ميرا فلسطينية
15-06-2006, 01:15 AM
مقدمة..
بدأت الحكاية بصدفة
التقيت زهرة.. جاءت بلا موعد
الى أرضي الملونة بالدمع والبعد والاشتياق - لبعض من العقلانية
لم يكن لقائنا ليولد الا بحفيف الموت.. يرافق الصدفة.. ويدعو أرضنا الغريبة عن أجزائها
للقـــــاء
http://www.naseemalrooh.net:80/old/music/bahman2/Track04.wma
او من خلال الرابط هنا (http://www.naseemalrooh.net/old/music/bahman2/Track04.wma)
* * * *
زنبقة وحيدة في شعرها.. غرَسها مجهول
كَنار ملون وحيد.. يطير بين وجهها وكتفيّها دون الهبوط
تفكر في الله كثيرا. وتحب النافذة البعيدة. مساءاً وصباح.. وتدور الشمس بلا مرساة.
لم تختفي بعد.. لكنها على أهبة الإستعداد..
أخبروني عن إسمها.. لكن لم أستطع أن أتخيل وجهها ..
سألتُ عن عمرها.. فقالوا زهرة
تذكّرت الزنبقة.. لكن الوجه يهرب مني! لم أرى منها إلا طرف جديلتها السوداء..
وهي ليست من هنا..
حنين إسمها.
مريضة جدا قالوا. والأمل كوجه أمها.. ورديّ دائما بدعاء لله.
تم إختطافها صدفة.. من آخر سنة لها في المدرسة.
زهرة كانت.. وما زالت.
وفجأة أصبحت جسدا صغيرا يتداولة الآخرون وهي تصمت.
أعرف أن عينيها قويتان جدا. لم يخبرني أحد.
صديقاتها يحلمن بالكيمياء والأدب والنحو.. وحفلة الخروج إلى الدنيا.
وهي الآن بعيدة.
أعترف .. أنني أشتاق أن اجول في خاطرها.. وأشم راحة الشجاعة داخل الزهرة العذبة.
ماتت الزهرة صباح الأمس..
حنين.
وأمها كانت تراقب باب غرفتها في بيتهم وتنتظر الصوت. لم تعرف أن الصباح سيأتي صامتا غدا.
ماتت حنين. والموت حق.. لا شي ء مميز.
قبل ذهابها..تركت حنين مصباحا مضيئا في غرفتها الضئيلة..
والآن أخبروا أمها من المشفى أن حنين ستصمت للأبد.
تضائلت أمها أيضا.. حين تخيلتها بيضاء تغطي السرير..في مكان بعيد. ولا يجذبها بعد, أي من أصوات العصافير أو رائحة الورود.
ترَكَت الأم المصباح مضاءا..
قرأَتْ الفاتحة في طريقها الى المشفى وسألتها.. كاتمة بصدرها الفاجعة!.. "حنين.. صغيرتي.. يا فرحتنا بعد أن شابت الرؤوس والقلوب.. أحقا تركتني؟!!"
ولم تصلها الإجابة.. فرثتذلك للبعد.. فهم لم يصلوا بعد الى سريرها!
ذلك المشفى البعيد.. قد زاروه كثيرا.. وحنين كانت تبقى.
ليلها ونهارها كانا بلون واحد. في ذلك المبنى الغريب.
إنه قريب لكن بعيد.. تصله الأجساد عبر حدود وهمية.. وحاجز له إسم. لكن بلا معنى.
الوطن واحد. المحطات تفصلها ملفات من التاريخ والدم والوعود البعيدة. ولم تنفصل حنين عن هذه العبارات.. حين ودعتها!
هي الآن هنا.. كانت
حاولت أن أفكر بزيارتها.. فهي قريبة مني كل القرب.. بعيدة عن من يحبونها.. فهل هنالك سر؟
سيأتي أحبائها اليوم. من هناك.
يملكون ورقة وخبرا حزينا أيضا.. سمح لهم أن يكونوا بشرا.. يحزنون وفقط! بلا إضافات.
ويمكنهم اليوم عبور الزمن والقدر.. ببساطة!
يريدون الوصول الى ذلك المشفى السحري.. تملأه اللغة الغريبة , المكروهة, وبعضا من العربية المكسرة. يريدون حنين! ولم يفكروا كيف ستأتي..
ومع إقترابهم أكثر وأكثر..من المشفى المميز.. كان السحر قد تلاشى منه وعنه..
ما من نشوة بإقترابهم.. ولا معنى لإجتيازهم الحاجز بسلام. وحتى الشارع المقدسي المزيف.. أيضا.. صار يشبه كل الشوارع..
وصلوا.
رائحة الزنبقة تسارعت الى أنف الأم.. وحضنتها! فتراجعت للوراء قليلا. وبحثت عن وجه حنين.
الزهرة البيضاء ترقد بلا ذاكرة الآن. لا تعرف أنها في غرفة غريبة.. لا تملك نحوها أي شعور. غرفة حيادية كلون جدرانها الرمادية.
لكن.. هذا لا يهم الآن
والحاجز أيضا والجنود..
هم دمى تشابكت خيوطهم بالسماء. أصبحوا الآن أكثر إنسانية,ربما.. بل هم الآن وسيمون جدا. ولهم أسماء.
لو رأوا حنين كانت ستدمع عيونهم.. لا محالا ..
و ربما كانوا سيسمحون لها بالرجوع الى بيتها طائرة في الهواء.. وحين تُخرج لسانها كطفلة..تهزأ بهم ثم تبتسم.. سيبتسمون هم أيضا.. ويلوحون لها وتذهب.. كأميرة.
زهرة برائحة الزنبق!
إنتهى المشهد غصبا عني. أنا لا أستطيع أن أودع حنين. ولا أدري لماذا أتشبث بها. أنا حتى لا أعرف تقاسيم وجهها.. ولم أسمع صوتها الجميل.
أمها تجلس منتظرة أن ينهي أخوة حنين كل الإجراءات. الممرضة تعاتبها من بعيد بعينيها الأوربيتين. لكن لن يجرأ أحد أن يكلم الأم الثكلى. فمخالبها قاسية جدا!
خرجت سيارتان نحو بيت لحم.
تركوا القدس تهتم بخيوط إنسانيتها..
الطفلة المدللة تملك الآن المقعد الخلفي بأكمله. ووجهها نحو النافذة.. يلامسه الهواء النقي.. فتبتسم..
وصلوا الحاجز.. معهم الخبر المؤسف يتجسد في المقعد الخلفي.
ودموع وهمية في عيني الجنود.
تنهدوا متعاطفين.. وتكلموا العربية بطلاقةَ! فجأة..
وسُمح للموكب أن يمر.. وكان من الممكن أن يسمحوا لحنين أن تطير الآن!
لكن حنيــــن لم تكترث بجنودها الوسيمين..
الإبتسامة الصغيرة في عيونهم.. بقيت باردة جدا..
ثم تلاشت وجوههم ببطئ.. خلف آثار الدخان المتهدج من الموكب الحزين.
------------------------
التوقيع/ ميـــرا فلسطينية
كُتبت في:
15\5\2006
الموعد:
الصباح الذي رجعت فيه حنين..تضرب بدنياهم عرض الحائط
ملاحظة:
"حنين" اسم مستعار,, اخترته من حنيني اليها
اسمها الحقيقي قريب من الورد
يُحفظ احتراما لذكراهها
رحمها الله
بدأت الحكاية بصدفة
التقيت زهرة.. جاءت بلا موعد
الى أرضي الملونة بالدمع والبعد والاشتياق - لبعض من العقلانية
لم يكن لقائنا ليولد الا بحفيف الموت.. يرافق الصدفة.. ويدعو أرضنا الغريبة عن أجزائها
للقـــــاء
http://www.naseemalrooh.net:80/old/music/bahman2/Track04.wma
او من خلال الرابط هنا (http://www.naseemalrooh.net/old/music/bahman2/Track04.wma)
* * * *
زنبقة وحيدة في شعرها.. غرَسها مجهول
كَنار ملون وحيد.. يطير بين وجهها وكتفيّها دون الهبوط
تفكر في الله كثيرا. وتحب النافذة البعيدة. مساءاً وصباح.. وتدور الشمس بلا مرساة.
لم تختفي بعد.. لكنها على أهبة الإستعداد..
أخبروني عن إسمها.. لكن لم أستطع أن أتخيل وجهها ..
سألتُ عن عمرها.. فقالوا زهرة
تذكّرت الزنبقة.. لكن الوجه يهرب مني! لم أرى منها إلا طرف جديلتها السوداء..
وهي ليست من هنا..
حنين إسمها.
مريضة جدا قالوا. والأمل كوجه أمها.. ورديّ دائما بدعاء لله.
تم إختطافها صدفة.. من آخر سنة لها في المدرسة.
زهرة كانت.. وما زالت.
وفجأة أصبحت جسدا صغيرا يتداولة الآخرون وهي تصمت.
أعرف أن عينيها قويتان جدا. لم يخبرني أحد.
صديقاتها يحلمن بالكيمياء والأدب والنحو.. وحفلة الخروج إلى الدنيا.
وهي الآن بعيدة.
أعترف .. أنني أشتاق أن اجول في خاطرها.. وأشم راحة الشجاعة داخل الزهرة العذبة.
ماتت الزهرة صباح الأمس..
حنين.
وأمها كانت تراقب باب غرفتها في بيتهم وتنتظر الصوت. لم تعرف أن الصباح سيأتي صامتا غدا.
ماتت حنين. والموت حق.. لا شي ء مميز.
قبل ذهابها..تركت حنين مصباحا مضيئا في غرفتها الضئيلة..
والآن أخبروا أمها من المشفى أن حنين ستصمت للأبد.
تضائلت أمها أيضا.. حين تخيلتها بيضاء تغطي السرير..في مكان بعيد. ولا يجذبها بعد, أي من أصوات العصافير أو رائحة الورود.
ترَكَت الأم المصباح مضاءا..
قرأَتْ الفاتحة في طريقها الى المشفى وسألتها.. كاتمة بصدرها الفاجعة!.. "حنين.. صغيرتي.. يا فرحتنا بعد أن شابت الرؤوس والقلوب.. أحقا تركتني؟!!"
ولم تصلها الإجابة.. فرثتذلك للبعد.. فهم لم يصلوا بعد الى سريرها!
ذلك المشفى البعيد.. قد زاروه كثيرا.. وحنين كانت تبقى.
ليلها ونهارها كانا بلون واحد. في ذلك المبنى الغريب.
إنه قريب لكن بعيد.. تصله الأجساد عبر حدود وهمية.. وحاجز له إسم. لكن بلا معنى.
الوطن واحد. المحطات تفصلها ملفات من التاريخ والدم والوعود البعيدة. ولم تنفصل حنين عن هذه العبارات.. حين ودعتها!
هي الآن هنا.. كانت
حاولت أن أفكر بزيارتها.. فهي قريبة مني كل القرب.. بعيدة عن من يحبونها.. فهل هنالك سر؟
سيأتي أحبائها اليوم. من هناك.
يملكون ورقة وخبرا حزينا أيضا.. سمح لهم أن يكونوا بشرا.. يحزنون وفقط! بلا إضافات.
ويمكنهم اليوم عبور الزمن والقدر.. ببساطة!
يريدون الوصول الى ذلك المشفى السحري.. تملأه اللغة الغريبة , المكروهة, وبعضا من العربية المكسرة. يريدون حنين! ولم يفكروا كيف ستأتي..
ومع إقترابهم أكثر وأكثر..من المشفى المميز.. كان السحر قد تلاشى منه وعنه..
ما من نشوة بإقترابهم.. ولا معنى لإجتيازهم الحاجز بسلام. وحتى الشارع المقدسي المزيف.. أيضا.. صار يشبه كل الشوارع..
وصلوا.
رائحة الزنبقة تسارعت الى أنف الأم.. وحضنتها! فتراجعت للوراء قليلا. وبحثت عن وجه حنين.
الزهرة البيضاء ترقد بلا ذاكرة الآن. لا تعرف أنها في غرفة غريبة.. لا تملك نحوها أي شعور. غرفة حيادية كلون جدرانها الرمادية.
لكن.. هذا لا يهم الآن
والحاجز أيضا والجنود..
هم دمى تشابكت خيوطهم بالسماء. أصبحوا الآن أكثر إنسانية,ربما.. بل هم الآن وسيمون جدا. ولهم أسماء.
لو رأوا حنين كانت ستدمع عيونهم.. لا محالا ..
و ربما كانوا سيسمحون لها بالرجوع الى بيتها طائرة في الهواء.. وحين تُخرج لسانها كطفلة..تهزأ بهم ثم تبتسم.. سيبتسمون هم أيضا.. ويلوحون لها وتذهب.. كأميرة.
زهرة برائحة الزنبق!
إنتهى المشهد غصبا عني. أنا لا أستطيع أن أودع حنين. ولا أدري لماذا أتشبث بها. أنا حتى لا أعرف تقاسيم وجهها.. ولم أسمع صوتها الجميل.
أمها تجلس منتظرة أن ينهي أخوة حنين كل الإجراءات. الممرضة تعاتبها من بعيد بعينيها الأوربيتين. لكن لن يجرأ أحد أن يكلم الأم الثكلى. فمخالبها قاسية جدا!
خرجت سيارتان نحو بيت لحم.
تركوا القدس تهتم بخيوط إنسانيتها..
الطفلة المدللة تملك الآن المقعد الخلفي بأكمله. ووجهها نحو النافذة.. يلامسه الهواء النقي.. فتبتسم..
وصلوا الحاجز.. معهم الخبر المؤسف يتجسد في المقعد الخلفي.
ودموع وهمية في عيني الجنود.
تنهدوا متعاطفين.. وتكلموا العربية بطلاقةَ! فجأة..
وسُمح للموكب أن يمر.. وكان من الممكن أن يسمحوا لحنين أن تطير الآن!
لكن حنيــــن لم تكترث بجنودها الوسيمين..
الإبتسامة الصغيرة في عيونهم.. بقيت باردة جدا..
ثم تلاشت وجوههم ببطئ.. خلف آثار الدخان المتهدج من الموكب الحزين.
------------------------
التوقيع/ ميـــرا فلسطينية
كُتبت في:
15\5\2006
الموعد:
الصباح الذي رجعت فيه حنين..تضرب بدنياهم عرض الحائط
ملاحظة:
"حنين" اسم مستعار,, اخترته من حنيني اليها
اسمها الحقيقي قريب من الورد
يُحفظ احتراما لذكراهها
رحمها الله