المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوردة الزرقاء


أبو يوسف
27-03-2006, 01:09 PM
الوردة الزرقاء



هناك وجه غريب يؤذيني منذ فترة , يُريني نفسه دون أن يستسلم لي . أصبحتُ في
حال حتى أنني حين أقف قبالة المرآة وعوضاً عن ان ارى نفسي من خلال المرآة أرى الوجه نفسه . وجهٌ ترتسم على شفتيه الأبتسامة دوماً , تلك الأبتسامة التي
أرتسمتْ على شفتي والدتي مرة واحدة . وكثيراً ما سألته من أنتِ وماذا تريدين
مني ؟ ولكن بقي سؤالي دوماً بلا جواب , وكان الوجه يختفي والأبتسامة نفسها
مرتسمة على شفتيه , وكثيراً ما كنت اقول ومن يدري يمكن ان يكون وجه امي ,
ولكن لا , كانت والدتي قد رحلتْ قبل عشر سنوات’ وغالباً ماكنت آتي بصورة
أمي وادقق النظر فيها لفترة طويلة , ولكن لا يمكن أن يكون ذلك الوجه وجه أمي
من الصعب على الأنسان ان يواجه ابتسامة ما دون أن يعرف من هو صاحبها
ودون ان يستطيع الأفصاح عما يختلج في اعماقه , لقد تسللت صاحبة ذلك الوجه الغريب رويداً رويداً إلى جميع زوايا حياتي لدرجة ضاقت علي الخناق في احلامي ,
أحياناً كنت أشعر بأنها تتسلل إلى فراشي في منتصف الليل وكنت أحتضنها بشكل
دون أن أشعر بأنني أحتضن أحداً , وحين كنت اشعر بهذا الشعور كنتُ أراها وقد
ارتدت ثياباً زرقاء , وفي إحدى الليالي كنت قد أطفأت المصباح , وكنت جالساً
على حافة السرير وفجاة شعرت بجلوس شخص ما بالقرب مني.
كنت اسمع تنهداتها بصورة واضحة , قلت : لقد كتبت قصصاً عديدة , اترغبين أن
أروي لكِ إحداها ؟ ولكن دون جواب . ومن ثم لم أكن أسمع صوت تنهداتها ! فأدركت بأنها غادرت المكان , توجست خيفة فتمددت بهدوء على السرير
وكنت قد قطعت أنفاسي أملاً في سماع صوت تنهداتها ثانية , ولكن لم يكن
هناك أي شيء سوى ظلام الليل والصمت , وليلتها لم يغمض لي جفن حتى
الفجر وأستيقظت في العاشرة صباحاً , وأستولى شعورغريب على اعماقي
وأدركت بأن هناك من ضاع مني وعلي البحث عنه .
ضائعة كانت أمام انظاري دوماً وقد أحتلت جلّ حياتي , ولكن وا أسفاه لم أكن
لأستطيع حتى ذلك الوقت الوصول إليها وكأن كافة أسباب ودوافع الحياة أجتمعت
لكي تدخل تلك النواظر السحرية حياتي ولأنظر إليهما من بعيد مندهشاً دون
الحصول عليهما , كانت الأماكن المزدحمة المليئة ضوضاءً تؤذيني , كنت أرغب في أيجاد مكان بعيد عن كل انواع الضوضاء كي اخلد فيه للنوم فترة من الزمن
كي لا يتناهى إلى أسماعي ضوضاء الامدينة , وهكذا قررت العودة إلى
قريتي التي ولدت فيها , تلك القرية التي عشت طوال حياتي في أزقتها
وحاراتها , ولا زالت اصوات ضحكات فترة طفولتي وأصدقائي , الذين كنا
نصرخ حتى الفجر في الأزقة والحارات , تتناهى إلى أسماعي , وقلت في
نفسي انه من الأفضل أن أزور قريتي , ومن المحتمل
ان ارى هناك حبيبتي الغريبة المختفية لتنقذ فؤادي الولهان من كل هذا القلق
والأنزعاج والتشتت الذهني .
في الساعة الرابعة عصراً صعدت إلى الباص , وقد بقي مقعد وحيد فارغاً وكان
المقعد جنب السائق . أسرعت إلى المقعد الفارغ وجلست ولم اكن قد جلست بعد حين شاهدت إمرأة ترتدي ثياباً تقف في الطرف الآخر من الشارع
كانت تنظر إليّ بشكل غريب وكأنها تريد ان تلتهمني بناظريها , ارتسمت
إبتسامة جميلة على شفتيها بشكل ظهرت اسنانها البيضاء كاللآليء البيضاء
من خلال شفتيها الرقيقتين فقمت من مقعدي بشكل لاإرادي كي أذهب إليها
ولكن ماكدتُ أقوم تماماً حتى وجدتها قد اختفت مع إبتسامتها الجميلة
وعندها تحرك الباص وجلست بدوري في مقعدي بلا امل , ومع أنني كنت
قد رأيتها في الطرف الآخر من الشارع , ولكن لم يكن لي رغبة في
الذهاب إلى قريتي , وكنت راغباً في الذهاب مرة اخرى .
شعرت بأن صوتاً من الأعماق يقول لي ( لا تخف تعال , تعال , كن مطمئناً بانك
ستجدني ) صوتاً كان يشبه صوتي إلى حد بعيد , وكنت قد أنشغلت بدنياي الخاص بيّ لم أكن أشعر بما يجري حولي , لذا حين نادى السائق بصوته الأجش
اخي العزيز اظن بأنك الراكب الوحيد الذي لم يدفع الأجرة !
فدفعت له الأجرة بخجل ونزلت من الباص .
أمضيت الليل في دار أحد اقاربي , وفي اليوم التالي وبعد تناول فطور الصباح ,
خرجت من الدار , واصلت السير في طريق الينبوع القديم , حين وصلت إلى الينبوع ، شعرت بأنني ولدت لتوي , منذ عشرين عاماً وأنا لم أرَ الينبوع هذا
جلست عند حافته واناأنظر إلى الأسماك الصغيرة , التي كانت تتحرك خلال
ماء الينبوع الصافي !
كنت أرغب أن اكون كتلك الأسماك , حرّاً طليقاً , ولكن مع الأسف لم أكن
لأستطيع فعل ذلك , لأنني كنت متيّماً , متيّماً بوجه لا أعرف أين سيظهر ,
لامست مياه الينبوع بأناملي , كان الماء بارداً , وكما كنت أفعل في عهد
الطفولة تمددتُ على اصابعي وقربت شفتي من الماء وشربت رشفة او رشفتين ,
لحظتها رأيت إمرأة ترتدي ثياباً زرقاء كالسابق بنفس المظهر , والنظرات نفسها,
كانت تنظر إليّ , رفعت ناظري رأيتها تقف قبالتي , كم كانت رائعة الجمال ,
كانت ترتدي ثياباً زرقاء كأنها امواج البحر وقد أرتفعت بقامتها قبالتي ,
وفتحتُ لها ذراعي أملاً في ان تفتح هي ذراعيها لي , ارتسمت إبتسامة حزينة على شفتيها وهزت رأسها بلا امل وقالت بصوت متهدج : إني معك دوماً ,
إلى متى ترغب أن تشعر بالوحدة ؟
وبعد لحظات صمتٍ قالت وإبتسامة حزينة على شفتيها ( أحبك ) وددت أن أحتضنها , ولكن مثلما كان ديدنها اختفت في غمضة عين , لم أكن أعرف
ماذا أفعل , فجلست لفترة بصمت وقمت بتغطية وجهي بكفيّ وبدأت أراجع نفسي وكأنني عدت إلى الماضي سنين عديدة .
كانت كل الأشياء تتراءى في ذهني وكأنها ذكرى , ذكرى هزيلة خافتة , نظرت إلى ما يحيط بيّ , كان الصمت يخيم على كل الامكنة وكأن العالم قد توقف
عن الدوران ،لم تكن هناك حتى نسمة هواء , وفي هذا الصمت والهدوء رأيت وجهي الذي كان يرتفع ويدنو مع مويجات الماء من خلال ماء الينبوع , ورأيت خصلات ثلاثة من شعر رأسي وقد أدركها الشيب , وكانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها شعرة بيضاء في شعري , لأنني وقبل ان اخرج من الدار كنت قد مشطت شعري جيداً , لكنني لم أرَ شعرة بيضاء , كان هذا هو الشيء الوحيد الذي كنت أستطيع تذكره تماماً ,
حاولت كثيراً إعادة النظر في حياتي السابقة, ولكن دون جدوى , وكأنني ولدت
لتوي الآن دون أن يكون لي ماضياً .
قمت من مكاني فرأيت وردة زرقاء كانت قد نبتت عند آثار قديمها , جلست قبالة الوردة ولم أكن قد رأيت وردة جميلة مثلها حتى ذلك الوقت , أزحت
بأطراف أصابعي الطين على جذورها , وعند إزاحة الطين شممت رائحة كريهة منها فتقززتُ وأوشكتُ أن أتقيأ , وأقتلعت الوردة بسرعة , وفرزت عنها جذورها
النتنة ،ومن ثم واصلت طريقي نحو القرية , لأن لم يبقَ لي أي دافع للبقاء في القرية
والشيء الوحيد الذي كنت أفكر فيه لحظتها هو العودة إلى البيت .
وفي الطريق شممت الوردة مرات عديدة , كان عبقها كعبق جسدي تماماً , الذي كنتُ أشعر به حين أرتدي ثيابي . أخرجت دفتر مذكراتي من جيبي ووضعت
الوردة بين اوراقه . وعند الغروب وصلت إلى البيت وجلست خلف منضدة الكتابة وكأنني كنت قد استيقظت من نوم عميق , كانت جل الأشياء تبدو معتماً بلا لون امام ناظريّ , وكنت أفكر ولم أدري ما الذي حدث , وكل ما كنت أتذكره هو انني كنت قد جلبت عند سفري هذا وردةً وكنت قد وضعتها بين اوراق مذكراتي . اخرجت دفتر المذكرات من جيبي وفتحته على مهل , ولكن لمْ أرَ أثراً للوردة بين أوراقه سوى قطرات دماءٍ .... لا غير !!
....
منقولة.... بتصرف

RaHaF
28-03-2006, 12:09 PM
أخي طائر الليل الحزين

هنيئاً لمنتدى العبادلة ان تكون قلماً مبدعاً

به .. لكل ما هو جميل ومعبر

http://gallery.7oob.net/data/media/20/3_5.gif

قصه في غاية الروحه خيي

تحمل في طيات كلماتها وعباراتها

كثير من الآهات التي لا تظهر دوماً

انها غربة النفس .. ويااااااه من قسوتها

سلمت خيي على هالنقل

RaHaF
29-03-2006, 12:24 PM
http://www.w6w.net/album/43/w6w_w6w2005050713312927181bbfa2fb.jpg

ميرا فلسطينية
01-04-2006, 04:28 AM
احساس عميق.. وترابط سلس جدا في الاحداث..

والتنقل بين الواقع والحلم او الخيال

http://www.asmilies.com/smiliespic/txtsmall/st17asmilies-com.gif

volcano
07-04-2006, 05:58 AM
بدون تعليق
http://www.w6w.net/album/43/w6w_w6w2005050713312927181bbfa2fb.jpg

عائد
01-07-2006, 04:54 AM
يسلموووووووو

على القصة الجميلة

الغالى الطائر

الروح المغربة
01-07-2006, 01:24 PM
أحيانا" ينطق الحلم والألم معا" قبل الحرف نفسه وهذا ما شعرته بقوة في قصتك أخي
تشابك اللهفة والغربة والحنين والامنية الصعبة وعتمة الاماكن ودفئ الابتسامة البعيدة أعطى للقصة رونقها الحقيقي
وأضفى عليها كل سحر حتى بات القارئ منا يتمعن بالحرف لا بالكلمة ويسترق السمع الى الضجة الصخبة الهادئة التي بعثتها
تلك التفاصيل المرهقة من البحث ...وكأني كنت هناك أيضا" أطارد وجهها معك في ظلمة الاماكن ...

تحياتي
قصة مميزة ...ننتظر منك كل جديد

نجمة الليل
10-12-2006, 03:16 PM
***اخي طائر***
سلمت اناملك على هذا النقل الذي تميزت به
كلمات وحروف رائعة والاروع المعاني السامية والعميقة التي غمرت حروفك
اخي تقبل مني خالص احترامي وتقديري لقلمك المتميز
لك مني اطيب وارق الامنيات
ودمت بخير وود





*نجمة الليل*

أحمد الحزنوي الغامدي
12-12-2006, 06:42 PM
>((....السلام عليكم ورحمة الله و بركاته....))<

:MThumpsUp


بارك الله فيك أخي

:MThumpsUp

طائر الليل الحزين


:MThumpsUp

علي هذه الكليمات التي



لا يستطيع أحد من كثرت جمالها

:smilieA5:

التعبير عنها و نسال الله أن



يمدك بالعمر المديد حتي تبقي أنا

:smilieA5:

المبدع في هذا المنتدى و
:smilieA5:


جزيل الشكر لك أخي العزيز


:Mbravo: :Mbravo: :Mbravo:


>و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته<
:icon82: :icon82: :icon82: :icon82:

برائة الطفولة
20-12-2006, 10:02 AM
تسلم على القصة الحلوة

شكرا اخي وتقبل تحياتي

صدى الايام
03-05-2007, 05:11 AM
يسلمو على القصه الجميله و احساس غايه في الروعه

رنا
22-07-2007, 04:33 AM
كلمات رائعه

تحياتي


**طائر الليل الحزين**
:2thmup:

المغترب
10-01-2008, 04:13 PM
قصتك تحمل مزيج من الفرح والامل و الخوف و الترقب و الحرمان ...



اذا اردت انت تدرك معانيها فيجب ان تبحر في كلماتها ..



اخي اختيارك لهاذه القصه يدل على احساسك المميز



لك مني كل الحب والأحترام



تقديري

The white rose
24-01-2008, 08:36 AM
مشكور اخي طائر الليل الحزين واحب اهنيك وارك لمنتدى على انه يملك شخص مثلك
متمنين لك مزيد من التقدم والنجاح

ابو هاني
26-06-2008, 10:31 AM
قصة رائعه جدا يا طائر الليل الحزين
بارك اله فيك