المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملوك الطوائف(قراءة للدكتور وليد فتيحي)


بنت القسام
13-12-2005, 12:56 AM
لم أشاهد أو اتابع منذ ربع قرن من الزمن مسلسلا عربياً واحداً حيث إنني أجد في ذلك مهدرة للوقت الثمين الذي هو رأس مال الإنسان, أضف إلى ذلك انني استسخف الحوار المبتذل أو السطحي والتافه في معظم مايعرض على الشاشة العربية من أعمال فنية ومسلسلات.

ولكنني ولأول مرة منذ خمسة وعشرين عاما أتابع مسلسلاً عربيا وأحرص عليه وهو بعنوان (ملوك الطوائف) علماً بأنني لم أنوِ مشاهدة هذا المسلسل ولكن أذني لقطت مصادفة أطراف حوار دار في الحلقة الأولى من المسلسل فأسرت به وبطريقة إلقائه فأعطيت المسلسل فرصة في مشاهدة حلقة اخرى فأدركت آنذاك بأن المسلسل يستحق المتابعة فَفَعلت وعشت مع كاتب الحوار ومع مايحاول أن يصل به إلى المشاهد من قراءة أعمق للتاريخ ومايحمل كل حوار من فكرة يستحق الوقوف عليها والتأمل والاعتبار ومايحمل مابين السطور من إسقاطات على الواقع الأليم لأمتنا الإسلامية.

تاريخنا في الأندلس هو صفحة من التاريخ إن ظننا أنها قد طُويت في كتبنا فإنها لا تطوى في السجل الأعلى, وستبقى محفورة في تاريخ الإنسانية وتاريخ هذه الأمة إلى قيام الساعة, وستبقى دروسها شاهدا على كل من سيأتي بعدها ولا يعتبر بعبرها من أبناء الأمة الإسلامية حاكما كان أو محكوما, أو من أهل الخاصة أو العامة.

مسلسل (ملوك الطوائف) هو إحياء بعض الدروس والعبر في فترة تمزق الأندلس إلى 22 دويلة بين عام 400هـ وحتى وفاة المعتمد بن عباد عام 488هـ,.

وبين السطور يبدع كاتب الحوار والمفكر القدير الدكتور وليد سيف في أن يحطم في عقلية المشاهد العربي سطحية قراءة الأحداث فليس من خير مطلق وليس من شر مطلق, وإنما تتبدل المواقع وتتغير المواقف وفي كل ابتلاء وامتحان وتمحيص ينجح فيه من ينجح ويفشل فيه من يفشل, وكثيرٌ هم من خلطوا عملا صالحا وآخر سيئاً وإن اختلفت نسب الخير والشر في كل منهم.

وهل جُلُّ مصائبنا هذه الأيام إلا أن بين أظهرنا من يقرأ الأفراد والأحداث والمواقف بسطحية تؤدي به إلى أن يَدَّعي أو ينسب الخير كله أو الشر كله لفرد بعينه أو مجموعة أو حركة بعينها?.. فيفقد بذلك التوازن الذي ينشأ به الميزان ويتحقق به العدل في الحكم على الأفراد والمواقف والأحداث.

وبذلك فإنني وجدت الكاتب القدير يحاول إعادة هذا التوازن في عقلية المشاهد العربي لما يفترضه المواطن العربي اليوم بأنه مُسلمات وحقائق بناء على النظرة السطحية الظاهرية للأحداث والمواقف والأشخاص.

فهذا هو المعتمد بن عباد الذي كان من خيار ملوك الطوائف شأناً وأفسحهم ملكاً والذي كان يُشبه بهارون الرشيد لذكاء نفسه , وغزارة أدبه وهو الذي ملك أشبيلية بين عامي 461هـ -484هـ, ورفع شأنها والذي تبني فكرة الاستعانة بالمرابطين للحفاظ على الأندلس, والذي قاتل في معركة الزلاقة ضد الصليبيين بنفسه فأبلى فيها بلاءا حسنا وقاتل قتالا عجيباً حتى عُقرت تحته ثلاثة افراس كلما عقر فرس قدم آخر وسالت الدماء الغزيرة فانزلقت الخيول والناس ولذلك سميت المعركة بالزلاقة.

هذا هو المعتمد بن عباد الذي عاد إلى اشبيلية منتصرا بعد معركة الزلاقة فأقدم عليه الشعراء والخطباء يقدمون ماجادت به قرائحهم يهنئون المعتمد على الظفر الميمون ولكن المعتمد أمر القراء بتلاوة القرآن الكريم فقرأ أحدهم قول الله تعالى: {الا تنصروه فقد نصره الله} التوبة : 40.

فقال أحد الشعراء الذين حضروا المجلس واسمه عبدالجليل بن وهبون: كنت قد نظمت قصيدة لألقيها بين يدي المعتمد لكن المعتمد أمر بتلاوة القرآن فقلت في نفسي بعد سماع الآية بعداً لي ولشعري والله ما ابقت هذه الآية معنى لما أقول.

هذا هو المعتمد بن عباد دفع ثمن ما صدر منه من بعض الزلات والأخطاء وإن كان من أفضل ملوك الطوائف وأذكاهم نفساً وأعظمهم اعتزازا بإسلامه وعروبته فأخطاء الحكام لا كأخطاء الرعية, فهذا المعتمد بعينه بعد بضع سنوات من معركة الزلاقة يرفض مؤازرة المرابطين, وهو الذي دعاهم بادئ ذي بدء في قتال النصارى خوفاً على ملكه أن يضيع بل ويبعث سراً لملك النصارى (الفونسو السادس) يستنجد به على المرابطين فكان الخطأ وكانت الخيانة فحاصره المرابطون وقد أقام الحجة على نفسه وأصر على عدم تسليم المدينة وحرض شعبه لمساعدته في القتال ضد المرابطين لكن شعبه أبى, ورفض المسلمون هناك مؤازرته فأسقط في يده واضطر للاستسلام بعد مقاومة منه ومن اتباعه.

نعم.. جاء العقاب من الله سريعاً لحاكم امتلأ تاريخه بالمواقف العظيمة المشرفة ذلك أن خطأ الخاصة الخلّص الا كخطأ العامة, وخطأ القادر لا كخطأ المقدور عليه, وخطأ الحاكم لا كخطأ المحكوم (فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)

ويخرج المعتمد وأهله من الأندلس كلها وتصادر أملاكه وأمواله كلها, وينفى إلى (اغمات) في المغرب ليعيش مابقي من عمره فقيرا محروماً بعد ان كان ذا صولة وجولة وجاه وغنى وسلطان وكان ملء السمع والبصر.

هذا هو المعتمد بن عباد الذي كان لا يرد طلباً لزوجته (اعتماد) وقد رأت يوما بدويات يبعن القرب وقد شمَّرن عن سوقهن يخضن في الطين فقالت لزوجها
ابن عباد: أشتهي أن أفعل انا وبناتي كفعل هؤلاء البدويات, فلبى طلبها ولكن بطريقة عجيبة هي من طرق السلاطين والملوك مما يتفتق به ذهن من أَلِفَ العز والترف وسكنت إليه نفسه وهي تعكس ما وصل إليه ملوك الأندلس من بذخ وإسراف فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور فَخُلط بماء الورد ليكون في هيئة الطين وأحضر القرب والحبال لاعتماد وبناتها فحملنها ثم رفعن عن سوقهن وخضن في طين العنبر والمسك والكافور. وتدور الأيام عليه وعلى أهله وبينما هو في المنفى فقيراً محروماً تدخل عليه بناته يوماً في أطمار بالية فثارت نفسه على أحواله وأحوالهن فقال:

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا

فساءك العيد في أغماتَ مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعة

يغزلن للناس مايملكن قطميرا

يطأن في الطين والأقدام حافية

كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا

ثم اتعظ وبكى حاله فقال:

قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً

فردك الدهر منهياً ومأمورا

من بات بعدك في ملك يُسرُّ به

فانما بات بالأحلام مغرورا

ملوك طوائف الأندلس دروس تاريخية عظيمة لأمة لا تتحقق عظمتها إلا بقدرما تُمكن لعظمة الرسالة التي بين يديها من فكرها وفؤادها وبقدرماتعمل في سبيل تعظيم وإجلال أمانة حمل آخر رسالات السماء للأرض.

وأعظم هذه الدروس هو مايصنعه التناحر والصراع بين المسلمين في ذهاب ريحهم وكسر شوكتهم وإذلالهم وضياع الأمانة والفساد في الأرض حتى قال فيهم قائل:

مما يُزهدني في أرض اندلس

ألقاب معتمد فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها

كالهر يحكي إنتفاخاً صولة الأسد

وقال فيهم ابن حزم رحمة الله عليه: (فضيحة لم يقع في الدهر مثلها, أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام يسمى كل واحد منهم بأمير المؤمنين ويخطب لهم في زمن واحد, أحدهم في اشبيلية والثاني بالجزيرة الخضراء والثالث بمالطة والرابع بسبتة).

دروس ثلاثة عظيمة عرضتها في ثنايا مقالي هذا لو اعتبرت بها الأمة, كان ضياع الأندلس كلها ثمناً يدفع لامتلاك هذه الدروس واستيعابها وتفادي الوقوع في اخطائها مرة أخرى, لقلت والله ماضاعت الأندلس هدرا, ولكن واأسفاه فللأمم والشعوب ذاكرة قصيرة المدى وان كان التاريخ لا يرحم ولا ينسى وفوق هذا وذاك رب يرقب خبير عليم بما يصنع عباده يمهل ولا يهمل ولذلك فالتاريخ كثيرا بل غالباً مايعيد نفسه.. خاصة لمن لا يعتبر به.


بقلم الدكتور/ وليد أحمد فتيحي_ طبيب استشار

جريدة عكاظ

حافظ العبادله
13-12-2005, 04:32 PM
وقال فيهم ابن حزم رحمة الله عليه: (فضيحة لم يقع في الدهر مثلها, أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام يسمى كل واحد منهم بأمير المؤمنين ويخطب لهم في زمن واحد, أحدهم في اشبيلية والثاني بالجزيرة الخضراء والثالث بمالطة والرابع بسبتة).



السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

والله يابن حزم لو رأيت مانحن فيه...لعشقت الأمراء الاربعه...فنحن لدينا 50 اميرا فى مسيره يومين...

اشكرك اختى بنت القسام...واعتبر موضوعك هذا نوع من الهدية...فأنت تعلمين اننى مولع بتاريخ الاندلس...ويبدو انك جلبت الموضوع خصيصا لي...

اشكرك على الهديه الطيبه..لك كل التقدير..