ميرا فلسطينية
13-10-2005, 06:35 AM
"ياكل الدنيا ويلتهمها باصبعيه", وان جعلت تراقبه فستجده فعلا يفعل هذا! و ما هو حقا غريب كيف كانت امه تملك قدرة خارقة في التدقيق في ملامحه ومواصفاته, وكانت تتقن الحديث عنه لحتى تجدها تنقله امامك كلوحة فنية الوانها ابداعات ادبية رائعة البلاغة. ويصبح شخصا بلحم ودم, يقف امامك وتراه حقا.
كان هو فعلا ياكل الدنيا باصبعيه! تنظر اليه فترى الدنيا هناك, امام نور وجهه ومن ثم في غضون ثوان تراه ياكل كل شيء, هكذا ببساطة!
بيتهم كان ضخما, او هكذا كان يبدو عليه من الخارج. كانه يمتد بلا نهاية, ولا تستطيع ان تحدد طبيعته. بناء لا يملك اي شكل معماري محدد , من جهة هو اقرب ما يكون لقلعة كبيرة, لكنه صغير نسبيا. متعدد الزوايا لكنه متعرج التصميم, وكل جهة فيه تختلف عن الجهة الاخرى بشكل يدهش الناظر اليه.
وليس من المبالغة القول ان اي وصف لهذا البيت لن يكفي ابدا لنقل الحقيقة. وقد قالوا كثيرا, انه ما من احد شاهدهذا البيت الا ويكمل طريقه غير قادر ٍ على ان يتذكر ما قد راى قبل بضع دقائق.
كان هنالك شي واحد فقط يعيق هذا التميز والوقار الذي يحيط به, وهو وجود بيت آخر قريب جدا منه. لا تدري كيف كان بالامكان ان يتواجد بيتان مختلفان ومتناقضان لهذه الدرجة في نفس المكان!
اما البيت المقهور المتطفل فقد كان بقبة بيضاء صغيرة, ويملئه السواد بكثافة كانما زرع فيه دون سابق انذار.
وكان التصاق البيت القزم القابع بتواضع الى جانب القلعة الصغيرة غير مفهوم ابدا, خاصة ان الاشجار المتشعبة كانت قد الغت منذ زمن أي امل في حل اللغز.
اما البيت المتقوقع الدخيل, فقد كان لام عمر. وكانت ام عمر هي"جارة الهنا". وما لبث ان اصبح هذا اسمها الذي تنادى به. لم تكن تغضب يوما من هذا اللقب, بل كانت تفرح به كثيرا. وفي كل مرة تسمعه كان وجهها المتجعد ينكمش ذهابا وايابا بتناغم, مبتسمة بعنفوان.
لم تكن ام عمر لتفهم لما ترفض ام زين ان تعترف بتميزها عن باقي اهل البلدة, وتستغرب بالاخص من رفضها لقب "جارة الهنا". وكان هذا الامر يثيرها لدرجة الاحتقان فيحمر وجهها كانما يحترق تحت اشعة شمس متوهجة.
ما قد زاد من سوء الوقف ان ذلك اللقب قد التصق بها ولا يبدو انه سيتركها حتى الممات, فلماذا لا تقبل به ام زين؟!
حاولت ام عمر ان تفهم سبب الموقف الغير مبرر, ولكنها حتى اليوم لم تجد جوابا او تفسيرا منطقيا يبرد من حقنها ويخفف من استياءها.
قبل عشر سنوات بالضبط, وفي مثل هذا اليوم, كانت مساحات الحياة قد مالت للاصفرار. ولم يكن ذلك بسبب السنابل الذهبية التى ملأت الدنيا توهجا فقط, بل تفاعلت هي ولون الهواء والشمس باندماج كامل, مع خبر اضاء سماء القرية المنحصرة بين جدران الحقول الامتناهية.
فكان اصلا اصفرار ذلك اليوم غير كل الايام المشابهة, وكان هذا ليكفي كي يتحول ذلك اليوم لمحطة لا تنسى في أذهان الناس الغارقين.
يتبع...
كان هو فعلا ياكل الدنيا باصبعيه! تنظر اليه فترى الدنيا هناك, امام نور وجهه ومن ثم في غضون ثوان تراه ياكل كل شيء, هكذا ببساطة!
بيتهم كان ضخما, او هكذا كان يبدو عليه من الخارج. كانه يمتد بلا نهاية, ولا تستطيع ان تحدد طبيعته. بناء لا يملك اي شكل معماري محدد , من جهة هو اقرب ما يكون لقلعة كبيرة, لكنه صغير نسبيا. متعدد الزوايا لكنه متعرج التصميم, وكل جهة فيه تختلف عن الجهة الاخرى بشكل يدهش الناظر اليه.
وليس من المبالغة القول ان اي وصف لهذا البيت لن يكفي ابدا لنقل الحقيقة. وقد قالوا كثيرا, انه ما من احد شاهدهذا البيت الا ويكمل طريقه غير قادر ٍ على ان يتذكر ما قد راى قبل بضع دقائق.
كان هنالك شي واحد فقط يعيق هذا التميز والوقار الذي يحيط به, وهو وجود بيت آخر قريب جدا منه. لا تدري كيف كان بالامكان ان يتواجد بيتان مختلفان ومتناقضان لهذه الدرجة في نفس المكان!
اما البيت المقهور المتطفل فقد كان بقبة بيضاء صغيرة, ويملئه السواد بكثافة كانما زرع فيه دون سابق انذار.
وكان التصاق البيت القزم القابع بتواضع الى جانب القلعة الصغيرة غير مفهوم ابدا, خاصة ان الاشجار المتشعبة كانت قد الغت منذ زمن أي امل في حل اللغز.
اما البيت المتقوقع الدخيل, فقد كان لام عمر. وكانت ام عمر هي"جارة الهنا". وما لبث ان اصبح هذا اسمها الذي تنادى به. لم تكن تغضب يوما من هذا اللقب, بل كانت تفرح به كثيرا. وفي كل مرة تسمعه كان وجهها المتجعد ينكمش ذهابا وايابا بتناغم, مبتسمة بعنفوان.
لم تكن ام عمر لتفهم لما ترفض ام زين ان تعترف بتميزها عن باقي اهل البلدة, وتستغرب بالاخص من رفضها لقب "جارة الهنا". وكان هذا الامر يثيرها لدرجة الاحتقان فيحمر وجهها كانما يحترق تحت اشعة شمس متوهجة.
ما قد زاد من سوء الوقف ان ذلك اللقب قد التصق بها ولا يبدو انه سيتركها حتى الممات, فلماذا لا تقبل به ام زين؟!
حاولت ام عمر ان تفهم سبب الموقف الغير مبرر, ولكنها حتى اليوم لم تجد جوابا او تفسيرا منطقيا يبرد من حقنها ويخفف من استياءها.
قبل عشر سنوات بالضبط, وفي مثل هذا اليوم, كانت مساحات الحياة قد مالت للاصفرار. ولم يكن ذلك بسبب السنابل الذهبية التى ملأت الدنيا توهجا فقط, بل تفاعلت هي ولون الهواء والشمس باندماج كامل, مع خبر اضاء سماء القرية المنحصرة بين جدران الحقول الامتناهية.
فكان اصلا اصفرار ذلك اليوم غير كل الايام المشابهة, وكان هذا ليكفي كي يتحول ذلك اليوم لمحطة لا تنسى في أذهان الناس الغارقين.
يتبع...