بنت القسام
28-08-2006, 07:21 AM
http://www.islamonline.net/Arabic/history/1422/10/images/pic20a.jpg
أبو الكلام آزاد
"إنه ليس هناك ما هو أدعى للخزي والمهانة من أن يحني المسلمون رؤوسهم أمام أفكار غيرهم السياسية، إن الإسلام لا يسمح لهم بأن يكونوا ذيلا لغيرهم في أفكارهم، بل عليهم أن يدعوا غيرهم إلى مشاركتهم واتباعهم، ولو أنهم خفضوا رؤوسهم لله تعالى لخفض العالم رأسه أمامهم.
إن الإسلام قد وضّح لهم طريقهم الخاصة، فلماذا يستعيرون من غيرهم الطرق؟! وإذا كان الله قد رفع رؤوسهم فينبغي لهم ألا يخفضوها أمام غيرهم، هذه إرادة الله، وغيرة الله لا تسمح لمن أسلم أن يستسلم لغيره {إن الله لا يغفر أن يشرك به}".
كلمات للمصلح الهندي الكبير مولانا "أبو الكلام آزاد" الذي عاش قرابة السبعين عاما، قضاها في إيقاظ العقول والضمائر والهمم، وقد اجتمعت في الرجل صفات الزعامة الدينية والسياسية، فكان لعظمته وروعته أكثر من وجه، إلا أن أهم ما تميزت به هذه الشخصية النادرة المغيبة عن حياتنا الثقافية والفكرية، هو إدراكه العميق للأمور، وقدرته الفائقة على استشراف المستقبل، وبعده عن جمود التعصب، ورغبته الدفينة في الإصلاح، ناهيك عن غزارة علمه، وملكته النادرة في البيان، وسجيته النقية التي كانت تنظر إلى بعض بني جلدته الذين يرشدون الاستعمار الإنجليزي عليه، ويشهدون ضده في المحاكمة قائلة: "إني أعلم أن صوت الضمير يوبخكم في أعماق سرائركم على ما تعملونه، ولكنكم اضطررتم إليه اضطرارا؛ لأنكم لا تملكون ما تسدون به عوزكم، وترزقون به أهليكم، وليس فيكم قوة لتحمل البأساء والضراء في سبيل الحق؛ فلذا لا أحنق عليكم، بل أعفو عنكم، وأستغفر الله لكم".
هذه الكلمات قالها من خلف القضبان، لإدراكه أن الضعف الإنساني قد يتسلط على بعض الناس، فيطمس ضمائرهم، وهو لا يطلب من الحياة أن ترتفع بالناس جميعا إلى هذا المستوى الكريم الذي ارتفع هو إليه بالتضحية والاحتمال؛ لذا فهو يعذر ويغفر، بل تظل صلته بالضالين من قومه قائمة يعالجها بحكمته، ويداويها بتسامحه.
بين الهند ومكة
ولد أبو الكلام آزاد في مكة المكرمة سنة (1306هـ=1888م)، واسمه "محيي الدين أحمد بن خير الدين"، أما أبو الكلام آزاد فهي كنية ولقب اتخذه لنفسه، وكلمة آزاد تعني في اللغة الأردية: الحر، أما أبو الكلام فهي كنية لكونه كان خطيبا بارعا.
أسرة أبو الكلام لم تكن هندية الأصل، بل وفدت إلى الهند من بلاد الأفغان أيام الإمبراطور الهندي "بابر" الذي أسس الدولة المغولية في الهند سنة (932هـ=1526م)، وقد نشأ والده "خير الدين" يتيما، فكفله جده لأمه ورباه تربية دينية صوفية، ثم ما لبث الجد أن اصطحب حفيده إلى مكة المكرمة عندما رأى الإنجليز يمزقون دولة الإسلام في الهند، لكن أميرة إمارة "بهوبال" الإسلامية "سكندر جيهان بيكم" استوقفته وأبقته سنتين في إمارتها، ثم أذنت له باستكمال رحلته، لكن الجد توفي في "بومباي" وأكمل الحفيد خير الدين الرحلة فوصل مع بقية أفراد أسرته إلى مكة، وقد تجاوز عمره حينها الخامسة والعشرين.
استقر خير الدين في مكة، وتزوج من ابنة أحد كبار العلماء وهو الشيخ "محمد طاهر الوطري" التي أنجبت له أبو الكلام آزاد. كان خير الدين عالما صوفيا ذا مكانة عند مسلمي الهند يقصدونه في زيارتهم، وشاءت الأقدار أن يتعرض لحادث فتكسر ساقه ويضطر إلى السفر إلى "كلكتا" للعلاج، واستقر بها سنة (1308هـ = 1890م) استجابة لرغبة مريديه، بعدما قضى في مكة نحو 30 عاما.
وفي هذه البيئة الدينية الصوفية العاشقة للحرية الكارهة للاستعمار نشأ أبو الكلام يظله حرص والده على تعليمه تعليما دينيا، فأخذ في تعليمه بنفسه، ولم يرسله إلى المدارس، واستقدم له العلماء المتخصصين ليتولوا تعليمه وتوجيهه، ولم يأت عام (1322هـ=1904م) حتى استطاع أبو الكلام أن يحصّل كثيرا من العلوم وهو في السادسة عشرة من عمره.
كان والده خير الدين يرغب في أن يراه وهو يعلم الطلاب ويدرس لهم، فجمع له خمسة عشر طالبا ليعلمهم الفلسفة والمنطق والحساب، لكن آزاد كان يرغب في الخروج عن دراسته التقليدية، فأتقن اللغة الإنجليزية، وقرأ الإنجيل بثلاث لغات، وأتقن الفارسية، ودارت في نفسه في تلك السن الباكرة معركة كبيرة بين القديم الموروث والحديث والعلوم الجديدة التي أضاءت بعض جوانب عقله، فوقف حائرا على مفترق الطرق، لا يدري إلى أين يتجه، لكن نفسه الثورية الرافضة للسكون والركود جعلته يتحرر من قيود الموروث، ويدرس الجديد بعقلية ناقدة فاحصة ليصل إلى الحق، وسبب ذلك له أزمة مع والده الذي أقصاه عنه، فانتقل هذا الشاب الصغير الباحث عن الحقيقة بين كلكتا وبومباي متصلا بأهل الرأي والفكر من العلماء، واختار في هذا الوقت لنفسه لقب آزاد.
كانت رحلة الوصول إلى الحقيقة شاقة ذات معاناة؛ لأن الحقيقة ليست سلعة تشترى ولكنها تحتاج إلى حرارة المعاناة حتى تصفو من الشوائب، وامتدت عناية الله له فأنقذته من هذه الحيرة التي استمرت سنوات أربعا، أكمل بعدها العشرين عاما.
الرحلة والتغيير
كانت الهند في مطلع القرن العشرين الميلادي تموج بالغليان والسخط على الاحتلال الإنجليزي، وأدرك المستعمرون الإنجليز ضرورة شق الصف بين الشعب الهندي بإحداث فتنة بين المسلمين والهندوس حيث أخذوا يظهرون التقرب للمسلمين. وفي عام (1323هـ = 1905م) أعلن الإنجليز تقسيم منطقة البنغال إلى قسمين أحدهما للمسلمين، والآخر للهندوس، فاعتبر المسلمون ذلك إنصافا لهم، أما الهندوس فامتلأت نفوسهم بالشك تجاه المسلمين، إلا أن الإنجليز ألغوا قرار التقسيم سنة (1331هـ = 1911م).
وفي هذه الفترة حاول أبو الكلام الاتصال بكبار الثوار الهندوس، وفتح قنوات اتصال معهم لإزالة شكوكهم تجاه المسلمين وإقناعهم بقبوله في صفوفهم، وكان يقول للهندوس: "إن المسلمين بطبيعتهم ضد الاستعمار، فهم طلاب حرية وعزة واستقلال".
قام آزاد برحلة إلى البلاد الإسلامية للتعرف على أفكارها وأحوالها عن قرب سنة (1326هـ = 1908م)، وكان العالم الإسلامي في تلك الفترة قد بدأ في التفاعل مع الأفكار الثورية لجمال الدين الأفغاني، والدعوة الإصلاحية للإمام "محمد عبده" وتلميذه "رشيد رضا".
فجاء آزاد إلى القاهرة ودعوة الأفغاني ومحمد عبده و"مصطفى كامل" تجد صداها في المصريين، واتصل برجال الأزهر، ووقف على مناهجه وطرق الدراسة فيه، لكنها لم تستهوه، ثم زار "تركيا" و"فرنسا"، لكنه لم يكمل زيارته إلى أوروبا وعاد إلى الهند بعدما تلقى نبأ مرض والده.
وخرج من رحلته هذه بضرورة إحياء الروح الدينية واتخاذها أساسا للنهوض والتحرر من الاستعمار دون تعصب ديني، ومن ثم اتخذ وسائل علنية لإحياء الروح الدينية للمسلمين بدلا من العمل في الجمعيات السرية، يقول عن ذلك: "وبعد رجوعي إلى الهند فكرت بعض الوقت فيما يكون منهاجي للعمل في المستقبل، وانتهيت إلى ضرورة تربية الرأي العام، وتحقيقا لهذه الغاية لم يكن بد من إصدار مجلة".
بين الهلال والبلاغ
تأثر آزاد بمنهج الشيخ رشيد رضا ومجلته "المنار"، وأدرك دور مجلة "العروة الوثقى" التي أصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في إلهاب شعور المسلمين ضد الاستعباد والاستبداد، فقام بتأسيس جماعة دينية سماها "حزب الله"، ثم أسس مدرسة سماها "دار الرشاد"، ثم أخذ يعد العدة لإصدار مجلة "الهلال" التي اتخذها منبرا لدعوة المسلمين إلى التحرر العقلي والسياسي، وترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأردية حتى يفهمه المسلمون في الهند، ولا يعيشوا في عزلة عن معانيه.
وصدرت الهلال أسبوعية، وصدر عددها الأول من كلكتا في (26 جمادى الآخرى 1330هـ = 12 يونيو 1912م) وأنشأ مطبعة خاصة لها، وحققت قبولا واسعا في أوساط المسلمين، وبلغت كمية توزيعها (25) ألف نسخة أسبوعيا، وهو عدد ضخم جدا في تلك الفترة، وطيرت الهلال اسم أبو الكلام آزاد في أرجاء الهند، وظنه الناس كهلا كبيرا حنكته الحياة والتجارب حتى أخرجت منه هذا الرحيق من الأفكار البديعة البيان، ولم يعلموا أنه شاب في مقتبل العمر.
كانت الهلال نقطة تحول في تاريخ الصحافة في الهند، وفي واقع المسلمين؛ فكانت مدرسة في التدين القويم والوطنية والحرية، يقول عنها أحد كبار علماء الهند وهو "محمود الحسن": "كدنا ننسى مهمتنا فذكرتنا بها الهلال".
لم يستطع الإنجليز أن يسكتوا طويلا على النهضة الفكرية والروحية التي أحدثتها الهلال فقرروا إغلاقها في (شعبان 1333هـ= يونيو 1915م)، لكن آزاد لم يحطم قلمه، ولم ينكسر قلبه العاشق للحرية، فلم تمض إلا شهور قليلة حتى أصدر مجلة "البلاغ" في (4 محرم 1334هـ= 12 نوفمبر 1915م)، لكنها سرعان ما أغلقت بقانون الطوارئ بعد عدة أشهر من صدورها، ثم أبعد عن كلكتا ومنع من دخول ولايات "البنجاب" و"دلهي" و"بومباي"، فقصد البنغال، واستقر بمدينة "رانشي" التي كتب فيها تفسيره للقرآن الكريم، وترجم معانيه إلى اللغة الأردية.
ولم يمض وقت طويل حتى اعتقل وزج به في غياهب السجن، وقضى به 3 سنوات ونصف حتى أخرج في (ربيع آخر 1338هـ = يناير 1920م).
يتبع .....
أبو الكلام آزاد
"إنه ليس هناك ما هو أدعى للخزي والمهانة من أن يحني المسلمون رؤوسهم أمام أفكار غيرهم السياسية، إن الإسلام لا يسمح لهم بأن يكونوا ذيلا لغيرهم في أفكارهم، بل عليهم أن يدعوا غيرهم إلى مشاركتهم واتباعهم، ولو أنهم خفضوا رؤوسهم لله تعالى لخفض العالم رأسه أمامهم.
إن الإسلام قد وضّح لهم طريقهم الخاصة، فلماذا يستعيرون من غيرهم الطرق؟! وإذا كان الله قد رفع رؤوسهم فينبغي لهم ألا يخفضوها أمام غيرهم، هذه إرادة الله، وغيرة الله لا تسمح لمن أسلم أن يستسلم لغيره {إن الله لا يغفر أن يشرك به}".
كلمات للمصلح الهندي الكبير مولانا "أبو الكلام آزاد" الذي عاش قرابة السبعين عاما، قضاها في إيقاظ العقول والضمائر والهمم، وقد اجتمعت في الرجل صفات الزعامة الدينية والسياسية، فكان لعظمته وروعته أكثر من وجه، إلا أن أهم ما تميزت به هذه الشخصية النادرة المغيبة عن حياتنا الثقافية والفكرية، هو إدراكه العميق للأمور، وقدرته الفائقة على استشراف المستقبل، وبعده عن جمود التعصب، ورغبته الدفينة في الإصلاح، ناهيك عن غزارة علمه، وملكته النادرة في البيان، وسجيته النقية التي كانت تنظر إلى بعض بني جلدته الذين يرشدون الاستعمار الإنجليزي عليه، ويشهدون ضده في المحاكمة قائلة: "إني أعلم أن صوت الضمير يوبخكم في أعماق سرائركم على ما تعملونه، ولكنكم اضطررتم إليه اضطرارا؛ لأنكم لا تملكون ما تسدون به عوزكم، وترزقون به أهليكم، وليس فيكم قوة لتحمل البأساء والضراء في سبيل الحق؛ فلذا لا أحنق عليكم، بل أعفو عنكم، وأستغفر الله لكم".
هذه الكلمات قالها من خلف القضبان، لإدراكه أن الضعف الإنساني قد يتسلط على بعض الناس، فيطمس ضمائرهم، وهو لا يطلب من الحياة أن ترتفع بالناس جميعا إلى هذا المستوى الكريم الذي ارتفع هو إليه بالتضحية والاحتمال؛ لذا فهو يعذر ويغفر، بل تظل صلته بالضالين من قومه قائمة يعالجها بحكمته، ويداويها بتسامحه.
بين الهند ومكة
ولد أبو الكلام آزاد في مكة المكرمة سنة (1306هـ=1888م)، واسمه "محيي الدين أحمد بن خير الدين"، أما أبو الكلام آزاد فهي كنية ولقب اتخذه لنفسه، وكلمة آزاد تعني في اللغة الأردية: الحر، أما أبو الكلام فهي كنية لكونه كان خطيبا بارعا.
أسرة أبو الكلام لم تكن هندية الأصل، بل وفدت إلى الهند من بلاد الأفغان أيام الإمبراطور الهندي "بابر" الذي أسس الدولة المغولية في الهند سنة (932هـ=1526م)، وقد نشأ والده "خير الدين" يتيما، فكفله جده لأمه ورباه تربية دينية صوفية، ثم ما لبث الجد أن اصطحب حفيده إلى مكة المكرمة عندما رأى الإنجليز يمزقون دولة الإسلام في الهند، لكن أميرة إمارة "بهوبال" الإسلامية "سكندر جيهان بيكم" استوقفته وأبقته سنتين في إمارتها، ثم أذنت له باستكمال رحلته، لكن الجد توفي في "بومباي" وأكمل الحفيد خير الدين الرحلة فوصل مع بقية أفراد أسرته إلى مكة، وقد تجاوز عمره حينها الخامسة والعشرين.
استقر خير الدين في مكة، وتزوج من ابنة أحد كبار العلماء وهو الشيخ "محمد طاهر الوطري" التي أنجبت له أبو الكلام آزاد. كان خير الدين عالما صوفيا ذا مكانة عند مسلمي الهند يقصدونه في زيارتهم، وشاءت الأقدار أن يتعرض لحادث فتكسر ساقه ويضطر إلى السفر إلى "كلكتا" للعلاج، واستقر بها سنة (1308هـ = 1890م) استجابة لرغبة مريديه، بعدما قضى في مكة نحو 30 عاما.
وفي هذه البيئة الدينية الصوفية العاشقة للحرية الكارهة للاستعمار نشأ أبو الكلام يظله حرص والده على تعليمه تعليما دينيا، فأخذ في تعليمه بنفسه، ولم يرسله إلى المدارس، واستقدم له العلماء المتخصصين ليتولوا تعليمه وتوجيهه، ولم يأت عام (1322هـ=1904م) حتى استطاع أبو الكلام أن يحصّل كثيرا من العلوم وهو في السادسة عشرة من عمره.
كان والده خير الدين يرغب في أن يراه وهو يعلم الطلاب ويدرس لهم، فجمع له خمسة عشر طالبا ليعلمهم الفلسفة والمنطق والحساب، لكن آزاد كان يرغب في الخروج عن دراسته التقليدية، فأتقن اللغة الإنجليزية، وقرأ الإنجيل بثلاث لغات، وأتقن الفارسية، ودارت في نفسه في تلك السن الباكرة معركة كبيرة بين القديم الموروث والحديث والعلوم الجديدة التي أضاءت بعض جوانب عقله، فوقف حائرا على مفترق الطرق، لا يدري إلى أين يتجه، لكن نفسه الثورية الرافضة للسكون والركود جعلته يتحرر من قيود الموروث، ويدرس الجديد بعقلية ناقدة فاحصة ليصل إلى الحق، وسبب ذلك له أزمة مع والده الذي أقصاه عنه، فانتقل هذا الشاب الصغير الباحث عن الحقيقة بين كلكتا وبومباي متصلا بأهل الرأي والفكر من العلماء، واختار في هذا الوقت لنفسه لقب آزاد.
كانت رحلة الوصول إلى الحقيقة شاقة ذات معاناة؛ لأن الحقيقة ليست سلعة تشترى ولكنها تحتاج إلى حرارة المعاناة حتى تصفو من الشوائب، وامتدت عناية الله له فأنقذته من هذه الحيرة التي استمرت سنوات أربعا، أكمل بعدها العشرين عاما.
الرحلة والتغيير
كانت الهند في مطلع القرن العشرين الميلادي تموج بالغليان والسخط على الاحتلال الإنجليزي، وأدرك المستعمرون الإنجليز ضرورة شق الصف بين الشعب الهندي بإحداث فتنة بين المسلمين والهندوس حيث أخذوا يظهرون التقرب للمسلمين. وفي عام (1323هـ = 1905م) أعلن الإنجليز تقسيم منطقة البنغال إلى قسمين أحدهما للمسلمين، والآخر للهندوس، فاعتبر المسلمون ذلك إنصافا لهم، أما الهندوس فامتلأت نفوسهم بالشك تجاه المسلمين، إلا أن الإنجليز ألغوا قرار التقسيم سنة (1331هـ = 1911م).
وفي هذه الفترة حاول أبو الكلام الاتصال بكبار الثوار الهندوس، وفتح قنوات اتصال معهم لإزالة شكوكهم تجاه المسلمين وإقناعهم بقبوله في صفوفهم، وكان يقول للهندوس: "إن المسلمين بطبيعتهم ضد الاستعمار، فهم طلاب حرية وعزة واستقلال".
قام آزاد برحلة إلى البلاد الإسلامية للتعرف على أفكارها وأحوالها عن قرب سنة (1326هـ = 1908م)، وكان العالم الإسلامي في تلك الفترة قد بدأ في التفاعل مع الأفكار الثورية لجمال الدين الأفغاني، والدعوة الإصلاحية للإمام "محمد عبده" وتلميذه "رشيد رضا".
فجاء آزاد إلى القاهرة ودعوة الأفغاني ومحمد عبده و"مصطفى كامل" تجد صداها في المصريين، واتصل برجال الأزهر، ووقف على مناهجه وطرق الدراسة فيه، لكنها لم تستهوه، ثم زار "تركيا" و"فرنسا"، لكنه لم يكمل زيارته إلى أوروبا وعاد إلى الهند بعدما تلقى نبأ مرض والده.
وخرج من رحلته هذه بضرورة إحياء الروح الدينية واتخاذها أساسا للنهوض والتحرر من الاستعمار دون تعصب ديني، ومن ثم اتخذ وسائل علنية لإحياء الروح الدينية للمسلمين بدلا من العمل في الجمعيات السرية، يقول عن ذلك: "وبعد رجوعي إلى الهند فكرت بعض الوقت فيما يكون منهاجي للعمل في المستقبل، وانتهيت إلى ضرورة تربية الرأي العام، وتحقيقا لهذه الغاية لم يكن بد من إصدار مجلة".
بين الهلال والبلاغ
تأثر آزاد بمنهج الشيخ رشيد رضا ومجلته "المنار"، وأدرك دور مجلة "العروة الوثقى" التي أصدرها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في إلهاب شعور المسلمين ضد الاستعباد والاستبداد، فقام بتأسيس جماعة دينية سماها "حزب الله"، ثم أسس مدرسة سماها "دار الرشاد"، ثم أخذ يعد العدة لإصدار مجلة "الهلال" التي اتخذها منبرا لدعوة المسلمين إلى التحرر العقلي والسياسي، وترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأردية حتى يفهمه المسلمون في الهند، ولا يعيشوا في عزلة عن معانيه.
وصدرت الهلال أسبوعية، وصدر عددها الأول من كلكتا في (26 جمادى الآخرى 1330هـ = 12 يونيو 1912م) وأنشأ مطبعة خاصة لها، وحققت قبولا واسعا في أوساط المسلمين، وبلغت كمية توزيعها (25) ألف نسخة أسبوعيا، وهو عدد ضخم جدا في تلك الفترة، وطيرت الهلال اسم أبو الكلام آزاد في أرجاء الهند، وظنه الناس كهلا كبيرا حنكته الحياة والتجارب حتى أخرجت منه هذا الرحيق من الأفكار البديعة البيان، ولم يعلموا أنه شاب في مقتبل العمر.
كانت الهلال نقطة تحول في تاريخ الصحافة في الهند، وفي واقع المسلمين؛ فكانت مدرسة في التدين القويم والوطنية والحرية، يقول عنها أحد كبار علماء الهند وهو "محمود الحسن": "كدنا ننسى مهمتنا فذكرتنا بها الهلال".
لم يستطع الإنجليز أن يسكتوا طويلا على النهضة الفكرية والروحية التي أحدثتها الهلال فقرروا إغلاقها في (شعبان 1333هـ= يونيو 1915م)، لكن آزاد لم يحطم قلمه، ولم ينكسر قلبه العاشق للحرية، فلم تمض إلا شهور قليلة حتى أصدر مجلة "البلاغ" في (4 محرم 1334هـ= 12 نوفمبر 1915م)، لكنها سرعان ما أغلقت بقانون الطوارئ بعد عدة أشهر من صدورها، ثم أبعد عن كلكتا ومنع من دخول ولايات "البنجاب" و"دلهي" و"بومباي"، فقصد البنغال، واستقر بمدينة "رانشي" التي كتب فيها تفسيره للقرآن الكريم، وترجم معانيه إلى اللغة الأردية.
ولم يمض وقت طويل حتى اعتقل وزج به في غياهب السجن، وقضى به 3 سنوات ونصف حتى أخرج في (ربيع آخر 1338هـ = يناير 1920م).
يتبع .....