المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "حكايتي مع كتاب": في زاوية خاصة


ميرا فلسطينية
17-10-2005, 10:44 PM
بين رفوف وتراكمات من الأوراق والكتب وأشلاء منها, في غرفتي الكبيرة والمزحومة, وجدت كتابا وصورة. وكانت الصورة لرجل بلباس الاحرام, ينظر إلى دائرة في جدار يبدو كجدار الكعبة المشرفة. اما العنوان, فقد أكد لي بدوره أن تلك الدائرة هي موضع يد الرسول في الكعبة المشرفة.



كانت كل الظروف المحيطة بهذا اليوم غريبة, ولا تتلائم ابدا مع بعضها. شيء من الفوضي العارمة التي تظهر يوما امام اعينك, مع انك كنت تعرف قبلها انك تعيش بتراكم ولست تعرف اين ومتى ستتوقف.
فتاتي لحظة تجعلك تتوقف , تتنفس الصعداء- ليس راحة, بل رضى عن نفسك لانك واخيرا قد استطعت ان تتوقف لبعض الوقت.

ولم يكن كما يبدو حينها من مفر, الا بالتشبث بحدث مميز, او حدث اعتبره, بسهولة, مميزا. وشاء القدر ان يكون ذلك الحدث هو كتاب عتيق يقع بين يدي من دون سابق انذار. وعندما كتب عليه انيس نصور, واختلط الاسم بالصورة, عرفت حينها بان لهذا الكتاب ستولد حكاية, ولن اعرف انا نفسي ماذا ستكون المجريات وعلى ماذا تنتهي.







لطالما عرفت جيدا ان لي ولع بالكتب عنيف وضخم جدا. منذ قديم زماني, والكتاب هو حجر أساس, أحد طرقي الرئيسية "للرقّي" – على تنوع معاني هذه الكلمة. وعندي هي شيء صغير, لعبة طفولية,واظن انني اصبحت مع الوقت اتقنها جيدا. وكان الكتاب والكلمات جزءا لا يتجزء منها.










الابتعاد عن مجريات الأيام وتفاصيلها, أو ربما هروب أحيانا. في الحزن, في الغضب, في نوبات الشعور بالغربة بين الأهل, في التوهان بين السماء العريضة ومعالم الأرض... في كلها كنت اذهب لكتاب.





وتنوعت الكتب حسب المرحلة, فالعمر ومواصفات البيت وظروف كثيرة تتحكم بالكتب التي تنزل بين يديك. ورغم انعدام مكتبة بيتية في بيتنا في طفولتي (ربما بسبب عدم اعتراف بيتنا بمثل هذه الكينونة – مكتبة بيتية), الا انني سرعان ما كسرت قدري هذا وأزحته من طريقي. وكان هذا بطرق عديدة, فاما عن طريق احتلالي للمكتبات المختلفة في المدارس المختلفة التي تنقلت فيها. او عن طريق خالتي التي كانت ما زالت آنذاك في بيت والديها, وكنت ازورها كثيرا. وقد كنت انهب منها قدر الامكان من الكتب. بعضها كانت هي تعطيني اياه وتقول " هذا ما يناسب عمرك الآن", والبعض الآخر كانت من اختياري انا, اقترضها دون اذن على ان اعيدها بالسر بعد انهائها.


ولا بد ان انيس منصور, كاتب هذا الكتاب القديم المهترء الذي خرج لي من تحت الارض, هو من تلك الكتب "المسروقة مؤقتا". والتي لم يكن قد حالفها الحظ بالعودة الى خزانة الكتب خاصة خالتي. واعتقد انه قد اختطف منذ زمن غير بعيد, وانه لسبب ما لم يحظي بان يقراه احد بعد.

يتبع...

ميرا فلسطينية
18-10-2005, 09:59 PM
ما جعلني أسعد لرؤية هذا الكتاب كان انني كنت قد سمعت قبل ايام عدة فقط, ولاول مرة في حياتي, بأنيس منصور. وشعرت بخيبة أمل ان هذا الشخص معروف, وأمي التي سألتها لاحقا اعلنت انها تعرفه طبعا.

عندما قرأت بعض الكلام عنه, لم يبدو شيئا مميزا – لا اقصد تقييمه, انما اقصد من ناحية السحر الخاص الذي يمكن ان يعطيه حامل قلم ما الى قارئ معين بالذات. ويمكن ان يعود ذلك لقلة المعلومات التي استسقيتها عنه من خلال الكلام. المهم بالامر, انني انا شخصيا لم اشعر انه يمكن ان يكون كاتبا يعطيني شيئا مميزا او سحرا خاصا.

لكن عامل الصدفة هو شيء ساحر! احب الصدف الغريبة ودائما احاول استقصاءها والركض وراء اي معلومة علّني اكتشف شيئا غريبا ومميزا من وراءها.




واعترف اني خطفته بلهفة واوقفت بحثي بين الركام, والذي اعترف اني الآن لا اذكر على ماذا كان اصلا. واعترف ايضا انني لم اتجرأ على فتح الكتاب, انما مسحت الغبار عن الغلاف فقط. قلت في نفسي, ساترك الحكاية تحبك من تلقاء نفسها, وفلنرى ماذا سيحدث مع هذه الصدفة الغريبة.

هذا كله حدث منذ عدة ايام, وبقي الكتاب في حقيبتي دون ان افتحه.وانا احمل عادة حقيبتين, واحدة رئيسية والاخرى للاشياء الاضافية التي لا يحتاجها شخص الا امثالي انا. ففيها بواقي جريدة من ايام خلت, اصريت ان اتابع القراءة فيها. فيها كتب غريبة, لا تمت بصلة للجامعة او العمل. فيها اوراق ووسائل عديدة من وسائل استغلال اوقات الفراغ التي احتاجها بشكل جنوني. اما كتابي اصفر الأوراق, فرافقني في الحقيبة الاضافية عدة ايام حتى حدث ما حدث في صباح يوم عادي جدا.


في ذلك اليوم استيقظت متأخرة, وما خفف من غضبي اني كنت استطيع الذهاب الى عملي في اي وقت اشاء, تقريبا. بهدوء تام, ودون اي مراجعات للنفس او لوم, فعلت كل ما افعله في اي صباح. حدثت كل الامور العادية وها انا جهزت نفسي وخرجت في طريقي الى العمل.

كانت الشوارع عادية, وتاخير الحافلة لنصف ساعة ايضا جزءا من الروتين. ولم يكن لاي شيء ان يهيئني كي اتوقع ما حدث. فقبل محطتين من الوصول, ولسبب مجهول قررت اني لا اريد الذهاب. وفعلا, نزلت من الحافلة العامة ذات المكيف المريح – الذي فشل في اغرائي على مواصلة الرحلة الى مكان عملي, ووقفت في المحطة المقابلة تحت لهيب الشمس المشتعلة.
عندما وصلت الحافلة من الاتجاه المعاكس, كنت على وشك الاستسلام لجبل من الندم والشعور بالغباء ينهال فوق رأسي ويطمرني تحت الأرض. الا ان الحافلة, وفي آخر لحظة, جاءت وانقذتني. صعدت ومشيت نحو آخر كرسي, يرافقني هواء المكيف الغزير, وعلى وجهي ترتسم ابتسامة النصر. نصرعلى الشمس الحارقة, الشارع الفارغ وعلى الفراغ النفسي المليئ بالخذلان, الذي كان قد اصابني جراء قراري الغريب.
كان ما زال الأثر الناجم عن قراري موجودا, و كنت ما زلت اشعر بغوغائية تصرفي, فكيف اكون على وشك الوصول الى عملي واقرر فجأة اني ساغير اتجاهي عائدة الى لا شيء!؟

واذ بها تهاجمتني محادثة بين شرطي بالزي الرسمي وصديق له, عن الهاتف المحمول الذي اشتراه لزوجته بسعر زهيد, لان الشركة تقوم ببرنامج تخفيض ما. ويشرح له صديقه كيف ان الشركة لا تخسر ابدا وكيف انها ستسترد المبلغ عبر تقاضي مبلغ مضاعف على المكالمات. وبدى الموضوع مفيدا, حيث ان صديق الشرطي كما يبدو يعمل في احدى شركات الهواتف المحمولة, وستكون معلوماته حتما صحيحة ونصائحه مفيدة. الا انني سرعان ما تناسيتهم وسرحت عبر النافذة.
بشكل شبه تلقائي, وبعد ان استقرت قليلا حالة الاضطراب لدي, انصرفت ابحث في حقيبتي الاضافية, علّني اجد ما ينقذني من موقفي هذا. ووجدته, كتاب قديم جدا واصفراره واضح من قبل ان يفتح. وقلت في نفسي ها نحن نلتقي من جديد.