المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبو جعفر المنصور


بنت القسام
30-01-2007, 12:22 AM
ابو جعفر المنصور الخليفة العباسي


باني بغداد ومؤسس الحضارة من أجل الإنسان


(الجزء الأول)



http://www.baghdadch.tv/images/wwawaabourkarrd.jpg



لقد شهد (تاريخ الحضارة العربية الاسلامية) احداثا وانتصارات كبري لايمكن لها ان تحدث دون ان يكون وراءها رجال عظام ذوو شدة وبأس عظيمين، رجال تمثلت بهم روح الامة فعاهدوا الله وانفسهم علي المضي متابعين الليل بالنهار في طريق البناء والمجد والسؤدد، والرجال العظام في التاريخ هم الذين يأخذون مكانا لايمكن لغيرهم ان يأخذه، فيفجرون بذلك مكنونات الانسان الداخلية الخلاقة الي اقصاها لكي يديموا عجلة الحضارة لانسانهم وشعبهم وامتهم وبالتالي ينيرون الطريق امام شعوب الارض.


ولعل( الخليفة ابو جعفر المنصور) احد ابرز هؤلاء الذين نشير اليهم بعز ونتذكر مفاخرهم، فأذا كان بناء بغداد لوحده يعد عملا جبارا لايدانيه عمل، كونها اصبحت به مدينة الاشعاع الحضاري الذي عم نوره ارجاء المعمورة، وامها المبدعون من ارجاء الارض، حتي قيلت بها الاساطير وسرحت باحداثها الاخيلة والاحلام اذا كان هذا هو الذي يبصر اليوم، فان حنكة المنصور وحكمته قد وفرت لامة العرب دما طاهرا وجهدا خلاقا كان سيذهب سدي فيما لو ظلت شوكة الايرانيين تعيث الفساد وتتحين الفرص للنيل من امتنا ورسالتها السماوية الشريفة، رسالة الحق والعدل، رسالة الاسلام الحنيف فبحكمته استطاع ان ينقذ المسيرة من غدرهم ومطامعهم وذلك باجتثاث اكبر رؤوسهم ومن والاه ومن تبعه ونعني به (ابو مسلم الخراساني)كذلك فانه عاش الفترة الحقيقية لاستتباب الامن بعد ان استطاع معالجة ومواجهة كل الدسائس والمؤامرات التي كانت تحركها المطامع والرغبات الشخصية، بحزم وثبات وان يبدأ الخطوة الصحيحة فيقدم لبناء بغداد السلام بغداد العظيمة.


انه بحق احد الرجال العظام البارزين في تاريخ امتنا العريق لذا سنحاول هنا - قسرا- الاختصار والاشارة عن مسيرة هذا( الخليفة العظيم) لأن نتناول خلافتها التي تحتاج منا الي المجلدات تلو المجلدات وبالله توفيقنا وبه نستعين.

ابو جعفر المنصورنسبه وولادته


هو (عبد الله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبد المطلب ابو جعفر المنصور)، ولد سنة خمس وتسعين للهجرة في الحميمة من ارض الشراة قرب معان علي مقربة من العقبة وقد درس ابو جعفر في ابان ولادته ونشأته( النحو واللغة والتاريخ) وعني (بقراءة القرآن وتفهم معانيه ورواية الاحاديث والسنن والتعمق في الفقه واستنباط الاحكام والشرائع) وحفظ (الخطب البليغةوالقصائد) والّم بعلم (الفلك والنجوم) وتنقل في( الحواضر الاسلامية) فذهب الي البصرة والكوفة والموصل وكان يحضر في هذه المدن حلقات الدراسة في الادب والفقه واتصل بكثير من الفقهاء المعاصرين له وكان قبل الخلافة يقال له(ابو عبد الله الطويل).




روي ذلك الطبري في تاريخ الرسل والملوك واضاف في اوصافه (كان اسمر طويلا نحيفا خفيف العارضين رحب الجبهة، يخضب بالسواد كأن عينيه لسانان ناطقان.. يخلط ابهة الملوك بزي النساك.. تقبله القلوب وتتبعه العيون).
وكان من اشد افراد الدهر حزما ودهاءا وجبروتا شجاعا مهيبا تاركا للهو واللعب وقد نقش علي خاتمه (الله ثقة عبد الله وبه يؤمن) .


وكانت ولادته في( ذي الحجة )وتوفي في( ذي الحجة من عام 158للهجرة).


وفاة ابي العباس وخلافة المنصور


في يوم الاحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ذي الحجة( سنة 136 للهجرة) توفي الخليفة (ابو العباس السفاح) مؤسس( الدولة العباسية) في مدينة الهاشمية مقر الخلافة انذاك في منطقة الانبار علي مقربة من الكوفة وكان وقتها المنصور حاجا فأخذ له البيعة عيس بن علي علي من حضر من الهاشميين والقواد في الانبار اثناء وفاة ابي العباس وقد وافاه الخبر بوفاة اخيه وهو في طريق مكة عائدا وذلك بعد الوفاة بخمسة عشر يوما

فقال لمن معه :اي موضع هذا ؟

قال له: موضع يقال له الزكية

قال: امر يزكي ان شاء

وبويع بالخلافة وهو في موضع يقال له الصفيّه

فقال لمن معه :اي موضع هذا ؟

قالوا له: الصفيّه

قال: امر يصفو لنا اعداد السنين




صفاته واخلاقه



كان المنصور يكره سفك الدماء الا بالحق، فقد بلغه ان (عيسي بن موسي) قتل رجلا من ولد( نصر بن سيار)، والي (مروان بن محمد الاموي)، كان مستخفيا في الكوفة فانكر ذلك علي عيسي وهم بقتله ثم عدل عن هذا العمل بعد ان بلغه انه - اي عيسي - لم يقم بذلك عن سوء نية فكتب اليه ابو جعفر يؤنبه علي فعلته ويأمره ان لايعاقب احدا عن ريبة او ظنة. وانما لثبوت التهمة عليه وتوافر الادلة علي جرمه.

وقد عرف المنصور بالثبات عند الشدائد، ولاشك ان هذه الصفة كانت من ابرز الصفات التي كفلت له النجاح اذا صادفته احدي الصعوبات وكانت كثيرة في عهده كما سيأتي بحثها لاحقا.


ومما يسجل للمنصور بالفخر والاعجاب قيامه في وجه من خرجوا عليه فقد تغلب عليهم بفضل هذا الثبات ووطد دعائم حكمه والذين خرجوا كانوا كثيرين سواء من الفرس وبطونهم او من قبائل العرب حتي وصل الامر الي اهل بيته وكان علي رأسهم عمه (عبد الله بن علي) وكان المنصور من الحزم وصواب الرأي وحسن السياسة علي ماتجاوز كل وصف، وكان يعطي الجزيل والخطير ماكان اعطاؤه حزما ويمنع الحقير اليسير ماكان اعطاؤه تضييعا.

وقد وصف ابن طباطبا مؤلف (الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية) المنصور بهذه العبارة اذ قال (كان المنصور من عظماء الملوك وحزمائهم وعقلائهم وعلمائهم وذوي الاراء الصائبة منهم والتدبيرات السديدة، وقورا شديد الوقار، حسن الخلق في الخلوة، من اشد الناس احتمالا لما يكون من عبث اومزاح فاذا لبس ثيابه وخرج الي المجلس العام تغير لون وجهه واحمرت عيناه وانقلبت جميع اوصافه.


وقد كان حريصا علي متابعة امور المسلمين والعدل بينهم فمما يروي بهذا الصدد (ولي المنصور رجلا من العرب حضرموت فكتب اليه صاحب البريد يخبره انه يكثر الخروج في طلب الصيد ببزاة وكلاب قد اعدها)

فعزله المنصور وكتب اليه (ثكلتك امك وعمتك عشيرتك، ماهذه العدة التي اعددتها للنكاية بالوحش، انّا انما استكفيناك امور المسلمين ولم نستكفك امـــــور الوحش، سلّم ماكنت تلي من عملنا الي فلان بن فلان والحــــق بأهلك ملوما مدحورا)


كما عرف المنصور بالفصاحة في القول والابانة عن مقصده وليس ادل علي ذلك من طبته بكة



ايها الناس انما انا سلطان الله في ارضه، اسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده وتبصيره، وخازنه علي فيئه اعمل فيه بمشيئته واقسمه بأرادته، واعطيه بأذنه. وقد جعلني عليه قفلا، شاء ان يفتحني لأعطائكم وقسم ارزاقكم فتحني. واذا شاء ان يقفلني عليها اقفلني فارغبوا الي الله واسألوه في هذا اليوم الشريف الذي وهبكم فيه من فضله مااعلمكم في كتابه اذ يقول (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) ان يوفقني للصواب والرشاد، ويلهمني الرأفة بكم والاحسان اليكم ويفتحني لاعطائكم وقسم ارزاقكم بالعدل عليكم.


ولم يتخذ المنصور تسنم الخلافة للعيشة الرافهة قد كان ميالا بطبيعته الي النظام الذي هو اساس نجاح الاعمال فكان ينظر في صدر النهار في امور دولته ومايعود علي الرعية من خير، فاذا صلي العصر جلس مع اهل بيته فاذا صلي العشاء نظر فيما يرد عليه من كتب الولايات والثغور وشاور وزيره ومن حضر من رجالات دولته فيما اراد من ذلك، فاذا مضي نصف الليل انصرف سماره وقام الي فراشه فنام الثلث الثاني ثم يقوم من فراشه فيتوضأ ويجلس في محرابه حتي مطلع الفجر، ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يدخل فيجلس في ايوانه ويبدأ عمله كعادته في كل يوم ولقد اشتهر بالجد في بلاطه فلم يعرف عنه ميل الي اللهو او العبث.

روي الطبري عن حماد التركي ان المنصور سمع في داره جلبة فقال: ماهذا ياحماد ؟ انظر !


فذهب حماد فاذا خادم له قد جلس بين الجواري وهو يضرب يعزف لهن بالالة الموسيقية المعروفة بالطنبور وهن يضحكن.

فمشي المنصور رويدا رويدا حتي اشرف عليهن، فلمارأينه تفرقن، فامر مولاه بان يضرب رأس الخادم بالطنبور، فلم يزل يضرب به رأسه حتي كسره ثم اخرجه المنصور من قصره وقالت بعض الروايات انه باعه .

لقد كان رجل عمل وجد، يستغرق معظم وقته للنظر في شؤون الدولةويستاثر بالنصيب الاكبر من جهده .

ولم يكن المنصور مبالغا حين اوصي ابنه وولي عهده قائلا (انظر في امر النزاع اليك ووكل بهم عينا غير نائمة، ونفسا غيرلاهية، ولاتنم فان اباك لم ينم منذ ولي الخلافة، ولادخل عينه الغمض الاوقلبه مستيقظ)


وكان يقول : مااحوجني الي ان يكون علي بابي اربعة نفر لايكون علي بابي اعف منهم، هم اركان الدولة ولايصح الحكم بدونهم,اما حدهم فقاض لاتأخذه بالله لومة لائم,والآخر صاحب شرطة يصف الضعيف من القوي ,والثالث صاحب خراج يستقضي ولايظلم الرعية,ثم عض علي اصبعه السبابة ثلاث مرات يقول في كل مرة آه آه.


فقيل له: ماهذا ياامير المؤمنين ؟

قال: صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء علي الصحة.

فلعل قول ابن هرمة في المنصور مادحا دليل ما قلنا وفيها حسن خاتمة ما اردنا:

كريم له وجهان وجه لدي الرضا

اسيل ووجه في الكريهة باسل

وليس بمعطي العفو عن غير قدرة

ويعفو اذا امكنته المقاتل الاحداث السياسية... الفتن والاضطرابات




ان المتابع لعصر الخليفة ابو جعفر المنصور يجد انه العصر الذي كثرت فيه الفتن وازداد اوار الاضطرابات شدة، فقد واجه هذا الخليفة مالايعد ولايحصي في العراق والشام والجزيرة وخراسان ولكنه استطاع بدهائه وحكمته وشدة بأسه ان يواجهها جميعا بحزم وبسالة وان يقبرها تماما ويديم بذلك الامن والاستقرار لاركان دولته وينعم علي المسلمين الخير والطمأنينة.

ولعل هذا الموقف هو الذي حدا بالمؤرخين اعتباره (المؤسس الثاني للدولة العباسية) وخاصة مواجهته (لتيار الشعوبي الفارسي) المتمثل انذاك ابو مسلم الخراساني الذي اراد من خلال مؤازرته للدولة العباسية الالتفاف علي عهوده ونكث وعوده ومن ثم الاستفراد بالسطة واعادة بث دين اجداده، ومما يدعم نظرتنا لهذا الموضوع ونعني به محاولة ابي مسلم لاعادة دين الاجداد وتدمير الاسلام هو ان الذين تمردوا طالبين الثأر لدمه بعد ان قتله المنصورهم( طائفة الخرمية).



الطائفة الخرمية والفاطمية



وهي الطائفة التي تدعي (المسلمية)نسبة الي( ابي مسلم) وهي الطائفة التي كانت تقول( بامامة ابي مسلم) واختلفوا بعد موته فمنهم من رأي انه لم يمت ولن يموت وانه سيظهر ليقيم العدل ويمنع الجور وفرقة قطعت بموته وقالت (بامامة ابنته فاطمة) وهؤلاء كانوا يدعون (بالفاطمية).

ومما لاشك فيه ان قتل( ابي مسلم الخراساني) قد انقذ الامة والدين من مرتد شديد الدهاء استطاع ان يصل اعلي مراتب السلطة، واستطاع من خلال الدولة العباسية ان يجد له الكثير من الانصار حتي ان بعض الامراء .


قالوا للخليفة ابي جعفر المنصور بعد ان قتل ابي مسلم : الان صرت خليفة.


وهو قول حق كان يدركه( المنصور )وينتظر ساعة تحقيقه فلا خلافة حقة ولا امان لدولة المسلمين في ظل وجود من دخلوا الدين بالسيف ومازالوا يتباكون (مجد الساسانيين).



بين ابي العباس والمنصور



لقد كان ابو جعفر المنصور متابعا مراقبا لتصرفات هذا المتكبر والمتكابر علي قوم اوصلوه ا لي اعلي رتب السلطة وكان كثيرا مايطلب ويوصي اخاه (ابا العباس السفاح) بضرورة تصفية هذا اللعين فقد خاطبه مرة كما ذكر ذلك علي ادهم في كتابه ابو جعفرالمنصور

المنصور: ياامير المؤمنين اطعني واقتل ابا مسلم فو الله ان في رأسه لغدره

ابو العباس: يااخي لقد عرفت بلاءه وماكان منه.

المنصور: ياامير المؤمنين انما كان بدولتنا والله لو بعثت سنورا لقام مقامه وبلغ مابلغ في هذه الدول.

ابو العباس: فكيف نقتله؟

المنصور: اذا دخل عليك وحادثته واقبل عليك دخلت انا فضربته من خلفه ضربة اتيت بها علي نفسه.

ابو العباس: فكيف باصحابه الذين يؤثرونه علي دنيـــــــــــــــــاهم ودينهم ؟

المنصور: يؤول ذلك كله الي ما تريد ولو علموا انه قتل تفرقوا وذلوا.

ابو العباس: عزمت عليك الا كففت عن هذا.

المنصور: اخاف والله ان لم تتغده اليوم يتعشاك غدا .

ابو العباس : فدونك انت اعلم.

وخرج المنصور من عنده عازما علي ذلك وفكرابو العباس بالموضوع فاستهول الاقدام علي اغتيال ابي مسلم وندم علي سابق موافقته لابي جعفر وارسل لابي جعفر ينهاه عن ذلك الامر وقيل ان ابا العباس لما اذن لابي جعفر في قتل ابي مسلم دخل ابو مسلم علي ابي العباس خادما له فقال: اذهب وانظر مايفعل ابو جعفر فاتاه فوجده محتبيابسيفه.

فقال ابو جعفر للخادم: اجالس امير المؤمنين ؟

فقال الخادم: قد تهيأ للجلوس ثم رجع الي ابي العباس فاخبره بما رأي فرده الي ابي جعفر وقال له قل له الامر الذي عزمت عليه لاتنفذه.

ابو مسلم الخراساني

كان (ابو مسلم قصيرا ) اسمر احور العين عريض الجبهة وافر اللحية شديد المفاخرة عصبي الانتماء لقوميته، لم يتوان لحظة للحد من شأن العرب والعمل علي تفريق كلمتهم، وكشأن اسلافه دعيا متكلفا بالابهة التي نهي الله عنها وكان كل ذلك يحصل علي حساب العرب الذين اوصلوه وعلي حساب دولتهم التي وفرت له النعم وعلي حساب دين الاسلام الذي ابان له طريق الحق، ولعل عمله وهو ذاهب لأداء مناسك الحج في (عام 136للهجرة) اي في العام الذي مات فيه( ابو العباس السفاح) وتولي فيه (ابو جعفر المنصور) الخلافة.


وكما روي الطبري المؤرخ الصادق الامين في عمله تاريخ الرسل والملوك مايؤكد ماذهبنا اليه حيث يقول (خرج _ وعني ابو مسلم الخراساني _ الي مكة فكان ابو مسلم يصلح العقاب ويكسو الاعراب في كل منزل ويصل من سألهوكسا الاعراب البتوت والملاحف وحفر الابار وسهّل الطرق فكان الصوت له، فكان الاعراب يقولون هذا المكذوب عليه).



ان مثل هذا العمل لم يطرقه (ابو مسلم) حبا بالاعراب اوحبا بالخير وانما فعله نكاية بالعرب وكان يخص( ابا جعفر المنصور) الذي حج في ذات العــــام .


وفي ذلك مايروي( حدث ان ابا مسلم قد كتب الي ابي العباس السفاح يستأذنه في الحج وذلك في عام 136للهجرة كما ذكرنا ذلك، حينها ادرك ابو العباس ان ابا مسلم لايريد الحج لنفسه وانما اراد ان يوليه ابو العباس اقامة الحج للناس، فكتب ابو العباس الي اخيه ابي جعفر المنصور وكا ن وقتها قائما علي الجزيرة وارمينية واذربيجان ان ابا مسلم كتب الي يستأذنني في الحج وقد اذنت له وقد ظننت انه اذا قدم يريد ان يسألني ان اوليه الحج للناس فاكتب الي تستأذنني في الحج فانك اذا كنت بمكة لم يطمع ان يتقدمك فكتب ابو جـعفر المنصور الي ابي العباس يستأذنه في الحج فاذن له).


يتبع.....

بنت القسام
19-09-2008, 03:38 PM
ابو جعفر المنصور الخليفة العباسي


البجلي وجيشه يوقف تقدم تحركات ملك الخزر


"الجزء الثاني"




فلما وصل ابو مسلم الانبار قادما من خراسان عرف بقضية حج ابي جعفر فامتعض وقال (اما وجد ابو جعفر عاما يحج فيه غير هذا) واضطغنها عليه، اي انه حولها الي حقد في قلبه، وكأن في الحج منافسة بينه وبين خلفاء المسلمين.

ويضيف الطبري في مجلده العاشر من تاريخه (ولما صدر الناس عن الموسم نفر ابو مسلم قبل ابي جعفر فتقدمه فاتاه كتاب بموت ابي العباس واستخلاف ابي جعفر فكتب الي ابي جعفر يعزيه بامير المؤمنين ولم يهنئه بالخلافة ولم يقم حتي يلحقه ولم يرجع فغضب ابو جعفر فقال لابي ايوب اكتب له كتابا غليضا).

لقد تركت هذه الحادثة وقعها في نفس ابي جعفر فبعد ان حاول رشوة الناس من اموال بني العباس عاد يتكابر ولا يهنيء خليفتهم الجديد لمناسبة استلامه مهام الخلافة.
اشتداد الخلاف


توالت الاحداث وكثرت المواجهات وعظم الامر في صدر ابي جعفر المنصور من تصرفات، ابي مسلم فارسل له خيرة رجاله يتابعه وهو (الحسن بن قحطبه)
فجاء الحسن الي مسلم بن المغيرة قائلا (اريد ان القي اليك شيئا لتبلغه الي ابي ايوب وزير المنصور ولولا ثقتي بك لم اخبرك ولولا مكانك من ابي ايوب لم اخبرك فابلغ ابا ايوب اني قد ارتبت بابي مسلم منذ قدمت عليه.. ياتيه الكتاب من امير المؤمنين فيقرأه ثم يلوي شدقه ويرمي بالكتاب الي ابي نصر "من رجال ابي مسلم فيقرأه ويضحكان استهزاء ).

وحدث انه لما ظفر ابو مسلم بعسكر عبد الله بن علي عم المنصور وكان خارجا عنه بعث المنصور يقطين بن موسي وامره ان يحصي مافي العسكر فاستاء ابو مسلم وغضب ثم قال (يايقطين امين علي الدمي خائن في الاموال) وشتم ابا جعفر وهم بقتل يقطين لولا ان البعض قال له انه رسول.وقد اراد المنصور مسايسته بكل شكل فابلغه ان يتولي الشام ومصر فرفض ذلك ابو مسلم وقال (خراسان لي ) وخرج ابو مسلم يريد خراسان مراغما مشاقا وارتحل المنصور من الانبار الي المدائن فجمع رجاله ومقربيه وكان منهم عيسي بن موسي و عيسي بن علي وجمع من بني هاشم وقال لهم اكتبوا الي ابي مسلم.

فكتبوا اليه يعظمون امره ويشكرون ماكان منه ويسألونه ان يتم علي ماكان منه وعليه من الطاعة ويحذرونه عاقبة الغدر ويأمونه بالجوع الي امير المؤمنين وان يلتمس رضاه.

وبعث بالكتاب ابو جعفر وقال لمن حمل الكتاب:كلم ابا مسلم بالين ماتكلم به احدا ومنّه واعلمه اني رافعه وصانع به مالم يصنع به احد ان هو صلح وراجع مااحب، فان ابي ان يرجع .

فقل له:يقول امير المؤمنين لست للعباس وانا بريء من محمد ان مضيت مشاقا ولم تاتني ان وكلت امرك الي احد سواي وان لم ال طلبك وقتالك بنفسي
وأن خضت البحر لخضته ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتي اقتلك او اموت قبل ذلك، ولا تقول له هذا الكلام حتي تيأس منه ولا تطمع منه بخير.

فلما وصل حامل الكتاب كلمه وقال له: لاتحبط اجرك ولايستهوينك الشيطان، افتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهي املنا ان تفسد امرنا وتفرق كلمتنا.

فاقبل ابو مسلم علي ابي نصر فقال: يامالك اما تسمع مايقول لي هذا ماهذا بكلامه يامالك.

فقال له مالك: لاتسمع كلامه ولايهولنك هذا منه، فلعمري لقد صدقت ماهذا كلامه ولما بعد هذا اشد منه فامض لامرك ولاترجع فوالله لئن اتيته ليقتلنك ولقد وقع في نفسه منك شيء لايأمنك ابدا.

فقال ابومسلم: قوموا، فنهضوا .

فارسل الي نيزك وهو من رجاله وقال: يانيزك اني والله مارأيت طويلا اعقل منك فما تري فقد جاءت هذه الكتب وقد قال القوم ماقالوا.قال نيزك: لااري ان تأتيه واري ان تأتي الري منطقة تحد بلاد اصبهان وخراسان فيصير مابين خراسان والري لك وهم جندك مايخالفك احد فان استقام لك استقمت له وان ابي كنت في جندك وكانت خراسان من ورائك ورأت رأيك.فقال ابو مسلم لرسول المنصور: ارجع الي صاحبك فليس من رأي ان آتيه.

قال: قد عزمت علي خلافه ؟

قال: نعم.

قال: لاتفعل.

قال: مااريد ان القاه. مقتل ابي مسلم


بعد مراسلات ومحاولات جرت مابين الخليفة المنصور وابي مسلم، كان فيها المنصور منصفا واثق الرأي قوي الشكيمة، وكان فيها ابو مسلم مترددا لايهدأ له بال، قدم ابو مسلم نزولا عند رغبة الخليفة للمثول بين يديه وكان حينها الخليفة في المدائن والغضب يغلي في صدره علي حامل اللعنة الغادر ابي مسلم، وقد هيأ خطته كاملة لانهائه باعتباره اخطر مايتهدد امن وسيادة دولته كان ابو مسلم يعلم جيد العلم ان سلطان ابو جعفر قائم علي دعامتين قويتين ليس من السهل هدمهما وهما قوة الدين وشرف النسب .

فلما وصل ابو مسلم المدائن خرج القوم لأستقباله ولما وصل بين يدي الخليفة حياه وابو مسلم مرتبكا مرتجفا ثم قال له: اذهب وارتح من عناء السفر، اذهب واستحم.

ولكن الرجلين ماناما تلك الليلة فابو جعفر المنصور يفور في صدره الغضب وتتعالي صيحة ضميره بضرورة قتل هذا الفاسق الخائن، وابو مسلم الذي كان يخيف ويرعد تحول الي كتلة مرتجفة من الخوف والجبن يتقلب علي جنبيه رعبا فلما اصبح الصباح قدم ابو مسلم يحمل في نفسه الف سؤال وسؤال عن ما ستفرزه ساعة هذا الصباح وقد جلس المنصور الي مكانه بعد ان اتفق مع اربعة من رجاله الاشداء ان يختفوا بسيوفهم ويداهموا ابا مسلم حالما يصفق بيديه وراح المنصور يحدثه مستانسا بخوفه وذله بعد ان كان يهدد بما لاطاقة له به.

قال المنصور: اخبرني عن نصلين اصبتهما في متاع عبد الله بن علي
( عم المنصور).

قال: هذا احدهما الذي عليّ.

قال: ارنيه.

فانتضاه فناوله ابو جعفر ثم وضعه تحت فراشه واقبل عليه يعاتبه

قال: اخبرني عن كتابك الي ابي العباس تنهاه عن الموت، اردت تعلمنا الدين ؟

وراح ابومسلم يبرر ويعتذر واوصاله ترتعد خوفا ويداه ترتجف من حين هذه الساعة الحاسمة.

فقال له المنصور:ياابن الخبيثة، والله لو كانت امة مكانك لأجزت ناحيتها انما عملت ماعملت في دولتنا وبريحنا ولو كان ذلك اليك ماقطعت فتيلا.
الست الكاتب الي تبدأ بنفسك ؟

الست الكاتب اليّ تخطب عمتي آنة بنت علي وتزعم انك ابن سليط بن عبد الله بن العباس ؟ لقد ارتقيت لا ام لك مرتقي صعبا.

فاخذ ابو مسلم بيده يعركها ويقلبها ويعتذر اليه ويحاول تقبيل يديه والوقوع علي اقدامه، والمنصور يزأر كالاسد وعيناه تبرقان موتا لهذا الناكث العهد والسيافون يترقبون اللحظة ليظهروا الولاء ويدافعوا عن دينهم ونسبهم وعزتهم حتي صفق المنصور بيديه وراحت السيوف تلمع علي ضوء الشموع، وقيل ان عثمان بن ناهيك ضرب ابا مسلم اول ماضرب ضربة خفيفة بالسيف فلم يزد علي ان يقطع حمائل سيفه فاعتقل ابو مسلم وضربه شبيب بن واج فقطع رجله واعتوره بقية اصحابه حتي قتلوه والمنصور يصيح بهم اضربوا قطع الله ايديكم.

وقد كان ابو مسلم قال فيما قيل عند اول ضربة اصابته: ياامير المؤمنين استبقني لعدوك.

فقال له لمنصور: لا ابقاني الله اذا واي عدو لي اعدي منك.

وبعد ان تم قتله تم تقطيعه ولفه ببساط وراح يزأر حوله شعرا

زعمت ان الين لايقتضي

فاكتل بما كلت ابا مجرم

واشرب كؤوسا كنت تسقي بها

امّر في الحلق من العلقم

حتي متي تضمر بغضا لنا

وانت في الناس بنا تحتمي

وبعد ان هدأ قليلا ودعا قواده ورجاله ليحادثهم حول مقتله - اتون لروايته - امر الرجال بحمله والقائه في دجلة.

من احداث الليلة العجيبة

قيل ان عيسي بن موسي دخل بعدما قتل ابو مسلم .

فقال:ياأمير المؤمنين اين ابو مسلم ؟

فقال له المنصور: قد كان هاهنا آنفا.

فقال عيسي: ياأمير المؤمنين قد عرفت طاعته.

فقال المنصور: والله ما اعلم في الارض اعدي لك منه، هاهو ذاك في البساط.وكان لعيسي رأي في ابي مسلم.

فقال له المنصور: خلع الله قلبك وهل كان لكم ملك او سلطان او امر او نهي مع ابي مسلم.

ثم دعا ابو جعفر المنصور بجعفر بن حنظلة فدخل عليه فقال له المنصور: ماتقول في ابي مسلم ؟فقال له: ياأمير المؤمنين ان كنت اخذت شعرة من رأسه فاقتل ثم اقتل ثم اقتل.

فقال المنصور: وفقك الله.

ثم دخل اسماعيل بن علي فقال: ياأمير المؤمنين اني رأيت في ليلتي هذه كأنك ذبحت كبشا واني توطأته برجلي.

فقال المنصور: نامت عينك ياابا الحسن قم فصدق رؤياك قد قتل الله الفاسق.فقام اسماعيل الي الموضع الذي فيه ابو مسلم فتوطأه.


احداث توالت

حينما علمت طائفة الخرمية بقتل ابي مسلم تجمعت حشودها بزعامة رجل يدعي سنباذ وذلك في ذات العام، وكان سنباذ هذا مجوسيا، وتمرده مطالبا بدم ابي مسلم هو الدليل القاطع علي صلة ابي مسلم بالمجوسية وبراءته من الاسلام، وقد تغلب علي قومس واصبهان مناطق فارسية وكانوا يسمونه اصبهبذ فبعث اليه ابو جعفر المنصور جيشا من عشرة آلاف فارس بقيادة جهر بن مرار العجلي فالتقي الجيشان بين همذان والري بالمفازة وقد دارت رحي معركة طاحنة ضروس صبر فيها الجيشان وانجلت بمقتل سنباذ ومايقارب ستين الف من اتباعه وتمت السيطرة علي اموال وخزائن ابي مسلم التي سبق ان سيطر عليها سنباذ وكان مقتل هذا المجوسي بعد مقتل سلفه ابو مسلم بسبعين يوما.ولكن جهور طمع بخزائن واملاك ابي مسلم وكانت وافرة بالري خرج عن المنصور فخلعه المنصور وارسل له جيشا بقيادة ابو جعفر محمد بن الاشعث الخزاعي ولقبه محمد واقتتلوا قتالا شديدا وكان مع جهور نخبة من فرسان العجم فهزم جهور واصحابه وقتل منهم خلق كثير وهرب جهور ولحق باذربيجان وقبض عليه بعد ذلك وقتل.

الراونديه

استمرت افعي الفرس تمد سمها الراعف نحو الدولة العربية فلم يتوقف هؤلاء عن المكائد والدسائس ولا عن التزوير والتهم والاباطيل، وكانوا حالما يولون الثقة يذهبون بالناس قتلا.ففي (سنة 141للهجرة )خرجت طائفة يقال لها (الراوندية) علي المنصور وكان اصلها من ذات الاصل من خراسان وهم علي رأي( ابي مسلم الخراساني).

كانوا يؤمنون:( بالتناسخ).

ويزعمون: ان روح آدم انتقلت الي( عثمان بن نهيك) احد رجال المنصور.

وان: (الهيثم بن معاوية) هو جبريل.

وان :ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو( ابو جعفر النصور).

وكما قال المؤرخ ابن كثير رحمة الله عليهم قبحهم الله قال ابن جرير:

فاتوا يوما قصر المنصور فجعلوا يطوفون به

ويقولون: هذا قصر ربنا.

فارسل المنصور الي رؤسائهم فحبس منهم مئتين فغضبوا من ذلك

وقالوا: علام تحبسهم ؟

ثم عمدوا الي نعش فحملوه علي اكتافهم وليس عليه احد واجتمعوا حوله كأنهم يشيعون جنازة واجتازوا باب السجن فالقوا النعش ودخلوا السجن قهرا واستخرجوا من فيه من اصحابهم وقصدوا نحو المنصور وهم في ستمئة رجل فتنادي الناس وغلقت ابواب البلدوخرج المنصور من القصر وقصد حول
(الراوندية )وجاء الناس من كل ناحية وجاء (معن بن زائدة) فلما رأي المنصور ترجل واخذ بدابة المنصور .

وقال:ياأمير المؤمنين ارجع نحن نكفيكم.

فابي وقام اهل الاسواق اليهم فقاتلوهم وجاءت الجيوش فالتفوا عليهم من كل ناحية فحصدوهم عن آخرهم ولم يبق منهم بقية وكانوا قد جرحوا(عثمان بن نهيك)الذي ادعوا ان روح آدم انتقلت اليه.حيث كان احدهم قد اصابه بين كتفيه فمرض اياما ثم مات فصلي عليه الخليفة وقام علي قبره حتي دفن ودعا له وولي اخاه (عيسي بن نهيك) علي الحرس وكان ذلك كله بالمدينة الهاشمية قرب الكوفة.

احداث اخري

استمرت الفتن تتوالي والاحداث تدور فلم يكن المنصور يخرج منتصرا من واحدة الا وظهرت واحدة اخري او اثنتان معا وهذا كله يفسره ان المجتمع العربي في تلك المرحلة بدأ علي يد هذا القائد ينهض نهضته الكبري وان العقليات الانانية التواقة للملك والجاه ارادت جاهدة اعتراض هذه المسيرة الهادرة الخلاقة.ففي عهده تحركت الخزر بناحية ارمينية ووثبوا بــ (يزيد بن اسيد السلمي) فكتب الي المنصور يعلمه ان رأس طرخان ملك الخزر قد اقبل اليه بجيش عظيم وان خليفته انهزم فوجه اليه ابو جعفر المنصور جبريل بن يحيي البجلي في عشرين الفا من اهل الشام واهل الجزيرة واهل الموصل فواقع الخزر فقتل خلقا من المسلمين وانهزم جبريل ويزيد حتي اتيا خرس فلما انتهي الامر الي المنصور بما نال وظهور الخزر ودخولهم بلاد الاسلام بعث فجمع من كل بلد خلقا عظيما ووجه بهم وبفعلة وبنائين فبني مدينة كمخ ومدينة "المحمدية ومدينة باب واق ومدن عدة جعلها ردا للمسلمين وانزلها المقاتلة فردوا الحروب وقوي المسلمون في تلك الناحية.ثم تحركت الصنارية بارمينية فوجّه (ابو جعفر الحسن بن قحطبة) عاملا علي ارمينية فحاربهم فلم يكن له بهم قوة فكتب الي ابي جعفر يخبره بكثرنهم فوجه اليه (عامر بن اسماعيل الحارثي) في عشرين الفا فلقي الصنارية فقاتلهم قتالا شديدا واقام اياما يحاربهم ثم رزقهم الله الظفر عليهم فقتل منهم في يوم واحد ستة عشر الفا ثم انصرف ووجه بطلب الصنارية اينما كانوا.ووثب اهل طبرستان واظهروا الخلع والمعصية وزحفوا بجيوش عظيمة فوجه اليهم المهدي (خازم بن خزيمة التميمي) و(روح بن حاتم المهلبي) فهزموا جيوشهم وفتحت طبرستان (سنة 142للهجرة).وقد استمرت الفتن شوطا بعد شوط يغذيها الفرس باسم الدين فيما تحرك ضده حتي اولاد عمومته طمعا بالسلطة ولكنه لم يتواني عن قبر تلك المحاولات حتي استقام الامر واستقرت احوال الرعية وراح يتوجه لبناء .

بغداد العظيمة.. بغداد المدورة.. بغداد مدينة السلام.


يتبع.....