ابن العراق
19-12-2005, 01:19 AM
هل تستطيع أن تتذكر كم مرة في حياتك البائسة شاهدت هذا المشهد المثير للسخرية والألم في نشرات الأخبار المحلية (هذا إذا لم تكن قد هجرتها بعد) .. مسئول كبير يأخذ وضع المدلي بتصريحات ما , عادة لا يكون لديها أي أهمية ولا تكشف أي جديد ولا تتعدى كونها وعودا كاذبة أو وعودا لم يثبت بعد أنها كاذبة , وامامه في وضع المتلقِّي يجلس أو يقف مجموعة من الصحفيين ,يقومون بكتابة ما يمليه عليهم المسئول ورؤوسهم مطأطأة , كل همهم ان يتسابقوا في كتابة ما يمليه المسئول والذي سينشرونه جميعا في الغد في صحفهم بنفس النص ونفس العناوين بل بنفس الديباجة , دون حتى أن يفكر أحدهم في أن يطلب من المسئول أن يوزع عليهم بيانا به التصريحات التافهة التي يدليها عليهم راحة لأيديهم وأعصابهم وتوفيرا لوقتهم وورقهم وأقلامهم .....
قارن ذلك بما تراه على قنوات الأخبار في المؤتمرات الصحفية التي تعقد في الدول المتقدمة , حيث يقف المسؤل في أقصى درجات التركيز والحذر أمام صحفيين كل منهم أقوى من الآخر في مهنته , يتعاملون مع المسؤل على أنه صيدة لابد أن يغنموا منها , بيد كل منهم دفتر ملاحظات صغير يدون فيه ما يراه مهما أو صالحا للنشر من كلام المسئول الذي لا يعرف ما سيسأله فيه الصحفيين وليس لديه أساسا ما يمليه عليهم .
لا تشغل نفسك الآن بالمقارنة بين صحفيين يكتبون ما يملى عليهم وصحفيين لا يجرؤ أحد أن يفكر في الأشارة إلى أنه يريد أن يُملي عليهم شيئا ..
عد لإسترجاع مشهد الصحفيين الواقفين للتسابق على ما سيمليه عليهم المسئول والتملي في جماله .. " سيِّف " هذا المشهد على سطح ذاكرتك لأننا سنتخدم ذاكرتك في الرجوع إلى عدد من السنوات سيزيد أو يقل على حسب عمرك الآن ..
أرجع معايا إلى أيام المدرسة الإبتدائي .. وبالتحديد في حصة اللغة العربية , التي كان يطاردك فيها بعبع إسمه الإملاء , لست أطمع بالطبع أن تتذكر إسم أول مدرس عربي ف حياتك , أو أول كلمة قمت بتمليها , بل أطلب منك أن تعود إلى تلك الأيام التي كان الأملاء فيها شيئا مهما في حياتك يترتب عليه معاملة أفضل من أستاذك , وتلقيك نظرات الحسد من زملائك , ومصروف أزيد من أهلك .
والحقيقة أني ليست لدي أهداف نبيلة أو دنيئة من فتح ملف الإملاء في حياتي وحياتك , كل ما هنالك أنني أحاول أن أتأمل معك كيف كنا نعتقد في بداية حياتنا خطأ أن الأملاء كان مجرد فرع في مادة نأمل أن ننجح فيها أو حتى نفشل فيها بشرف , بينما الإملاء في حقيقة الأمر هو أكبر من ذلك .. هو قدر يطاردنا طيلة حياتنا .. هو فلسفة تحكم حياتنا وتتحكم فيها في هذه البلاد التي لا يمشي حال المرء فيها إن لم يكن شاطرا في الإملاء .
الإملاء .. تأمل أساسا في هذه الكلمة البغيضة التي تعايشنا معها بحب وود حقيقي دون أن نحاول البحث عن بديل لها .. بديل يحقق نفس الغرض ولكن بشكل يحفظ ماء الوجه , بديل ليس فيه هذه الجملة اللعينة ( إكتب ما يُملى عليك ) .
والتي هي في حقيقة الأمر الجملة الأكثر تأثيرا ومركزية في حياتنا التعيسة من الخليج الهابر الى المحيط الحائر .. والتي يعيش فيها المواطن العربي دورة حياة من الإملاء .. في البيت يكتب ما يمليه عليه أبوه .. وأبوه يكتب ما تمليه عليه زوجته .. وزوجته تكتب ما تمليه عليها أمها .. وكل هؤلاء يملون على أبنائهم ما يجب أن يفعلوه في حياتهم .
في المدرسة .. المدرس يملي على الطلبة ما يمليه عليه خبراء وزارة التعليم .. وهؤلاء يُملي عليهم الوزير ما يجب أن يفعلوه .. والوزير يتملى من رئيس الوزراء ما أملاه عليه رئيس الجمهورية .. الذي يقول للصحفيين الذين يقفوا ليكتبوا ما يمليه عليهم من تأكيدات قاطعة بأنه لا يخضع لأي أملائات خارجية .. حتى لو كان الجميع يعلمون أنه يكتب ما يُملى عليه من البيت الأبيض .
في الجامعة .. يستمر الإملاء لكنه يصبح إختياريا فقط أو إجباريا بشكل مقنَّع .. فالطالب الشاطر هو الذي يتملى المحاضرات ويملأ منها الكشكول تلو الكشكول .. ويسمح لزملائة بتصوير ما تملاّه ليقوم الجميع بإعادة إملائة في ورقة الإجابة في الإمتحانات .. وأشطرهم في الأملاء والتملي هو الذي يتم تعيينه دكتورا في الجامعه ليساهم في إستمرار دورة الإملاء إلى الأبد .. أما الأقل شطارة فهو ينتقل إلى موقع من مواقع العمل الحكومي أو الخاص أو المختلط " ما تفرقش كتير " لأنه في كل الأحوال سيضطر رغم أنفه أن ينفذ ما يمليه عليه رئيسه في العمل دون أن يفكر في مناقشته أو معارضته أو تصويبه .. ولو أكرمه الله ورضى عنه رئيسه سيتمكن من الإستقرار والترقي وسيصح في مقدوره أن يتزوج زوجه يملي عليها ما يجب أن تفعله , وقد تكون هي أشطر منه في الإملاء فتملي عليه هي ما يجب أن يفعله .. وعندما يرزقهما الله بطفل سيشترك الإثنان في الإملاء عليه ما يجب أن يفعله , وسيذكرانه بأنه إذا أراد أن يرضي الله عنه فعليه أن يعيش كما يُملى عليه ويمشي جوه الحيط ..
وهكذا دواليك .
ولست أدري ماذا نقول لله عز وجل إذا سألنا يوم القيامة :
لقد خلقتكم أحرارا فلماذا قررتم أن تعيشوا كما يُملى عليكم ؟؟؟؟؟؟؟؟ .
ابن العراق
قارن ذلك بما تراه على قنوات الأخبار في المؤتمرات الصحفية التي تعقد في الدول المتقدمة , حيث يقف المسؤل في أقصى درجات التركيز والحذر أمام صحفيين كل منهم أقوى من الآخر في مهنته , يتعاملون مع المسؤل على أنه صيدة لابد أن يغنموا منها , بيد كل منهم دفتر ملاحظات صغير يدون فيه ما يراه مهما أو صالحا للنشر من كلام المسئول الذي لا يعرف ما سيسأله فيه الصحفيين وليس لديه أساسا ما يمليه عليهم .
لا تشغل نفسك الآن بالمقارنة بين صحفيين يكتبون ما يملى عليهم وصحفيين لا يجرؤ أحد أن يفكر في الأشارة إلى أنه يريد أن يُملي عليهم شيئا ..
عد لإسترجاع مشهد الصحفيين الواقفين للتسابق على ما سيمليه عليهم المسئول والتملي في جماله .. " سيِّف " هذا المشهد على سطح ذاكرتك لأننا سنتخدم ذاكرتك في الرجوع إلى عدد من السنوات سيزيد أو يقل على حسب عمرك الآن ..
أرجع معايا إلى أيام المدرسة الإبتدائي .. وبالتحديد في حصة اللغة العربية , التي كان يطاردك فيها بعبع إسمه الإملاء , لست أطمع بالطبع أن تتذكر إسم أول مدرس عربي ف حياتك , أو أول كلمة قمت بتمليها , بل أطلب منك أن تعود إلى تلك الأيام التي كان الأملاء فيها شيئا مهما في حياتك يترتب عليه معاملة أفضل من أستاذك , وتلقيك نظرات الحسد من زملائك , ومصروف أزيد من أهلك .
والحقيقة أني ليست لدي أهداف نبيلة أو دنيئة من فتح ملف الإملاء في حياتي وحياتك , كل ما هنالك أنني أحاول أن أتأمل معك كيف كنا نعتقد في بداية حياتنا خطأ أن الأملاء كان مجرد فرع في مادة نأمل أن ننجح فيها أو حتى نفشل فيها بشرف , بينما الإملاء في حقيقة الأمر هو أكبر من ذلك .. هو قدر يطاردنا طيلة حياتنا .. هو فلسفة تحكم حياتنا وتتحكم فيها في هذه البلاد التي لا يمشي حال المرء فيها إن لم يكن شاطرا في الإملاء .
الإملاء .. تأمل أساسا في هذه الكلمة البغيضة التي تعايشنا معها بحب وود حقيقي دون أن نحاول البحث عن بديل لها .. بديل يحقق نفس الغرض ولكن بشكل يحفظ ماء الوجه , بديل ليس فيه هذه الجملة اللعينة ( إكتب ما يُملى عليك ) .
والتي هي في حقيقة الأمر الجملة الأكثر تأثيرا ومركزية في حياتنا التعيسة من الخليج الهابر الى المحيط الحائر .. والتي يعيش فيها المواطن العربي دورة حياة من الإملاء .. في البيت يكتب ما يمليه عليه أبوه .. وأبوه يكتب ما تمليه عليه زوجته .. وزوجته تكتب ما تمليه عليها أمها .. وكل هؤلاء يملون على أبنائهم ما يجب أن يفعلوه في حياتهم .
في المدرسة .. المدرس يملي على الطلبة ما يمليه عليه خبراء وزارة التعليم .. وهؤلاء يُملي عليهم الوزير ما يجب أن يفعلوه .. والوزير يتملى من رئيس الوزراء ما أملاه عليه رئيس الجمهورية .. الذي يقول للصحفيين الذين يقفوا ليكتبوا ما يمليه عليهم من تأكيدات قاطعة بأنه لا يخضع لأي أملائات خارجية .. حتى لو كان الجميع يعلمون أنه يكتب ما يُملى عليه من البيت الأبيض .
في الجامعة .. يستمر الإملاء لكنه يصبح إختياريا فقط أو إجباريا بشكل مقنَّع .. فالطالب الشاطر هو الذي يتملى المحاضرات ويملأ منها الكشكول تلو الكشكول .. ويسمح لزملائة بتصوير ما تملاّه ليقوم الجميع بإعادة إملائة في ورقة الإجابة في الإمتحانات .. وأشطرهم في الأملاء والتملي هو الذي يتم تعيينه دكتورا في الجامعه ليساهم في إستمرار دورة الإملاء إلى الأبد .. أما الأقل شطارة فهو ينتقل إلى موقع من مواقع العمل الحكومي أو الخاص أو المختلط " ما تفرقش كتير " لأنه في كل الأحوال سيضطر رغم أنفه أن ينفذ ما يمليه عليه رئيسه في العمل دون أن يفكر في مناقشته أو معارضته أو تصويبه .. ولو أكرمه الله ورضى عنه رئيسه سيتمكن من الإستقرار والترقي وسيصح في مقدوره أن يتزوج زوجه يملي عليها ما يجب أن تفعله , وقد تكون هي أشطر منه في الإملاء فتملي عليه هي ما يجب أن يفعله .. وعندما يرزقهما الله بطفل سيشترك الإثنان في الإملاء عليه ما يجب أن يفعله , وسيذكرانه بأنه إذا أراد أن يرضي الله عنه فعليه أن يعيش كما يُملى عليه ويمشي جوه الحيط ..
وهكذا دواليك .
ولست أدري ماذا نقول لله عز وجل إذا سألنا يوم القيامة :
لقد خلقتكم أحرارا فلماذا قررتم أن تعيشوا كما يُملى عليكم ؟؟؟؟؟؟؟؟ .
ابن العراق