أراه يوماً بعد يوم يزداد سوءاً ويأخذ مني ولا يعطيني .. واقع أقول مراراً وتكراراً إنني أعلم أنه لن يتغير لكنني أستمر في رفضه والسخرية منه .. وببساطة شديدة ودون محاولة لتزويق الكلام أعتقد أن ما يحميني دائماً من الوقوع في وهم إنتظار الفرج والنصر هو أنني أوقن أنه لا أمل في أي أمل طالما ظلت المعركة الأزلية الدائرة على أرض مصر _ ومصر هنا حالة تعبر عن عالمنا العربي بالرغم من أن مصر لها خصوصيتها وواقعها المضحك المبكي _ منذ ان خلقها الله لا يشترك فيها سوى نوع واحد من سكان هذه البلد أُطلق عليه إسم " السكان المنتفعين بمصر " , ( لاحظ أن الإنتفاع هنا ليس مصطلحا سلبيا فهو يعني ان من يمكن وضعهم ضمن هذا النوع ينتفعون بمكسب ما أيَّاً كان مادي أو معنوي , قل أو كثُر , شرعياً كان أو غير شرعي ) , وهذا النوع بالمناسبه شامل فضفاض يمكنك ان تضع تحت إهابه الحكومه والمعارضة والنخبة (المزيفة و الحقيقية ) والصفوة (المصنوعة و المُهمّشة ) ومحترفي السياسة والصحافة وهواتها والمثقفين الحقيقين والمرتزقة الفكريين وأرباب الفنون ( الموهوبين و الموهومين) ونجوم المجتمع ومرشحي الأنتخابات ورجال الأعمال وسيداته ورجال الدين (الحكوميين و المحكوم عليهم ) ورجال ونساء حركات المجتمع المدني والشواذ جنسيا .

أما ماعدا أولائك من أبناء الشعب المصري فهؤلاء هم الذين أسميهم " السكان الأصليين لمصر" , وفي أيدي هؤلاء وحدهم الأمل الوحيد في تحقيق أي تغيير لأن هبّاتهم المفاجأة هي التي تصنع الفرق , لكن المشكلة أن هبّات هؤلاء قصيرة النفس ومتباعدة وعشوائية تماما كحياتهم , كما انهم إختاروا لأنفسهم منذ عهود سحيقة حلاًًّ يعصمهم من الأنقراض ألا وهو أن يعيشوا في بلد مواز له قوانين خاصة وحكام مختلفين وأبطال شعبيين يخُصُّونهم وغناء لا يطرب غيرهم وأنواع من الطعام والشراب لا تصلح إلا لهم .

ومع أني أعرف أن الكثيرين لديهم حساسية شديدة _ وأنا منهم _ من موضوع أن المصريين هم أول من أخترعوا كل شئ من الكتابة على ورق البردي الى عبد المجيد خضر ومرددي هذه الخُرافات من السكان المنتفعين و الأصليين بالمناسبة ولذلك تجد المصري عنده إحساس شديد بالأنا وبأنه هو وحده دون بقية الخلق القادر على تحويل السحلية الى عربية شيفروليت بقُدرة قادر ( مصري بقى يا عم الحاج ) , وبالرغم من أن لا هو ولا اللي خلّفوه قادرين على شئ كهذا لكنه لا يفتؤ يردد ( أصل انت مش واخد بالك .. أصل إحنا مصريين يا عم الحاج ) .. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن السكان الأصليين لمصر هم أول من أخترعوا ما أصبح يُعرف هذه الأيام لدى خبراء التكنولوجيا بالواقع الأفتراضي , لا أحد يعرف منذ متى كان ذلك , هل كان منذ دخل الهكسوس لمصر أو العرب أو الفرس أو الرومان أو نجيب ساويرس ؟ ليس مهِمّاً متى بدأ ذلك , لكن المهم أن تدرك أن هذا الواقع الإفتراضي هو الذي يحكم حياة السكان الأصليين لمصر وهي حياة تشبه ما يمكن أن تكون شاهدته في أفلام الخيال العلمي الأمريكية والتي تفترض أنه مع التطوّر التكنولوجي المذهل سيصبح هناك نوعان من البشر يعيشان في الأرض , أغنياء يعيشون على سطح الأرض وفقراء يسكنون باطنها , ونستطيع أن نقول إننا سبقنا أفلام الخيال العلمي بتطبيق هذه النظرية الأفتراضية ولكن الفرق أن الفقراء يعيشون لدينا على الأرض أيضا.

والمؤسف أن كل الخناقات التي يخوضها "السكان المنتفعين بمصر" تثور عادة من أجل "السكان الأصليين لمصر" , رئيس الدولة يحلف على النعمة الشريفة " اللي هي الكافيار " أنه لا يذوق الزاد إلا وهو يفكر فيهم , وأبنه يقول إنه كان الممكن أن يتمتع بالخميرة اللي عملها في هدوء ويعمل عمليات تجميل لوش أهله العِكر وفتحة مناخيره اللي ساكن فيها جبلاية قرود بحالها لكنه قرر من أجلهم فقط أن يجلب لنفسه وجع القلب من اللي يسوى واللي ما يسواش , ورئيس الوزراء نظيف وطويل حالف على المصحف ربِّنا يوقف نموّه لو ما دخّل لهم كومبروتر لكل بيت , والوزراء لا يقض مضاجعهم ولا يعكر عليهم صفو الإستمتاع بقصورهم وحساباتهم في البنوك سوى التفكير في هؤلاء المزعجين الذين يُطلق عليهم عادة أسماء غير دقيقة مثل المُهمّشين ومحدودي الدخل والمواطن العادي وأطلق أنا عليهم السكان الأصليين لمصر . وحتى المعارضون فهم فيما يخص علاقتهم بالسكان الأصليين نوعان :

بعضهم ينتفع هو الآخر من إدعائه أنه يحمي حقوقهم وهو ليس كذلك , وبعضهم يحمل هم السكان الأصليين على رقبته ويزعق ويعارض ويكتب ويتظاهر ويسجن ويتمد على رجليه ويقتل ويشرد وينفى وكل هذا وهو يعتقد يقينا أنه يفعل ذلك من أجل السكان الأصليين الذين يراهم يشدون على يديه ويقبلونه ويقولون له كلاما جميلا ناعما مؤازرا ويطلبون منه أن يستمر في الدفاع عنهم , لكنهم في حقيقة الأمرعندما يحدث له أي أذى من جراء ما فعله من أجلهم سيكتفون بالحوقلة والمصمصة والدعاء على الظالم والمفتري وأبن الحرام دون تحديد إسم ابن الحرام ده حتى , ثم القول بلهجة معاتبة " هو برضه زودها حبتين " .

ومن واقع خبرتي المحدودة وإحتكاكي بالسكان الأصليين لمصر سأحكي لكم عن أناس كثيرين ليسوا ملائكة ولا شياطين ويمكن أن تظنوا أحياناً أنهم ليسوا بشراً , هم يقولون ذلك طول الوقت " أني عمري ما حبقا بني آدم يا محما " والعباره السابقة سمعتها بلهجات مختلفة في مواقف مختلفة من أناس مختلفين بعضهم قريب جدا مني وبعضهم علاقتي به أنتهت ولكل منهم قصته التي سأحكيها في وقتها , يقولون ذلك بشكل محايد يوحي لك أن حكاية أن تكون بني آدم هي مسألة بتيجي بظروفها , يعني ممكن ان تأتي ويمكن ألا تأتي , إنت ونصيبك , وسنفهم كل شئ يخُصّهم بدءاً من قرارهم الإختياري بالانقراض من الواقع الواقعي والإكتفاء بالواقع الإفتراضي ووصولاً إلى شتائمهم ولعناتهم التي تنصب طيلة اليوم على مصر , أو تلك الدعوات التي أسمعها أينما ذهبت ( بلد بنت ......... يارب تولع بجاز .. يارب تتحرق من ساسها لراسها ) وهؤلاء لديهم إعتقاد راسخ أن دعائهم على البلد الموازي الذي هو مصر وهو دعاء حقيقي ومحروق وممزوج بالوجع سيُستجاب يوما ما وعندما يحترق البلد لن يصيبهم شيئ , ليه ؟ .. " عشان إحنا غلابة وعمرنا ما أذينا حد " , والجمله السابقة سمعتها من قتالين قُتلا ونشالين وضرِّيبة مُخدرات وفلاحين بالأجرة وموظفين وعُمال فاعل ومفعول بهم وبنات ليل .. وكلهم لديه يقين راسخ أن العذاب الذي يستنزلونه على سكان البلد الموازي لن يحيق بهم لأنهم غلابه وعمرهم ما أذوش حد .. وما بيعملوش حاجة غلط .

حتى فتاة الليل توقن في قرارة نفسها أنها ما بتعملش حاجة غلط .. وإذا كنت لا تصدقني فاسمع هذه الحكاية :

قبل 5 سنين تقريبا كنت أُجري مع صديق لي في كلية آداب إعلام مقابلة حصرية مع ساكنة أصلية مسجّلة آداب ونظرا لأن اللقاء كان يتم في قسم البوليس طرمخت الموضوع بطريقة ما حتى أتمكن من لقاء تلك المُسجلة آداب لأنه لم يكن قد سبق وتشرفت بمثل هذه اللقاءات التي كانت حلم لي ولكل شاب في سني في هذا الوقت , بالمناسبه كان إسمها فتحية سيلان , ليس نسبة إلى جمهورية سيلان بل إلى المرض الشهير الذي يعتقد أطباء الأمراض التناسلية أنها أول من أدخله الى جمهورية مصر العربية .. كنا نقف على باب التخشيبة الملأى بالعاملات في صناعة الترفيه والتي يأخذن عملهن بجدية شديدة واضعات نصب أعينهن قول أحمد شوقي " أيها العمال أفنوا العمر جداً وأكتسابا .. وأعمروا الأرض فلولا سعيكم أمست يبابا " , المهم كانت فتحية تحاول أن تقنعنا أن عمرها ما عملت حاجة غلط وأن الضابط لفق لها القضية وأنهم أخذوها من شقة المواطن العربي وهي بلبس الصلاة , شاء سوء حظها أن يمر الضابط معرفتنا من خلفها وهي تقول هذا الكلام , ليقوم بالرد عليها بأسلوب عملي لا أجرؤ على ذِكره , ثم يقسم أمامنا أنه سيطلق سراح فتحية فورا لو قرأت أمامنا الفاتحة , ردت عليه فتحية بكل ثقة " الفاتحة في القلب يا باشا .. يعني هم اللي حفظوها كانوا عملوا بيها أيه " استمرت ردود الظابط الحضارية على فتحية التي كانت تتعامل مع الضابط برغم ما كان يفعله على أساس إنه غير موجود , وأن ما نراه ليس حقيقيا , فقد استمرت في التأكيد على أن مشكلتها مع الفاتحة أنها بقت بتتنسي بسبب الهم , لكن قلبها أبيض من لبس الصلاة اللي كانت لابساه , أصابت الضابط حالة من الجنون وأخذ يقسم لنا أن كل علاقة فتحية بالدين هي أنهم قبضوا عليها مرة وهي ترقص لسياح عرب على أنغام أغنية " صلينا الفجر فين .. صلينا في الحُسين " , نظرنا لفتحية مشدوهين فقالت لنا بنفس الملامح الموازية " أعمل إيه يعني .. هي اللي كانت شغالة في الراديو " .. كلّت يدا الضابط أو أصابعه , فانصرف لبعض شأنه , ولأننا كُنّا رومانسيين ثوريين مؤمنين بنظرية " فتاة الليل الفاضلة " , فقد أخذنا نسأل فتحية عمّ الذي يمنعها من أن تترك طريق الإنحراف وتسلك سلوكا شرعياً , أخذت دموعها تنهمر وتحكي لنا قصصاً مذهلة عن أخوتها الذين تجري عليهم , أخذ بنا التأثُُّر كل مأخذ فأندفعت أسأل فتحية ببراءة أدت بي الى الأرتباك " يعني عمرك ما فكرتي تبقي جوزة يا فتحية ؟ " .. وقع صديقي من الضحك , وصدرت عن فتحية وزميلاتها المتابعات لسير الحوار من خلف قضبان التخشيبة أصوات غير بريئة لا يمكن قياسها إلا بمقياس ريختر , وأخذت فتحية تضحك وتصدر تلك الأصوات لأدرك أنا وصديقي أن فتحية لم تكن أبدا " فتاة الليل الفاضلة " .. بل هي فتاة الليل اللي فاضلة .

والحكايات لم تنتهي



ابن العراق