المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشيخ محمد الغزالي.. الفكر السامق والحركة الدائبة


بنت القسام
12-03-2006, 09:49 PM
http://img479.imageshack.us/img479/4066/29wo.jpg

توطئة:

كان الشيخ "محمد الغزالي" واحدًا من دعاة الإسلام العِظام، ومن كبار رجال الإصلاح، اجتمع له ما لم يجتمع إلا لقليل من النابهين؛ فهو مؤمن صادق الإيمان، مجاهد في ميدان الدعوة، ملكَ الإسلام حياته؛ فعاش له، ونذر حياته كلها لخدمته، وسخر قلمه وفكره في بيان مقاصده وجلاء أهدافه، وشرْح مبادئه، والذوْد عن حماه، والدفاع عنه ضد خصومه، لم يدع وسيلة تمكنه من بلوغ هدفه إلا سلكها؛ فاستعان بالكتاب والصحيفة والإذاعة والتلفاز في تبليغ ما يريد.

رزقه الله فكرًا عميقًا، وثقافة إسلامية واسعة، ومعرفة رحيبة بالإسلام؛ فأثمر ذلك كتبًا عدة في ميدان الفكر الإسلامي، تُحيي أمة، وتُصلح جيلاً، وتفتح طريقًا، وتربي شبابًا، وتبني عقولاً، وترقِّي فكرًا، وهو حين يكتب أديب مطبوع، ولو انقطع إلى الأدب لبلغ أرفع منازله، ولكان أديبًا من طراز حجة الأدب ونابغة الإسلام "مصطفى صادق الرافعي"، لكنه اختار طريق الدعوة؛ فكان أديبها النابغ.


ووهبه الله فصاحة وبيانًا، يجذب من يجلس إليه، ويأخذ بمجامع القلوب فتهوي إليه، مشدودة بصدق اللهجة، وروعة الإيمان، ووضوح الأفكار، وجلال ما يعرض من قضايا الإسلام؛ فكانت خُطبه ودروسه ملتقىً للفكر ومدرسة للدعوة في أي مكان حلَّ به، و"الغزالي" يملك مشاعر مستمِعِه حين يكون خطيبًا، ويوجِّه عقله حين يكون كاتبًا؛ فهو يخطب كما يكتب عذوبة ورشاقة، وخُطَبه قِطعٌ من روائع الأدب.


و"الغزالي" رجل إصلاح، عالم بأدواء المجتمع الإسلامي في شتَّى ربوعه، أوْقف حياته على كشف العلل، ومحاربة البدع وأوجه الفساد في لغة واضحة لا غموض فيها ولا التواء، يجهر بما يعتقد أنه صواب دون أن يلتفت إلى سخط الحكام أو غضب المحكومين، يحرّكه إيمان راسخ وشجاعة مطبوعة، ونفس مؤمنة.



المولد والنشأة:

في قرية "نكلا العنب" التابعة لمحافظة البحيرة بمصر وُلد الشيخ "محمد الغزالي" في (5 من ذي الحجة 1335هـ = 22 من سبتمبر 1917م)، ونشأ في أسرة كريمة، وتربّى في بيئة مؤمنة؛ فحفظ القرآن، وقرأ الحديث في منزل والده، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي، وظل به حتى حصل على الثانوية الأزهرية، ثم انتقل إلى القاهرة سنة (1356هـ = 1937م) والتحق بكلية أصول الدين، وفي أثناء دراسته بالقاهرة اتصل بالإمام "حسن البنا"، وتوثقت علاقته به، وأصبح من المقرَّبين إليه، حتى إن الإمام "البنا" طلب منه أن يكتب في مجلة (الإخوان المسلمين)؛ لما عهد فيه من الثقافة والبيان، فظهر أول مقال له وهو طالب في السنة الثالثة بالكلية، وكان "البنا" لا يفتأ يشجعه على مواصلة الكتابة حتى تخرَّج سنة (1360هـ = 1941م) ثم تخصص في الدعوة، وحصل على درجة (العالمية) سنة (1362هـ = 1943م)، وبدأ رحلتَه في الدعوة في مساجد القاهرة.


في ميدان الدعوة والفكر:

كان الميدان الذي خُلق له الشيخ "الغزالي" هو مجال الدعوة إلى الله على بصيرة ووعي، مستعينًا بقلمه ولسانه؛ فكان له باب ثابت في مجلة (الإخوان المسلمين) تحت عنوان (خواطر حيَّة) جلَّى قلمه فيها عن قضايا الإسلام ومشكلات المسلمين المعاصرة، وقاد حملات صادقة ضد الظلم الاجتماعي وتفاوت الطبقات وتمتُّع أقلية بالخيرات في الوقت الذي يُعاني السواد الأعظم من شظف العيش.
ثم لم يلبث أن ظهر أول مؤلفات الشيخ "الغزالي" بعنوان (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) سنة (1367هـ = 1947م) أبان فيه أن للإسلام من الفكر الاقتصادي ما يدفع إلى الثروة والنماء والتكافل الاجتماعي بين الطبقات، ثم أتبع هذا الكتاب بآخر تحت عنوان (الإسلام والمناهج الاشتراكية)، مكملاً الحلقة الأولى في ميدان الإصلاح الاقتصادي، شارحًا ما يراد بالتأمين الاجتماعي، وتوزيع الملكيات على السنن الصحيحة، وموضع الفرد من الأمة، ومسئولية الأمة عن الفرد، ثم لم يلبث أن أصدر كتابه الثالث (الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين).

والكتب الثلاثة تبين في جلاء جنوح الشيخ إلى الإصلاح في هذه الفترة المبكرة، ووُلُوجِه ميادين الكتابة- التي كانت جديدة تمامًا على المشتغلين بالدعوة والفكر الإسلامي-، وطرْقه سُبلاً لم يعهدها الناس من قبله، وكان همُّ معظم المشتغلين بالوعظ والإرشاد قبلَه الاقتصار على محارَبَة البِدَع والمنكرات.

في المعتقل:

ظل الشيخ يعمل في مجال الدعوة حتى ذاعت شهرته بين الناس لصدقه وإخلاصه وفصاحته وبلاغته، حتى هبّت على جماعة (الإخوان المسلمين) رياح سوداء؛ فصدر قرار بحلها في (صَفَر 1368هـ = ديسمبر 1948م)، ومصادرة أملاكها والتنكيل بأعضائها، واعتقال عدد كبير من المنضمِّين إليها، وانتهى الحال باغتيال مؤسس الجماعة تحت بصر الحكومة وبتأييدها، وكان الشيخ "الغزالي" واحدًا ممن امتدت إليهم يدُ البطش والطغيان، فأُودع معتقل الطور مع كثير من إخوانه، وظل به حتى خرج من المعتقل في سنة (1369هـ = 1949م) ليواصل عمله، وهو أكثر حماسًا للدعوة، وأشد صلابةً في الدفاع عن الإسلام وبيان حقائقه.

ولم ينقطع قلمه عن كتابة المقالات وتأليف الكتب، وإلقاء الخطب والمحاضرات، وكان من ثمرة هذا الجهد الدؤوب أن صدرت له جملة من الكتب كان لها شأنها في عالم الفكر مثل: (الإسلام والاستبداد السياسي)، الذي انتصر فيه للحرية وترسيخ مبدأ الشورى، وعدَّها فريضةً لا فضيلة، وملزِمة لا مُعْلِمة، وهاجم الاستبداد والظلم وتقييد الحريات، ثم ظهرت له تأملات في: الدين والحياة، وعقيدة المسلم، وخلق المسلم.



من هنا نعلم:

وفي هذه الفترة ظهر كتاب للأستاذ "خالد محمد خالد" بعنوان "من هنا نبدأ"، زعم فيه أن الإسلام دين لا دولة، ولا صلة له بأصول الحكم وأمور الدنيا، وقد أحدث الكتاب ضجةً هائلة وصخبًا واسعًا على صفحات الجرائد، وهلَّل له الكارهون للإسلام، وأثنَوا على مؤلِفه، وقد تصدى "الغزالي" لصديقه "خالد محمد خالد"، وفنَّد دعاوى كتابه في سلسلة مقالات، جُمعت بعد ذلك في كتاب تحت عنوان (من هنا نعلم).

ويقتضي الإنصاف أن نذكر أن الأستاذ "خالد محمد خالد" رجع عن كل سطر قاله في كتابه (من هنا نبدأ)، وألّف كتابًا آخر تحت عنوان (دين ودولة)، مضى فيه مع كتاب "الغزالي" في كل حقائقه، ثم ظهر له كتاب (التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام)، وقد ألفه على مضض؛ لأنه لا يريد إثارة التوتر بين عنصري الأمة، ولكن ألجأته الظروف إلى تسطيره ردًّا على كتاب أصدره أحد الأقباط، افترى فيه على الإسلام، وقد التزم "الغزالي" الحجة والبرهان في الرد، ولم يلجأ إلى الشدة والتعنيف، وأبان عن سماحة الإسلام في معاملة أهل الكتاب، وتعرض للحروب الصليبية وما جرّته على الشرق الإسلامي من شرور ووَيلات، وما قام به الإسبانيون في القضاء على المسلمين في الأندلس بأبشع الوسائل وأكثرها هولاً دون وازع من خُلق أو ضمير.



"الغزالي" وعبدالناصر:

بعد قيام ثورة 1952م، ونجاح قادتها في إحكام قبضتهم على البلاد، تنكروا لجماعة (الإخوان المسلمين) التي كانت سببًا في نجاح الثورة واستقرارها، ودأبوا على إحداث الفتنة بين صفوفها، ولولا يقظة المرشد الصلب "حسن الهضيبي" وتصديه للفتنة لحدث ما لا تُحمد عقباه، وكان من أثر هذه الفتنة أن شبّ نزاع بين "الغزالي" والإمام المرشد انتهى بفصل "الغزالي" من الجماعة وخروجه من حظيرتها.

وقد تناول "الغزالي" أحداث هذا الخلاف، وراجع نفسه فيها، وأعاد تقدير الموقف، وكتب في الطبعة الجديدة من كتابه (من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث)، وهو الكتاب الذي دوّن فيه "الغزالي" أحداث هذا الخلاف فقال: "لقد اختلفت مع المغفور له الأستاذ "حسن الهضيبي، وكنت حادَّ المشاعر في هذا الخلاف؛ لأنني اعتقدّت أن بعض خصومي أضغنوا صدر الأستاذ "حسن الهضيبي" لينالوا مني، فلما التقيت به- عليه رحمة الله- بعد أن خرج من المعتقل تذاكرنا ما وقع، وتصافَينا، وتنَاسَينا ما كان، واتفقت معه على خدمة الدعوة الإسلامية، وعفا الله عما سلف".


وهذا مما يحسب لـ"الغزالي"، فقد كان كثير المراجعة لما يقول ويكتب، ولا يستنكف أن يؤوب إلى الصواب ما دام قد تبين له، ويعلن عن ذلك في شجاعة نادرة لا نعرفها إلا في الأفذاذ من الرجال.
وظل الشيخ في هذا العهد يجأر بالحق ويصدع به، وهو مغلول اليد مقيد الخطو، ويكشف المكر السيئ الذي يدبره أعداء الإسلام، من خلال ما كتب في هذه الفترة الحالكة السواد مثل: (كفاح دين)، (معركة المصحف في العالم الإسلامي)، و(حصاد الغرور)، و(الإسلام والزحف الأحمر).


ويُحسب لـ"الغزالي" جرأته البالغة وشجاعته النادرة في بيان حقائق الإسلام، في الوقت الذي آثر فيه الغالبية من الناس الصمت والسكون؛ لأن فيه نجاة حياتهم من هول ما يسمعون في المعتقلات، ولم يكتفِ بعضهم بالصمت المهين، بل تطوع بتزيين الباطل لأهل الحكم وتحريف الكلم عن مواضعه، ولن ينسى أحد موقفه في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية الذي عُقد سنة (1382هـ = 1962م) حيث وقف وحده أمام حشود ضخمة من الحاضرين يدعو إلى استقلال الأمة في تشريعاتها، والتزامها في التزيِّي بما يتفق مع الشرع، وكان لكلام "الغزالي" وقعُه الطيب في نفوس المؤمنين الصامتين في الوقت الذي هاجت فيه أقلام الفتنة، وسلطت سمومها على الشيخ الأعزل فارس الميدان، وخرجت جريدة (الأهرام) عن وقارِها وسخِرت من الشيخ في استهانة بالغة، لكن الأمة التي ظُن أنها قد استجابت لما يُدبَّر لها خرجت في مظاهرات حاشدة من الجامع الأزهر، وتجمَّعت عند جريدة الأهرام لتثأر لكرامتها وعقيدتها ولكرامة أحد دعاتها ورموزها، واضطُّرت جريدة الأهرام إلى تقديم اعتذار.



في عهد السادات:

واتسعت دائرة عمل الشيخ في عهد الرئيس "السادات"، وخاصةً في الفترات الأولى من عهده التي سُمح للعلماء فيها بشيء من الحركة، استغله الغيورون من العلماء؛ فكثفوا نشاطهم في الدعوة، فاستجاب الشباب لدعوتهم، وظهر الوجه الحقيقي لمصر، وكان الشيخ "الغزالي" واحدًا من أبرز هؤلاء الدعاة، يقدمه جهده وجهاده ولسانه وقلمه، ورزقه الله قبولاً وبركةً في العمل؛ فما كاد يخطب الجمعة في جامع "عمرو بن العاص"- وكان مهملاً لسنوات طويلة- حتى عاد إليه بهاؤه، وامتلأت أروِقته بالمصلين.

ولم يتخلَّ الشيخ "الغزالي" عن صراحته في إبداء الرأي، ويقظته في كشف المتربصين بالإسلام، وحكمته في قيادة من ألقوا بأزمّتهم له، حتى إذا أعلنت الدولة عن نيتها في تغيير قانون الأحوال الشخصية في مصر، وتسرب إلى الرأي العام بعض مواد القانون التي تخالف الشرع الحكيم؛ قال الشيخ فيها كلمته، بما أغضب بعض الحاكمين، وزاد من غضبهم التفاف الشباب حول الشيخ، ونقده بعض الأحوال العامة في الدولة، فضُيق عليه وأُبعد عن جامع (عمرو بن العاص)، وجُمّد نشاطه في الوزارة، فاضطُّر إلى مغادرة مصر للعمل في جامعة (أم القرى) بالمملكة العربية السعودية، وظل هناك سبع سنوات لم ينقطع خلالها عن الدعوة إلى الله، في الجامعة أو عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.



في الجزائر:

ثم انتقل الشيخ "الغزالي" إلى الجزائر ليعمل رئيسًا للمجلس العلمي لجامعة (الأمير عبدالقادر) الإسلامية بقسطنطينة، ولم يقتصر أثر جهده على تطوير الجامعة، وزيادة عدد كلياتها، ووضع المناهج العلمية والتقاليد الجامعية، بل امتد ليشمل الجزائر كلها؛ حيث كان له حديث أسبوعي مساء كل يوم اثنين يبثه التلفاز، ويترقَّبه الجزائريون لما يجدون فيه من معانٍ جديدة وأفكار تعين في فهم الإسلام والحياة، ولا شك أن جهاده هناك أكمل الجهود التي بدأها زعيما الإصلاح في الجزائر: عبدالحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، ومدرستهما الفكرية.

ويقتضي الإنصاف القول إن الشيخ كان يلقَى دعمًا وعونًا من رئيس الدولة الجزائرية "الشاذلي بن جديد"، الذي كان يرغب في الإصلاح، وإعادة الجزائر إلى عروبتها بعد أن أصبحت غريبة الوجه واللسان، وبعد السنوات السبع التي قضاها في الجزائر عاد إلى مصر ليستكمل نشاطه وجهاده في التأليف والمحاضرة.



"الغزالي" بين رجال الإصلاح:

يقف "الغزالي" بين دعاة الإصلاح كالطود الشامخ، متعدد المواهب والملَكات، راض ميدان التأليف؛ فلم يكتفِ بجانب واحد من جوانب الفكر الإسلامي؛ بل شملت مؤلفاته: التجديد في الفقه السياسي ومحاربة الأدواء والعلل، والرد على خصوم الإسلام، والعقيدة والدعوة والأخلاق، والتاريخ والتفسير والحديث، والتصوف وفن الذكر، وقد أحدثت بعض مؤلفاته دويًّا هائلاً بين مؤيديه وخصومه في أخريات حياته مثل كتابَيه: (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) و(قضايا المرأة المسلمة).
وكان لعمق فكره وفهمه للإسلام أن اتسعت دائرة عمله لتشمل خصوم الإسلام الكائدين له، سواءٌ أكانوا من المسلمين أو من غيرهم، وطائفة كبيرة من كتبه تحمل هذا الهمّ، وتسدُّ تلك الثغرة بكشف زيغ هؤلاء، ورد محاولاتهم للكيد للإسلام.

أما الجبهة الأخرى التي شملتها دائرة عمله فشملت بعض المشتغلين بالدعوة الذين شغلوا الناس بالفروع عن الأصول وبالجزئيات عن الكليات، وبأعمال الجوارح عن أعمال القلوب، وهذه الطائفة من الناس تركزت عليهم أعمال الشيخ وجهوده؛ لكي يفيقوا مما هم فيه من غفلة وعدم إدراك، ولم يسلم الشيخ من ألسنتهم، فهاجموه في عنف، ولم يراعوا جهاده وجهده، ولم يحترموا فكره واجتهاده، لكن الشيخ مضى في طريقه دون أن يلتفت إلى صراخهم.


وتضمنت كتبه عناصر الإصلاح التي دعا إليها على بصيرة؛ لتشمل تجديد الإيمان بالله وتعميق اليقين بالآخرة، والدعوة إلى العدل الاجتماعي، ومقاومة الاستبداد السياسي، وتحرير المرأة من التقاليد الدخيلة، ومحاربة التدين المغلوط، وتحرير الأمّة وتوحيدها، والدعوة إلى التقدم ومقاومة التخلف، وتنقية الثقافة الإسلامية، والعناية باللغة العربية.


واستعان في وسائل إصلاحه بالخطبة البصيرة، التي تتميز بالعرض الشافي والأفكار الواضحة التي يعد لها جيدًا، واللغة الجميلة الرشيقة، والإيقاع الهادئ والنطق المطمئن؛ فلا حماسة عاتية تهيج المشاعر والنفوس، ولا فضول في الكلام يُنسي بضعه بعضًا، وهو في خُطَبه معلِّم موجه، ومصلح مرشد، ورائد طريق يأخذ بيد صاحبه إلى بَر الأمان، وخلاصة القول إن الغزالي توافرت فيه من ملكات الإصلاح ما تفرق عند غيره؛ فهو: مؤلف بارع، ومجاهد صادق، وخطيب مؤثر، وخبير بأدواء المجتمع بصير بأدويته.



من أهم مؤلفاته

- الإسلام والأوضاع الاقتصادية (وهو أول كتبه 1947م)
- السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث.

- قضايا المرأة المسلمة.

- فقه السيرة.

- دستور الوحدة الثقافية (وهو شرح للأصول العشرين).

- من هنا نعلم.

- قذائف الحق.

- ركائز الإيمان.

- الإسلام والاستبداد السياسي.

- علل وأدوية.



الوفاة:

لقي الشيخ ربه وهو في الميدان الذي قضى فيه عمره كله- حيث كان في مؤتمر للدعوة الإسلامية بالرياض، واحتد النقاش في مسألة متعلقة بالعقيدة فانبرى الشيخ موضحًا ومعلمًا فأصيب بأزمة قلبية تُوفي على أثرها- رحمه الله- في (19 من شوال 1270هـ = 9 من مارس 1996م)، ودُفِن بالبقيع في المدينة المنورة.



يتبع ....

بنت القسام
12-03-2006, 09:58 PM
http://img451.imageshack.us/img451/9531/14nn.jpg

الشيخ محمد الغزالي

تمر بنا هذه الأيام الذكرى العاشرة لوفاة رجل عزيز على أنفسنا حبيب إلى قلوبنا، فقدت الدعوة الإسلامية المعاصرة بموته عَلمًا من أعلامها، وكوكبًا من كواكب الهداية في سمائها؛ لأنه عاش حياته لخدمة الإسلام ومات وهو يدافع عن قضايا الإسلام، إنه الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي- عليه رحمة الله ورضوانه-.
لقد شقَّ قلمه المضيء حجب ظلمات الجهل والبعد عن الله ما يزيد على نصف قرن، فاستضاءت أجيال متعاقبة بهذا القلم الصَّيِّب والكلم الطيب، وقد وجدت هذه الأجيال بغيتها عنده، فأصغى لدرر محاضراته الملايين من المسلمين في المشارق والمغارب، وأخرجت المطابع هذا الكلم الرفيع كتبًا ورسائل ومقالات دبجها يراع داعيتنا الكبير تُزوِّد جيل العودة إلى الله بالبحث والحوار العلمي والتوجيه إلى طريق الرشد في ظل القرآن وتحت رايته.



عُرف الشيخ بنصحه للمسلمين وترشيده لمسار الدعوة إلى الله عز وجل، وأطلق العنان للدعاة يوم كان مسئولاً عن الدعوة في وزارةِ الأوقاف، وله جولاته في مقاومةِ الزحف الأحمر والمد التنصيري، وقد جأر في وجه التيار العلماني الذي حاول سلخ الأمة من عقيدتها وشخصيتها المتميزة، ووقف مع الأزهر ذائدًا عن حماه، عاملاً على إحياء رسالته.



طوف العالم الإسلامي الواسع فعمل بالمملكة العربية السعودية بجامعة الملك عبد العزيز وجامعة أم القرى سبع سنوات، ودافع عن السعودية وعن مؤسسيها، ولكن بعد مغادرته لها حتى لا يُتَّهم، وأبان للعالم أنها دولة دعوة، وعمل في قطر، فساهم في بناء كلية الشريعة هناك، وفي الكويت كانت له لقاءات دورية أفاد بها كثيرًا من المسلمين وعرفته المؤتمرات في أوروبا وأمريكا وفي مشرقنا الإسلامي العريض، كما ذهب إلى الجزائر ليعمل مديرًا لجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة والتي بدأها بكلية واحدة في حين أنها الآن تضم كليات تنتظم الجزائر كلها.



لقد كرس حياته كلها في خدمة الدعوة الإسلامية، والجهاد من أجل إعادة الهوية العربية والإسلامية لكثير من شعوب العالم، على رأسها مصر والجزائر، قضى ما يزيد على شطر حياته الأول في محاربة الاستبداد السياسي، وبيان مكائد الاستعمار، والتحدي للتيار العلماني والزحف الأحمر، وصد طعنات المستشرقين وسماسرتهم في القرآن والسنة، وتوضيح معالم الإسلام، وإرساء قواعد الدعوة إلى الله تعالى، بينما كان شطر حياته الثاني مركَّزًا في محاربة الفهم المغلوط للإسلام، والإنكار الشديد على العقول السقيمة والفكر السطحي والفقه البدوي الذي يصطلي بشُواظٍ من نارٍ أُفْعم بها قلب الشيخ وقلمه ولسانه.



كان- رحمه الله- لا يستريح للعقول المعتلة، ويضيق ذرعًا بالآفاق الضيقة، فمن أقواله: "الضمير المعتل والفكر المختل ليسا من الإسلام في شيء، وقد انتمت إلى الإسلام أمم فاقدة الوعي عوجاء الخطى قد يحسبها البعض أُممًا حيةً ولكنها مغمى عليها.. والحياة الإسلامية تقوم على فكرٍ ناضرٍ.. إذ الغباء في ديننا معصية".



ويحتد كثيرًا- ولا ينبغي أن تهدم الحدة ما بنته الفطنة- على الطباع الغليظة الجافة، والقلوب المتكبرة القاسية، ومن أقواله: "أكره أصحاب الغلظة والشراسة، لو كان أحدهم تاجرًا واحتجت إلى سلعةٍ عنده ما ذهبت إلى دكانه، ولو كان موظفًا ولي عنده مصلحة ما ذهبت إلى ديوانه، لكن البلية العظمى أن يكون إمام صلاة أو خطيب جمعة أو مشتغلاً بالدعوة، إنه يكون فتنة متحركة متجددة يصعب فيها العزاء".



وقال أيضًا: "إذا لم يكن الدين خلقًا دمثًا ووجهًا طليقًا وروحًا سمحةً وجوارًا رحبًا وسيرةً جذابةً فما يكون؟! وقبل ذلك إذا لم يكن الدين افتقارًا إلى الله، وانكسارًا في حضوره الدائم، ورجاء في رحمته الواسعة، وتطلعًا إلى أن يعم خيره البلاد والعباد فما يكون؟!".




تخرَّج على يديه الكثير من المفكرين والعلماء، فقد نجح- رحمه الله- في تكوين مدرسة فكرية انطلق منها العديد من أعلامِ العصر، على رأسهم: الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور محمد عمارة، والدكتور أحمد العسال، والدكتور عبد الحليم عويس، والمرحوم الدكتور محمود حماية، والدكتور محمد سليم العوَّا، والدكتور عماد الدين خليل، وغيرهم كثير.



وقد تمتع الشيخ- رحمه الله- بثقافة موسوعية أنتجت لنا العديد من الكتب في شتى نواحي الفكر والمعرفة، فنجد له تراثًا في العقيدة والتفسير، والأخلاق والتصوف، والفكر والفلسفة، والأدب والدعوة، والإصلاح والتغيير، وغيرها.



ألف الشيخ محمد الغزالي في الإسلام أكثر من خمسين كتابًا، وعمل للإسلام أكثر من خمسين عامًا، وكان يصلي خلفه في الجمعةِ ما يزيد على المائةِ ألف، وفي العيدين نصف مليون.



يعد الشيخ محمد الغزالي في صفوة مجتهدي فقه الدعوة، وهو في ذلك يدور بين أجري الاجتهاد بإصابة الحق، أو الأجر للاجتهاد الذي يجانب الصواب، ويقيني أنه في البحث عن إصابة الحق يبذل جهده ووجده.



وقد كان فقيد الدعوة- رحمه الله- مهتمًا بأمرِ الفكر والفقه؛ حيث كان يرى أنَّ هذا الميدان ينتظر مَن ينهض به ويجدده، كما كان ينعي حال الأمة مرارًا وتكرارًا، ويكدر صفوه تخلفها وتأخرها، وأنها فاشلة في شئون الدنيا، حتى أنها تحيا عالةً على غيرها من الأممِ في طعامها وشرابها، يقول- عليه الرضوان-: "إنَّ اضمحلال العقل الإسلامي واضح في أغلبِ ميادين الفقه! وعدد كبير من المشتغلين بفقه العبادات أو المعاملات يحسن النقل التقليدي أكثر مما يحسن الوعي والاجتهاد، ويغلب عليه ضيق الأفق ولزوم ما لا يلزم!! أما الفشل في شئون الدنيا فأمره مخجل حتى إنَّ ما نأكله من طعامٍ أو ما نأخذه من دواءٍ أو ما نرتديه من لباسٍ يصنعه لنا غيرنا!! وأما صناعات السلاح وما يحمي الشرف ويصون الإيمان فشيء لا ناقةَ لنا فيه ولا جمل...".



وجانب آخر في شخصية الشيخ- وما أكثر جوانب شخصيته- هو الجانب الروحي البارز، الإيماني الرفيع، ويكاد هذا الجانب يختفي في شخصية الشيخ عند كثير من الناس بين يدي الحملات التي يشنها الشيخ بقلمه ولسانه على التدين المغشوش والفهم المغلوط، بينما المتأمل في كتاباته المتذوق لها يجدها كتبت بقلب مليء بحب الله، مفعم بحب رسوله وأتباعه، وقد كانت للشيخ وقفات مع نفسه، وأسرار بينه وبين ربه، فبعد أن اعتكف إحدى الرمضانات خرج يقول: "لقد أدركتُ الآن لماذا آثر أبو حامد الغزالي أن يعتزل الناس ولو قليلاً".



ومن حبه لله اهتمامه بالقرآن، ابتداءً من التصفح والقراءة، ومرورًا بالفهم والتدبر وتقديمه في الفهم عن السنة التي تشرحه وتُبينه، وانتهاء بالعمل والتحكيم، وجهود الشيخ التي خلفها عن القرآن خير شاهد على ذلك.



ومن حبه لرسوله- عليه الصلاة والسلام- ما تشعر به في كتابه الماتع "فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء"، وكتابه "فقه السيرة" الذي يفيض بحبه للنبي الكريم، والذي كتبه في ظلال الروضة الشريفة ودمعه يختلط بالمداد، قال فيه: "إنني أكتب في السيرة كما يكتب جندي عن قائده، أو تابع عن سيده، أو تلميذ عن أستاذه.. إن المسلم الذي لا يعيش الرسول في ضميره، ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره، لا يغني عنه أبدًا أن يحرك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة".



ظل الشيخ الغزالي رافعًا سيفه شاهرًا قلمه مبلغًا عن الله ورسوله، لا تثنيه رغبة ولا تصده رهبة، لا يغريه وعد أو يرهبه وعيد، حتى وافاه الأجل المحتوم وهو في مؤتمر بالرياض 9/3/1996م، ودُفن مع شهداء أحد، في البقيع بين الإمام مالك والإمام نافع، رحم الله الجميع وأخلف الأمة فيهم خيرًا.





بقلم: وصفي عاشور أبو زيد
باحث مصري في العلوم الشرعية
إخوان أون لاين

يتبع ....

بنت القسام
12-03-2006, 10:06 PM
عشرة أعوام مرت على فقدنا له، وما زلنا نفتقده حتى الآن وسنظل، ولكن عزاءنا فيه ذلك التراث الثري الذي تركه لنا، عبر كتبه ومقالاته وخطبه وأحاديثه.

ونحن لا نفتقد الغزالي عالمًا فقط، بل نفتقد جرأته في الحق، ونفتقد فهمه العميق لقضايا الأمة، ونفتقد تشخيصاته الدقيقة لعللها ووصفه لأدويتها، ونفتقد نظرته في تجديد الحياة، ونفتقد الأخلاق التي أصَّلها، والعقيدة التي يسرها وثبَّتها، وتأملاته في الدين والحياة، ونفتقد ذبَّه عن الإسلام ما ليس فيه، ونفتقد دفاعه عن الشريعة ضد مطاعن أعدائها، ونفتقد الفن الذي علمنا إياه في ذكر الله عز وجل ودعائه، ونفتقد الوحدة الثقافية بين المسلمين التي وضع دستورها، ونفتقد صدعه بالحق رغم مرارته.

ليس هذا كلامي أنا فقط، ولكنه أيضًا كلام علماء ومفكرين لهم وزنهم وثقلهم في الأمة..

http://img123.imageshack.us/img123/3376/13oo1.jpg

قال عنه العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في نهاية كتابه عنه: "والحق أن هذه الدراسة أثبتت أننا أمام قائد كبير من قادة الفكر والتوجيه، وإمام فذّ من أئمة الفكر والدعوة والتجديد. بل نحن أمام مدرسة متكاملة متميزة من مدارس الدعوة والفكر والإصلاح"
أما المفكر المعروف الدكتور محمد عمارة فيقول عنه: "لقد أدركت -وأنا الذي سبق ودرست الآثار الفكرية لأكثر من ثلاثين من أعلام الفكر الإسلامي، وكتبت عنهم الكتب والدراسات- أدركت أنني حيال الشيخ الغزالي لست بإزاء مجرد داعية متميز، أو عالم من جيل الأساتذة العظام، أو مؤلف غزير الإنتاج، أو مفكر متعدد الاهتمامات، أو واحد من العاملين على تجديد فكر الإسلام لتتجدد به حياة المسلمين.. أدركت أنني بإزاء جميع ذلك، وأكثر منه وأهم"

ويقول عنه الدكتور عبد الصبور شاهين وهو يقدم خطب الشيخ: "والحق أن كتابا يوضع على غلافه اسم الأستاذ الغزالي لا يحتاج إلى تقديم؛ فحسبه في تقديري أن يُتوَّج بهذا العلم الخفاق، وقد قرأَتِ الدنيا له عشرات الكتب في الإسلام ودعوته، وتلقت عنه ما لم تتلقَّ عن أحد من معاصريه، حتى إن عصرنا هذا يمكن أن يطلق عليه في مجال الدعوة: عصر الأستاذ الغزالي"

وهذا الكاتب السوري الأستاذ عمر عبيد حسنة يقول عن الشيخ في تقديمه لأول إصدار من سلسلة "كتاب الأمة": "فهو يعتبر بحق أحد شيوخ الدعوة الحديثة وفقهائها، يحمل تاريخ نصف قرن أو يزيد من العمل الإسلامي، وهو أحد معالم الحركة الإسلامية الحديثة ورموزها"

ورغم كل هذه الأقوال التي لم نحصها فإنها على كثرتها لم توفِّ هذا الرجل حقه؛ فقدره أكبر من أن تحصيه الكلمات، نحسبه كذلك ولا نزكيه على خالقه جل وعلا.

بنت القسام
12-03-2006, 10:16 PM
http://img147.imageshack.us/img147/8544/17ob3.jpg
الشـيخ مـحـمد الـغـزالـي.. الداعية الأديب

رحل الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ إلى ربه فجأة، تاركاً وراءه رصيداً كبيراً من الكتب والمقالات والدراسات الفكرية، وتجربة غنية في مجال الدعوة إلى الله، في هذا القرن الذي شهدت فيه الأمة الإسلامية تحديات عظيمة، كان أعظمها سقوط الخلافة الإسلامية، ثم هذا التردي الحضاري الذي يعيشه المسلمون اليوم بعدما تركوا قيم الإسلام ومبادئه، ثم إنهم تركوا زمام المبادرة إلى أمم أخرى لتصنع التاريخ، وتبني المدنيات وفق المناهج الوضعية، فكان أن هيمنت الفلسفات المادية، وسادت النظريات الغربية التي لا تعترف لله بسلطة أو وجود، وقد ظل الشيخ الغزالي بما حباه الله من عمق في الفكر، وسعة في الصدر، وبعد في النظر، يصارع تلك الفلسفات الغريبة، والأنظمة الملحدة، داعياً إلى تصحيح المنهج، وتقويم التصور، والعودة إلى ينابيع الإسلام الصافية.

وظل الشيخ طوال خمسين سنة مرشداً للصحوة الإسلامية، ومدافعاً عن الإسلام في معاركه مع القوى المضادة، وظل يدعو إلى الفهم السليم في التعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الإسلامي العريض، هذا مع الاستفادة من معطيات العصر النافعة في مجال العلوم والتقنية الحديثة.

وترك ـ رحمه الله ـ مكتبة ضخمة من الكتب الفكرية، والدراسات الدعوية التي يجد فيها الناس والدعاة بشكل خاص الفائدة الفكرية، والمتعة الوجدانية، وذلك لما تميزت به هذه الكتب من فخامة في الأسلوب، وبراعة في الإنشاء، وجمال في التعبير.

رصيد الداعيةولغة الخطاب:

إن الحديث عن تجربة الشيخ الغزالي الواسعة في مجال الدعوة الإسلامية، وجهوده خلال فترة زمنية زادت على نصف قرن أمر قد تستوعبه أكثر من دراسة علمية متخصصة، وفي هذا المقال لن نسلط الضوء على هذا الجانب، بل سيكون الحديث حول جانب آخر برع فيه الشيخ وهو توظيف الأدب في خدمة الدعوة، سواء أكان ذلك في لغة الخطاب والمحادثة أم في مجال التعبير بالكتابة، وهو من الجوانب التي لا يحسنها كثير من الدعاة، ذلك أن الدعوة الإسلامية هي كلمة تقال، وفكرة تثار، فإذا أحسن الداعية التعبير عنها مع وجود عناصر الإخلاص والصواب والقدوة الحسنة آتت الدعوة أكلها بإذن الله تعالى، وأدت وظيفتها في مجال تغيير النفوس وبنائها.

وإذا تحدثنا بإنصاف عن الشيخ فإننا سنجده قد وفق أيما توفيق في التعامل مع الكلمة وطرق أدائها، واختيار الوسائل الخطابية التي تناسب الناس في هذا العصر الذي تنوعت فيه الثقافات، وامتزجت فيه الأفكار، وأصبح التفاوت بين الناس واضحاً في جميع مستويات الحياة الفكرية والثقافية، أذكر منذ فترة وأنا شاب ممتلئ بالحماسة الإسلامية كنت أتطلع إلى معرفة بعض الجوانب المشرقة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فوقع بين يدي كتاب للشيخ الغزالي اسمه "فقه السيرة" وبعد أن قرأت منه بعض الصفحات شدني أسلوبه الأدبي الرائع وطريقة عرضه لحلقات السيرة الشريفة، فقد كان الأسلوب يجمع بين عمق الفكرة وجمال التعبير، وقد بدا واضحاً لي أن الشيخ حريص على تقديم السيرة النبوية بأسلوب أدبي شائق يحقق الإقناع والإمتاع في آن واحد، ذلك لاقتناعه التام بضرورة التجديد في أساليب الخطاب تلبية لحاجات الناس وأذواقهم في هذا العصر.
وعلى غرار فنه الأدبي الجميل في الكتابة عُرف الشيخ بفصاحة اللسان، وبراعة الخطابة، وحسن الإلقاء، وأذكر في هذا المقام تلك الدروس التي كان يقدمها في التلفاز الجزائري، وعُرفت «بحديث الإثنين»، فقد كان يتابعها آلاف الناس، حتى أولئك الذين لم يؤتوا حظاً من الثقافة، وحين تسأل عن سر ذلك النجاح يقال لك: إنه سحر الكلمة، وصدق العاطفة، وجمال الأدب.

الأدب في خدمة الدعوة:

إن المتابع لكتابات الشيخ لابد أن يلحظ أن جلها مطبوع بالطابع الأدبي، وإن كان موضوعها هو الفكر والعقيدة والدعوة الإسلامية، ويتجلى هذا الطابع الأدبي في جانبين:
أولهما: توظيف النماذج الأدبية الراقية في خدمة الفكر الإسلامي.
ثانيهما: اختيار الأسلوب الأدبي الجميل في التعبير والإنشاء.

أما الجانب الأول فإن الشيخ كثيراً ما كان يوظف النماذج الأدبية الراقية، سواء أكانت شعراً أم نثراً، في خدمة فكرة يريد بثها، وغرسها في النفوس، فهو يختار بحسه الأدبي ما يراه مناسباً من الموروث القديم، ومن الإنتاج الحديث، ويمزجه بالحقائق الدينية ويعرضه في وقته ومكانه المناسبين، ليلائم به أذواق الناس ويلبي حاجتهم إلى القيمة الفكرية والمتعة الأدبية، وهو يدرك بلاشك أن الأدب في هذا العصر أصبح بفنونه وأساليبه المختلفة يجذب قطاعاً عريضاً من الناس، وأصبح الذوق بشكل عام ميالاً إلى اكتساب المعرفة والثقافة بطرق فيها يسر واقتصاد، وفيها ـ أيضاً ـ جاذبية وإمتاع.

إن الخطاب الفكري والدعوي في حاجة ماسة إلى لغة تخاطب العقل والوجدان، لتدخل إلى النفوس من منافذها المختلفة، وتحقق غايتي الإقناع والإمتاع ـ سيراً على نهج القرآن الكريم وأسلوبه الفريد ـ ذلك أن الإبداع في اللغة حاجة يقتضيها كل عصر، وبخاصة في عصرنا الحالي الذي عرفنا فيه أنواعاً من الألوان الأدبية، والثقافات المتباينة، هذا بالإضافة إلى تلك التغييرات التاريخية الجذرية، والأحداث الكبرى التي حدثت فيه، وأصبح هذا العصر كما يقول مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ كأنه النهر قرب شاطىء البحر، وقد بلغ المصب بعد أن تجمعت فيه جميع روافده من المياه التي انحدرت من أعالي الجبال في أقصى داخل البلاد.

ومع هذا الركام من الثقافات، والصراع بين الأفكار، والتفاوت بين المجتمعات، كان لابد من التجديد في الوسائل والطرق الدعوية التي من شأنها أن تكسب روح الجماعات، سواء أكانت إسلامية أم غير إسلامية، واللغة هي أداة الفكر، وهي الوسيلة الأساسية المستخدمة في مجالات الدعوة والإعلام، والتغيير والبناء، ولأهميتها الكبيرة حرص الشيخ في الجانب الثاني على اختيار اللغة الجميلة، والأسلوب الأدبي اللطيف في الكتابة والتعبير.

حين كتب الشيخ كتابه «عقيدة المسلم» دعا إلى عرض العقيدة الإسلامية بأسلوب يجمع بين فخامة اللغة وجمالها، ودقة المعنى ووضوحه لتميل إليها النفوس، وتعلق بها القلوب، وقد حرص على تطبيق هذه الدعوة في كتابه هذا مخالفاً بذلك كثيراً من العلماء قديماً وحديثاً، ممن كانوا يعرضون العقيدة في قوالب جامدة، وأساليب عقيمة، بل كثيراً ما كانوا يقحمون خلافات أهل الكلام، واختلافات أهل الجدل حول مسائل العقيدة في كتبهم، فكيف يكون حال متلقي العقيدة من هذا كله؟ إنه مثل الصياد الجائع الذي يقضي نهاره في اللهث وراء الأسماك السابحة في النهر، وفي آخر النهار يذهب بخفي حنين.

يقول في هذا ـ رحمه الله ـ: «إذا كان علم التوحيد على النحو الذي وصفنا (3)، فإن كتبه التي تشيع بيننا الآن فشلت في أداء رسالتها شكلاً ومضموناً، فمن ناحية الشكل لا معنى ألبتة لعرض علم ما في توزيع مضطرب بين متن وشرح وحاشية وتقرير، وفي لغة ركيكة، سقيمة الأداء، لغة تصور سقوط البلاغة العربية في عهد الحكم التركي».(4)

ثم يتحدث عن أهمية الأدب في هذا العصر، وعن وظيفته المفقودة عندنا حين نحاول عرض العقيدة وتقديمها للناس، في حين تجد أصحاب العقائد المنحرفة يعرضونها في أجمل صورة، يقول: «تطور الأدب في عصرنا هذا لا ينكر، وقد بلغ من تمكن المؤلفين والمتأدبين في اللغة أن تناولوا الموضوعات التافهة فأخرجوها في ألبسة زاهية، ووجهوا ألوف القراء ـ بسحر بيانهم ـ إلى ما يريدون، فهل يبقى الكلام في العقائد حكراً على هذا النمط من الحواشي والمتون».(5)

لقد كان الهم الذي يراود الشيخ هو الوصول بالفكر الإسلامي إلى شغاف القلوب، وأداء واجب الدعوة إلى الله بالمنهج الذي حدده القرآن الكريم في قوله تعالى: {ادعُ إلى سبيل رَبّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (سورة النحل الآية 125) وبالسبيل الذي حدده الرسول صلى الله عليه وسلم وسار عليه في حياته «إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة» (حديث صحيح رواه الإمام مالك في الموطأ)، وأن من يتعامل مع كتابات الشيخ سيجد تأثراً كبيراً بمصدري الإسلام: القرآن والسنة النبوية، وبروائع الكلام في تراثنا الإسلامي الكبير، وهذا ما أكسب أسلوبه جمالاً في العرض، وبراعة في التمثيل، ولطافة في التعبير، انظر إليه وهو يدافع عن قضية التنويع في أساليب القرآن الكريم ـ وقد عدها بعض المستشرقين عيباً ونقصاً فيه ـ والمقام هنا مقام استدلال ومحاجة، يقول: «إن القرآن لوّن حديثه للسامعين تلوينا يمزج بين إيقاظ العقل والضمير معاً، ثم تابع سوقه متابعة إن أفلت المرء منها أولاً لم يفلت آخراً، كما يصاب الهدف حتماً على دقة المرمى، وموالاة التصويب، وذلك هو تصريف الأمثال للناس، إنه إحاطة الإنسان بسلسلة من المغريات المنوعة، لا معدى له من الركون إلى إحداها، أو معالجة القلوب بمفاتيح شتى لابد أن يستسلم القفل عند واحد منها».(6)

الدعوة إلى الأدب الإسلامي:

عُرف الشيخ في حياته الدعوية الحافلة بعاطفة جياشة، وحماسة فياضة تجاه المشكلات التي تهم المسلمين، ومع أن أمر الدعوة قد أخذ منه جل وقته وجهده، ذلك لعظم التحديات الحضارية التي واجهت الأمة الإسلامية في هذا العصر، والعمل الإسلامي في حاجة ماسة إلى جهود العلماء المهيئين نفسياً وعلمياً للدفاع عن الفكر الإسلامي، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين، ومع هذا العبء الكبير في الدعوة، عُرف عن الشيخ اهتمامه بقضايا أخرى منها قضايا الأدب، فقد كان إنساناً يتذوق الشعر، يحفظ قديمه، ويتابع جديده، وكثيراً ما كان يعكس هذا الذوق في كتاباته الدعوية المختلفة.
وحين كتب كتابه القيم «مشكلات في طريق الحياة الإسلامية»(7) تناول واقع الأدب ضمن المشكلات التي تعيق سبيل استئناف الحياة الإسلامية، ومن خلال عرضه المتميز لهذه القضية نستشف أنه يدعو إلى أمرين، أولهما: الدعوة إلى الأدب الإسلامي الحي الذي يدافع عن أمجاد الإسلام، المنبعث من قيم الإسلام ومبادئه.
ثانيهما: الدعوة إلى رفض الأدب المنحرف بأشكاله كلها، ذلك أنه غاية يهدف إليها الاستعمار الثقافي، ودعاة الحداثة والتغريب.
يقول في سياق حديثه عن جوانب النهضة الأدبية أيام «أحمد شوقي» و«حافظ إبراهيم» و«الرافعي» وغيرهم: «إن هذه النهضة الأدبية المباركة كانت تبنى على المهاد الأول، وتصل من أمجاد المسلمين ما أضاعه التفريط والغدر، وظاهر أن محافظتها على التراث، وتقديسها للقيم الدينية، وولاءها العميق للغة العربية، أن ذلك كله ثابت لا يتزحزح.. لكن الاستعمار الثقافي لم ييأس، وعداوته للغة القرآن لم تفتر، إنه يريد القضاء على الإسلام، وأيسر السبل إلى ذلك القضاء على العربية وقواعدها وآدابها، وأظنه اليوم قد بلغ بعض ما يشتهي، فقد اختفى الأدب العربي الأصيل، وإذا وجدت كتابات بالحروف العربية فإنها وعاء لمعان مبتوتة الصلة بأصولنا الروحية والفكرية».(8)
إن الشيخ يربط ـ كما هو ملاحظ ـ بين النهضة الأدبية المباركة التي شهدها القرن الماضي وبداية هذا القرن، وبين المحافظة على قيم الإسلام وتراثه الزاخر، حيث كان الأدب في مجمله محافظـاً على إسلاميته وجذوره الدينية، وبرر فشل الاستعمار الثقافي في محاولته تجفيف الروح الدينية في ميادين الأدب إلى تمسك أولئك الأدباء بأصولهم الدينية، ومنطلقاتهم الإسلامية، ولم ينجح الاستعمار الثقافي في غايته إلا حينما جّرد الأدب من روحه الإسلامي، فأصبح أدباً لا أصل له، وغدا أدباً منحرفاً غريبا عن الثقافة الإسلامية، وهذا ما حفز الشيخ إلى الدعوة إلى رفضه فقال: «إذا كان الأدب مرآة أمة، ودقات قلبها، فإن المتفرس في أدب هذه الأيام العجاف لا يرى فيها ألبتة ملامح الإسلام ولا العروبة ولا أشواق أمة تكافح عن رسالتها، وسياستها القومية، وثقافتها الذاتية، ما الذي يراه في صحائف هذا الأدب، لا شيء إلا انعدام الأصل وانعدام الهدف، والتسول من شتى الموائد الأجنبية، وحيرة اللقيط الذي لا أبوة له».
إن الأدب المنحرف في أيامنا هذه هو فعلاً مثل اللقيط الذي لا أبوة له، بالإضافة إلى ذلك هو كالشجرة الخبيثة التي قد تغري الناس بأوراقها الزاهية، ولكن طعمها كالعلقم، وأثرها في الأرض وإن فشا سينعدم، {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار} (سورة إبراهيم، الآية 26).

دفاع عن العربية:

يُعد الشيخ من أبرز الدعاة المنافحين عن اللغة العربية في هذا العصر، فقد كان دائماً يصيح بحرقة: «اللغة العربية في خطر، أدركوها قبل فوات الأوان».(9)
والخطر الذي يهدد اللغة العربية هو النتيجة الحتمية لتقاعس العرب عن أداء واجبهم تجاه لغتهم، وتنفيذهم لخطة الاستعمار الثقافي الساعية إلى إلغاء دورها الحضاري والفكري والثقافي، والقضاء على أداة التواصل بين الحاضر والماضي، الأداة الجامعة لهذا الشتات المتقطع للعاميات في الوطن العربي.

ويرى الشيخ أن اللغة العربية تهان الآن بوسائل مختلفة:

أولاً: بالروايات التمثيلية التي تحكي عبارات السوقة، والطبقات الجاهلة، فتحيي ألفاظاً كان يجب أن تموت مكانها، وتؤدي إلى سيادة اللهجات العامية بدل سيادة اللغة الجامعة، هذا إذا علمنا مدى الطاقات المادية والبشرية التي تهدر من أجل انتشار هذا النوع من الأدب العامي.

ثانيا: بالحديث عن من هم أهلٌ للقدوة من الزعماء وغيرهم الذين يحلو لهم أن يتحدثوا بلغة تجمع بين الفصحى والعامية، ونحن ندرك جميعاً مدى التأثير السلبي الذي يعود على المخاطبين عند سماعهم لهذه اللغة المضطربة، ومن البديهيات أن زعماء الدول المتحضرة اليوم من أحرص الناس علي مخاطبة الجماهير بلغة راقية تجلب الاحترام، ويرى الشيخ أن دعاة العروبة في هذا العصر هم من أعجز الناس عن الحديث باللغة العربية.(10)

ثالثاً: وتهان العربية عند بعض أبناء المسلمين الذين يريدون الانقطاع عن الثقافة الإسلامية، ويرون أن الحضارة هي في تقليد الغربيين والحديث بلغتهم، والنظر إلى العربية على أنها لغة متخلفة لا تساير العصر.
رابعاً: وتهان أيضاً في مجال الأدب، حيث اختفى الأدب العربي الأصيل، وإذا وجدت كتابات بالحروف العربية فإنها وعاء لمعان مبتوتة الصلة بأصولنا الروحية والدينية.(11)

ونشير إلى أن الشيخ قد اقترح عدة مقترحات عملية لخدمة اللغة العربية في مجالات النحو والمعجم، ولكنها إلى الآن لم تجد آذانا صاغية (12)

مواقف نقدية من الشعر المرسل:

ذكرت فيما سبق أن الشيخ كان يتذوق الشعر ويحفظه، ويستشهد به في كلامه وفي كتاباته وفي مواقفه المختلفة، ومع أنه كان مولعاً بالشعر القديم ـ وبخاصة شعر المتنبي ـ إلا أنه كان يحفظ أيضاً الشعر الحديث ـ وبخاصة شعر أحمد شوقي ـ وكان يتابع كل جديد ينشر في مجال الأدب والشعر ويقرأ للمعاصرين له، ولكنه كان يمقت الشعر المرسل وما يسمى بقصيدة النثر، وكان يرى فيه ميداناً يتبارى فيه كل عاجز، وقد برر موقفه النقدي هذا بقوله: «قد ظل العرب أقل من عشرين قرناً يصوغون شعرهم حسب البحور المأثورة عنهم، حتى جاء هذا العصر الأنكد بما يسمى: الشعر المرسل، محاكاة للشعر الأوربي كما يقولون.. وأكرهتني الأيام على سماع هذا اللغو من بعض الإذاعات أو قراءته في بعض المجلات فماذا وجدت؟ تقطعا عقلياً في الفكرة المعروضة كأنها أضغاث أحلام، أو خيالات سكران.. ثم يصب هذا الهذيان في ألفاظ يختلط هزلها وجدها، وقريبها وغريبها، وتراكيب يقيدها السجع حينا، وتهرب من قيوده أحياناً، ثم يوصف المشرف على هذا المخلوط الكيماوي المشوش بأنه شاعر!!».

وقال في موضع آخر: «قد راقبت إنتاج ذوي الأسماء اللامعة في هذا الميدان المبتدع، فوجدت السمة الغالبة على هذا اللغو المسمى شعراً لا تتخلف أبداً، التفكير المشوش أو اللا تفكير، والتعبير الذي يجمع الألفاظ بالإكراه من هنا ومن هنا، ويحاول وضعها في أماكنها، وتحاول هي الفرار من هذه الأماكن.. والسؤال الذي يتردد باستمرار:
لماذا أيها القوم تسمون أنفسكم شعراء إذا كنتم لا تحسنون قرض الشعر وبناء القصيد، لماذا لا تحاولون أن تكونوا ناثرين بعد استكمال القدرة العقلية واللغوية».(14)

إن هذا الموقف النقدي الذي قد يبدو متطرفاً أو مجانبا للواقع، له مسوغاته العقلية والواقعية، فكثير من هذا الشعر مطبوع بطابع الغلو في الرمز الذي يؤدي إلى الغموض الممقوت في الشعر، كما أن أغلبه يفتقد إلى الموسيقى والإيقاع اللذين هما من أبرز خصائص الفن الشعري، ولعل خروج هذا النوع من الشعر على الشكل القديم، وتفلته من قيود الوزن هو الذي أغرى الناس ـ وبخاصة أهل التطفل على الفن ـ بقرضه والإكثار منه والدعوة إليه.

ومع التقدير والاحترام اللذين نكنهما لوجهة نظر شيخنا هذه ، وذلك لعلمنا بحبه لصدق الكلمة وبراءتها والتزامها، إلا أنه ومن باب الإنصاف في النقد القول بأن الشعر المرسل ليس كله على هذا الشكل المذموم، والمعنى الغامض، فبعضه يصدر عن شعراء قادرين على قرض الشعر، وتجتمع في شعرهم خصائص الشعر كلها، من معان عميقة، وألفاظ موحية، ونظم بديع، بالإضافة إلى الموسيقى والإيقاع اللذين لا غنى عنهما في الشعر.

إن التجديد في مجال الشعر أصبح حقيقة فرضت نفسها في هذا العصر، سواء أكان التجديد في الأشكال أم في المضامين، وأصبح الذوق الأدبي عند كثير من الناس يستجيب لهذا الشعر المحدث، ولكن مع وجود التطفل على الفن الذي أدى إلى اختلاط الغث بالسمين، ووجود الحداثيين ـ من أمثال «أدونيس» وغيره ـ الذين يروجون لقصيدة النثر في صورتها المعقدة والغامضة حتى أصبحت كأنها أضغاث أحلام أو خيالات سكران ـ كما وصفها الشيخ ـ ومع وجود مدارس نقدية تهتم بهذا الشعر وتسلط الضوء عليه، مع وجود هذا كله، أصبحت الحاجة داعية إلى تقويم هذا السبيل، والدعوة إلى الشعر الذي يحمل رسالة الحق والخير والجمال، الشعر الذي يضيف إلى رصيدنا الثقافي والفكري شيئا له قيمة في الحياة.

خصائص أسلوبية متميزة:

هذه وقفة سريعة للنظر في بعض خصائص الأسلوب عند الشيخ ـ رحمه الله ـ التي ميزت طريقته في التعبير عن قضايا الفكر الإسلامي المختلفة، وجعلت كتاباته لها مذاق خاص، وطابع فريد بين كتابات الدعاة في هذا العصر.
إن مما تنبغي الإشارة إليه أن الشيخ متأثر تأثراً كبيراً بأسلوب القرآن الكريم، فقد كان يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وكان يتحرى دائماً طرقه في دعوة الناس، ولقد كان ذلك سر جمال أسلوبه، ولطافة تعبيره.

ومن الخصائص الأساسية المميزة لأسلوبه ما يلي:

أولاً: الأسلوب الأدبي هو الأسلوب المفضل في كتابات الشيخ، فهو يفضل عرض الأفكار بلغة أدبية مؤثرة، فيها عناصر الإقناع والإمتاع، ويسير على هذه الطريقة في جل ما يكتب، ولا يستخدم الطريقة السردية المباشرة إلا نادراً، وذلك لشد عقول القراء وقلوبهم إلى الأفكار التي ينوي غرسها في النفوس.

ثانياً: يتميز أسلوبه بكثرة استخدام الصور الفنية، والأمثال المحسوسة، ذلك لتقريب الأفكار إلى النفوس، وعرضها في قوالب حية قريبة التناول، وواضح أن الشيخ قد استمد هذه الطريقة من القرآن الكريم، ومن السنة النبوية الشريفة.
ثالثاً: يمتاز أسلوبه أيضاً بالتنويع المشوق، فهو يلون حديثه ويكثر من الأساليب التي لها قدرة على التأثير كالاستفهام والتوكيد والتعجب، ويستخدم القصة استخداماً جيداً، وكثيراً ما يتمثل بحوادث من الواقع، لتكون أبلغ في التأثير، وأكثر التصاقاً بالقضايا المثارة في هذا العصر.

وبعد: فإن الشيخ «محمد الغزالي» ـ رحمه الله ـ مثال (نادر) للداعية المتخصص في هذا العصر، فقد جمع بين العلوم الشرعية والعلوم العصرية، واجتهد في تقديم الدعوة إلى الناس بلغة في الخطاب ممتعة، مما أكسبه احترام الناس، وبحق يمكن القول: إنه مثال فريد للداعية الذي وضع الأدب في خدمة الدعوة.

بقلم الدكتور: بـن عـيـسـى باطاهر

موقع الإيمان