المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هكــذا خـربطــت الحــرب قامــوس جدتـــي


ميرا فلسطينية
07-12-2005, 11:03 PM
صيف 1982.. كان حزيران حاراً كعادته. رائحة الصيف لم تتبدل في قريتنا،حتى عندما حلقت الطائرات في سمائها ونفثت الدخان الأبيض الذي لم ينتصرعلى دخان الحقول والحواكير التي حرق هشيرهااليابس.




قائدعسكري فرض علي الاقامة الاجبارية، فحوّل بيتي الى سجن صغير من مغيب الشمس الى شروقها، وجعل من قريتي سجناكبيرا من شروق الشمس الى غروبها، ليس لأنه كان يعد قواته المدرعة والمصفحة والمسلحة للحرب التالية،بل لأنه انتهى لتوه من حرب صغيرة على أربع قرى عزلاء معزولة في الجولان ويبدو أنني خربطت شيئامن حساباته وماكانت العتمة على طول يد الحرامي فسجنني وراح يخطط للحرب القادمة.



رهيب أن تحشر نفسك في حسابات الجنرالات،ثم تقول: قليلا من التواضع يا رفيق! فلا أنت فدائي راح يدك القلاع ولا أنت قائد فيلق مجهز بعتاد.


كان يتهيألي انه لم يبق للشرطة ماتفعله سوى مراقبة تحركاتي ليتأكد القائد العسكري أنني ما زلت موجودا ولا أشكل خطراعلى أمن الدولة، فتأتي الدوريةفي ساعات مختلفة من الليل والنهار ويطرق شرطي على الباب ويطلب أن يراني بحجمي الطبيعي، ولما يتأكدأن أنا هو أنا ولا أحد سواي، يعتذر بأدب وينصرف ولم يقبل دعوتي له لتناول القهوة حتى ولو مرة واحدة.
وصرت أحب مداعبةالشرطة، فحين يأتي الليل وأصبح محكوما بالبقاء داخل جدران البيت،أطلب من أحد أصدقائي أن يأخذ مفاتيح سيارتي، وكانت معروفة بلونها الأحمر وموديلها العتيق وطقطقة دواليبها، ويقوم الصديق بجولةفي البلد، وقبل أن يعود، كانت سيارة الشرطةتمثل في ساحة البيت وينزل شرطي ليتأكد أنني ما زلت قابعافي منزلي/ سجني، فيعتذر مستهجناأو يضحك على نفسه كماكنا نضحك عليه.





يتبع...

ميرا فلسطينية
07-12-2005, 11:12 PM
الطائرات التي حلقت في سماء قريتنا كانت محملة بالنار والنابالم لتفرغ حمولتها على أرض لبنان الأخضر، بدأت في الرابع من حزيران ولم تتوقف. للأمانة والتاريخ سأسجل بما لا يقبل الشك أن حزيران 1982 ليس كحزيران 1967.

ففي صباح الخامس من حزيران 67 استيقظت على صوت عمي ، جاء الى بيتنا " يدب الصوت " ، ولم يكن أحد غيري في البيت . قال: "ولعت الحرب" ! كان الجميع يترقبون بقلق بالغ نشوب هذه الحرب، ويبدو أن الصواريخ التي نصبت في صحراء سيناء والهيزعة العربية احتفالا بعرس تصفية " الكيان الصهيوني" والوجبات الآدمية الدسمة التي وعدوا بها سمك البحر، يبدو أنها لم تترك لعمي الطيب سوى هوس البحث عن ملجأ آمن يحمينا من قذف الطائرات العربية المغيرة، باذن الله، وقد كان يتهيأ له أننا سنكون مستهدفين لأننا جزء من هذا الكيان الصهيوني المهدد بالاشتعال أو الرمي في البحر.

قال لي: تعال معي

كنت في الثامنة عشرة من عمري أستعد لتقديم امتحانات الثانوية، فتركت كل شيء وذهبت معه دون أن أسأل الى أين يأخذني، واذا به يقودني الى مغارة كبيرة امتلأت بالحجارة والتراب وقال: "سوف ننظف المغارة ليحتمي بها أطفال العائلة، أما الكبار فبامكانهم أن يختبئوا في الوعر"

وانهمكنا بتنظيف المغارة حتى ساعات الظهر، دون أن نشرب الماء أو نتناول لقمة أكل، وكلما سمعنا هدير طائرة في السماء اشتدت سواعدنا وخفقت قلوبنا، وأكثر ماكان يقلق عمي هو أن تقصفنا الطائرات السورية، وكان يتمنى لو أن مهمة قصف الكرم لتوكل الى الطيارين العراقيين لأن السوريين" يصيبون الهدف " وأما العراقيون" فيصوبون على تل أبيب ويصيبون حيفا"، ولم أعرف في ذلك الوقت ان كان علي أن آخذ كلامه على محمل الجد أو أن أعتبره مزحة ثقيلة من شدة الخوف، لكن لم يخلصنا من هذه الحالة العبثية سوى والدي،الذي كان يبحث عنا، ولما رآنا انفجر ضاحكا وقال: "طيران اسرائيل احتل كل سماء العرب، لم يبق لمصر طائرة تحلق في الفضاء".

في تلك اللحظة انتهت الحرب بالنسبة لعمي، فألقى بالمنكوش والمعول وتناول حجرا صغيرا ورماه بشدة الى المغارة فأصابت تنكة كنا ننقل بها التراب وأحدثت دويا ظل صداه يتردد في جوف المغارة وتناولت حجرا وفعلت مثله وظلت التنكة سنوات طويلة في مكانها ومن حولها تراكمت الحجارة الى أن سد الجرف مدخل المغارة.

أسوأ مافعلته هذه الحرب هي أنها خربطت قاموس جدتي، فعندما كانت تقول"احتلال اليهود" كنا نفهم أنها تقصد العام1948 ولكننا صرنا فيما بعد نصعب عليها حياتها فنسألها: "أي أحتلال؟ " وكانت تصرعلى أن اليهود احتلوا كل بلاد العرب مرة واحدة، عام1948 ، ولم تكن تفسر، ولما أرادت أن تذكر حرب حزيران، كانت تقول: " في حرب يوم تنظيف المغارة".

الكاتب سلمان ناطور

ضياء عاصى
08-12-2005, 01:12 AM
هزتنى القصه ... وكادت ان تبكينى

كادت ان تُقفز ماتبقى من شجاعة قلبى

لكنى أبيت ... تمنعت

بصعوبة هربت من بكائى ..

ميرا فلسطينية
08-12-2005, 08:54 PM
اهلا بك اخي ضياء

هل اثرت بك القصة لهذه الدرجة..

حكايات فلسطين المنكوبة.. تجعل في حلقك غصة تشعر بانها ستقبض على روحك

اعـــــــــــــــرف...

تــــحياتي